المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2025

ضوابط تكفير المعين

ضوابط تكفير المعين مقدمة مهمة التكفير (أي الحكم على شخص بأنه كافر) ليس أمرًا عشوائيًّا، بل له شروط وموانع يجب مراعاتها بدقة. السلف الصالح لم يُكفّروا أحدًا لمجرد قول أو فعل يُشْبِه الكفر، بل نظروا في نيته، علمه، إرادته، وظروفه. وإليك الشروط الأربعة الأساسية التي لا يُحكم بالكفر إلا بتوفرها وانتفاء موانعها: الشرط الأول: العقل والبلوغ بالغًا (أي وصل سنّ التكليف، غالبًا بالاحتلام أو بلوغ 15 سنة). عاقلاً (ليس مجنونًا أو فاقدًا للوعي). الدليل: حديث النبي ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَستَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحتَلِمَ، وَعَنِ المَجنُونِ حَتَّى يَفيقَ». فلو قال طفل أو مجنون كلام كفر، فلا يُعدّ كافرًا، لأن التكليف لم يشمله بعد. الشرط الثاني: الإرادة والاختيار (انتفاء الإكراه والخطأ) لا يُعتبر كافرًا من قال كفرًا أو فعله بدون قصد، أو تحت إكراه، أو بسبب فرح/غضب شديد أفقده السيطرة. أمثلة: المكرَه: من أجبره ظالم على أن يقول "الله ليس خالقًا"، وقلبه مطمئن بالإيمان → معذور . قال تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِي...

إلزاماتٌ لا مهرب منها، للجزائريين

إلزاماتٌ لا مهرب منها: لمن يُكفّر غيره ويتبرّأ من تطبيق المعيار على حكام الجزائر مقدّمة في زمنٍ تزداد فيه الخطابات الدينية حِدّةً، ويُستَخدم فيه التكفير كسلاحٍ سياسي أكثر مما هو حُكمٌ شرعي، بات من الضروري أن نعود إلى مبدأٍ بسيط لكنه جوهري: العدل في المعيار . فليس الدين مِلكًا لفئةٍ تُطبّقه على غيرها، ثم تستثني نفسها باسم الوطنية أو المصلحة أو الولاء. وليس الإيمان شعارًا نرفعه ضدّ "الآخر"، بينما نُبرّر لـ"أنفسنا" ما نُكفّر عليه غيرنا. هذا المقال لا يهدف إلى الدفاع عن حاكمٍ أو نظام، بل إلى تسليط الضوء على ازدواجيةٍ فكرية تهدّد الوعي الديني والسياسي معًا: حين يُصبح "الولاء للوطن" غطاءً لتبرير ما لا يُبرَّر، ويُستخدم "الانتماء المذهبي" لشيطنة الخصوم، بينما يُغضّ الطرف عن ذات السلوك عند الحلفاء. السؤال الذي نطرحه هنا ليس: من على حق؟ بل: هل نحن منسجمون مع مبادئنا؟ لأنه، في النهاية، لا يُصلح الدينَ من يُطبّقه على غيره ولا على نفسه. أولًا: الإلزام الفقهي (من داخل منطقهم) إذا كان معيار "الحكم بما أنزل الله" هو الحدّ الفاص...

كيف يفكر العقل الجزائري؟!

1. منظور نفسي: عقدة النقاء والخوف من النقد العقل الجزائري السائد يعاني من حساسية مفرطة تجاه النقد ، لأنه يخلط بين الوطن و الذات . فأي انتقاد للدولة أو السياسات يُفهم كـ"إهانة شخصية". هذا ناتج عن جرح استعماري عميق لم يُعالج نفسيًّا، فتحول إلى دفاعٍ هجومي دائم: "نحن الأطهر، والباقي خائن". النتيجة؟ رفض النقد الذاتي ، وتحويل كل خلاف إلى "مؤامرة". 2. منظور اجتماعي: الهوية عبر المقارنة السلبية يُبنى شعور كثير من الجزائريين بالهوية ليس على ما هم عليه ، بل على ما ليسوا عليه : "نحن لسنا مطبعين"، "لسنا خونة"، "لسنا عبيد الدولار". هذا النوع من الهوية هشّ ، لأنه يعتمد على نفي الآخر، لا على بناء الذات. وكلما ضعف الداخل (اقتصادًا، تعليمًا، خدماتًا)، زادت الحاجة إلى تضخيم العداء للخارج لتعويض هذا الضعف. 3. منظور سياسي: استخدام "القضية الفلسطينية" كغطاء الخطاب الرسمي يستخدم دعم فلسطين كـ أداة شرعنة داخلية ، لا كسياسة خارجية فعّالة. فبدل إرسال مساعدات ملموسة أو بناء تحالفات استراتيجية، يكتفي بـ التصريحات...

تحليل "العقل الجزائري" (الجزء الثاني)

العقل الجزائري المُتخيّل (الجزء الثاني) عُقد الخطاب الوطني بين النقاء الثوري والوهم السيادي 1. عقدة "النقاء الثوري" (The Purity Complex) الثورة التحريرية (1954–1962) ليست مجرد حدث تاريخي في الذاكرة الجزائرية، بل مصدر شرعية وجودية . ومن هنا، نشأ خطابٌ يرى أن "من لم يخض ثورة مثل ثورتنا، فلا شرعية له"، وأن "من تصالح مع عدوّه، فقد باع دماء الشهداء". هذا يولّد استعلاءً أخلاقيًّا : الجزائر "لم تُهادن"، الجزائر "لم تُستعمر مرتين"، الجزائر "لم تُوقّع معاهدة إذلال". لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: فـ الثورة الجزائرية نفسها كانت مليئة بالانقسامات (مثل صراع الـFLN مع الـMNA)، والتحالفات المصلحية (مع يوغسلافيا، الصين، وحتى الاتحاد السوفيتي)، بل وحتى التعاون المؤقت مع فرنسا في مراحل لاحقة من الحرب. ومع ذلك، يُحوّل الخطاب الشعبي الثورة إلى أسطورة مطلقة ، لا تُناقش، ولا تُحلّل، بل تُستخدم كـ عصا سحرية لتبرير كل سياسة داخلية أو خارجية: "نحن ورثة الثورة، فلا يحق لأحد أن ينتقدنا!" وهذا يُفقِد المجتمع قدرته على...

تحليل "العقل الجزائري"

العقل الجزائري المُتخيّل بين "شعب الله المختار" و"نظرية المؤامرة الدائمة" في وادٍ من شمال إفريقيا، حيث تلتقي الصحراء بالبحر، يعيش شعبٌ يؤمن — أو يُعلّم أبناءه أن يؤمنوا — بأنه الوحيد الذي لم يركع ، الوحيد الذي لم يطبع ، الوحيد الذي لا يُشترى . ومن هذا الإيمان المقدس، ينبع الوهم التفاضلي : نحن لسنا كغيرنا. نحن استثناء. نحن الأطهر. نحن الأصلب. نحن الأذكى. أما الآخرون — حتى لو كانوا عربًا، مسلمين، أو جيرانًا — فهم متآمرون ، خونة ، عبيد الدولار ، مُستعمَرون من الداخل . هذا النوع من التفكير لا يُسمّى وطنية، بل استثنائية وطنية ( National Exceptionalism ) — وهي، كما يُحذّر الفلاسفة، أخطر أنواع العمى الجماعي، لأنها تُعفي صاحبها من النقد، وتُلزِم غيره بالذنب. العُقدة الأولى: "نحن شعب الله المختار... في السياسة!" ليس في الجزائر كهنة، لكن هناك خطباء السياسة الذين يكررون، صباح مساء: "الجزائر لم تطبع مع إسرائيل، بينما باعوا القدس بحفنة دولارات!" والحقيقة؟ نعم، الجزائر لم تطبع — وهذا موقفٌ سياديٌّ يُحترم. لكن هل هذا يمنحها حصانة أخ...

تأملات في فن الجهل

تأملات في فن الجهل رسالة إلى فارس الشرق الوحيد على طريقة المتفائل، مع إجلالي للحقيقة وتحفظي على المبالغة مقدمة فلسفية في طبيعة الوهم قال أفلاطون ذات مرة إن الجهل هو أسوأ أنواع العبودية، لكنه لم يكن قد التقى بعد بمواطننا الجزائري الفاضل، الذي حول الجهل إلى فن رفيع، بل إلى فلسفة متكاملة تستحق أن تُدرَّس في جامعات العالم تحت عنوان: "كيف تكون بطلاً في مسرحية لا يراها أحد غيرك؟" إن صديقنا الجزائري يعيش في عالم موازٍ، عالم شبيه بكهف أفلاطون، لكن مع فارق جوهري: الظلال على الجدار ليست انعكاساً للحقيقة، بل صناعة محلية، مصنوعة بأيدٍ وطنية، معتمدة من هيئة الخيال الشعبي، ومختومة بختم "السيادة المطلقة". الفصل الأول: في فلسفة الاستثناء يدّعي صاحبنا أن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة غير المتورطة مع أمريكا، وأنها السيدة على جميع الأمم. هذه الجملة، أيها القارئ العزيز، تحمل من العجائب ما يفوق سبع عجائب الدنيا القديمة مجتمعة. دعونا نستعرض الحقائق، تلك الأشياء المزعجة التي تُفسد متعة الخيال: في 22 يناير 2025، وقّعت الجزائر مذكرة تفاهم تاريخية مع الولايات المتحد...

فلسفة الكسكسي والسيادة

🍲 فلسفة الكسكسي والسيادة حين تصبح الملعقة سلاحًا في معركة الوعي على طريقة المتفائل، بين لقمةٍ من الكسكسي ورشفةٍ من الغرور الوطني الفصل الأول: المواطن الفيلسوف في إحدى زوايا المقهى، يجلس المواطن الجزائري الفيلسوف — لا يحمل سيفًا ولا كتابًا، بل ملعقة فضية وطبق كسكسي عامر بما لذ وطاب. عينه على المباراة، وأذنه على المسلسل، ولسانه في مهمة وطنية مقدسة: تصنيف الأمم وتقويم الخونة والمطبعين. فهذا بلد خائن، وذاك عميل، وتلك دولة باعت شرفها مقابل النفط، وأما الجزائر — فكما يقول بثقة من يمتلك مفاتيح التاريخ والجغرافيا معًا — فهي "الوحيدة الشريفة بين الأمم". إنه يجلس مرتاحًا على كرسي من البلاستيك لكنه يتحدث كما لو كان على عرش قسنطينة. يرفع الملعقة، يغمسها في المرق، ثم يرفع إصبعه إلى السماء قائلاً: "نحن لا نطبع، نحن أحرار، نحن أصحاب المواقف الثابتة!" ثم يبلع اللقمة بعظمة جنرال أنهى للتو معركة تحرير كونية. الفصل الثاني: في نظرية السيادة المعدية العجيب أن صاحبنا يظن أن السيادة تُكتسب بالامتناع عن التطبيع، كما تُكتسب العدوى بالاختلاط. فكل من صافح أو ت...

الرد على شبهة "تسمع للأمير وتطيع، وإن لاط بك"

الرد على شبهة "تسمع للأمير وتطيع، وإن لاط بك": كذبٌ على العلماء وانحرافٌ عن منهج أهل السنة انتشرت في بعض الأوساط — خصوصًا بين دعاة الفتنة أو المروّجين للفكر التكفيري — شبهةٌ خطيرة تقول: "تسمع للأمير وتطيع، وإن زنى بك!" ويُنسب هذا القول زورًا وبهتانًا إلى الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين — رحمه الله — في محاولةٍ لتشويه سمعته، وتصوير منهج أهل السنة على أنه يُجيز الاستسلام للظلم، حتى لو بلغ حد الاعتداء على العرض! والحق أن هذا القول لم يثبت عن الشيخ ابن عثيمين بأي حال ، لا في كتبه، ولا في دروسه، ولا في فتاواه الموثوقة. بل هو كذبٌ صريحٌ عليه ، وافتراءٌ على منهج السلف، الذي لم يُقرّ قطّ بالسكوت على الاعتداء على العرض، سواء صدر من حاكمٍ أو غيره. موقف أهل السنة من الاعتداء على العرض: الدفاع واجبٌ، والتمكين حرام إن الاعتداء على العرض — بالزنا، أو اللواط، أو التحرش — من أعظم الكبائر في الإسلام، وقد حرّمه الله تعالى أشدّ التحريم، وأمر المسلم أن يدفع عن نفسه وعن أهله ، ولو أدّى ذلك إلى القتال. قال النبي ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ ق...

اختبار الناس بتكفير الحكام

اختبار الناس بتكفير الحكام: سمةٌ خارجية لا تُخفى من أبرز أصول الخوارج — المتقدمين منهم والمتأخرين — جعل تكفير الحكام مِحْكَةً للإيمان، ومحكًّا للولاء والبراء . فعندهم، لا يُعدّ المرء من "أهل الحق" أو "الموحّدين" إلا إذا وافقهم على تكفير الحاكم، مهما كانت درجة عدله أو إسلامه الظاهر. أما من امتنع عن هذا التكفير، أو نصحهم بتركه خشية الفتنة واستباحة الدماء، فإنه يُعتبر من أهل الباطل، بل من أعداء الدين ، حتى لو كان من كبار العلماء أو أتقياء الناس. وهذا الأصل الخوارجي يتكون من شقين خطيرين: اختبار الناس بسؤالٍ واحد: "ما قولك في الحاكم الفلاني؟ أهو كافر طاغوت أم مسلم؟" عقد الولاء والبراء على الجواب: فمن وافقهم على التكفير فهو "المؤمن الناجي"، ومن خالفهم فهو "المنافق المرتد"، مهما كانت أعماله أو نيته. الخوارج الأوائل: القتل بسبب رفض التكفير لم يكن هذا المنهج وليد العصر الحديث، بل هو أصيلٌ في فكر الخوارج منذ نشأتهم. فقد روى أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر — رضي الله عنهما — فسأله: «فما قولك في علي وعثمان؟» قال الحافظ...

اختزال الدين في تكفير الحكام

الأنبياء بُعثوا للتوحيد لا للانقلابات: تحذير من اختزال الدين في تكفير الحكام من أعظم الانحرافات الفكرية التي أصابت بعض الجماعات المعاصرة — والتي تُعيد إنتاج منهج الخوارج الأوائل — هو اختزال الدين كله في مسألة الحكام ، حتى صار همّهم الأوحد هو الطعن في ولاة الأمور، وذكر معايبهم، والتشهير بهم، بل والتكفير الصريح لهم، وكأن الإسلام لم يُنزَّل إلا لهذا الغرض! والحق أن الله تعالى بعث الأنبياء — عليهم السلام — لتعليم الناس التوحيد، والصلاة، والزكاة، والحج، والأخلاق، وسائر أنواع العبادة ، لا لتنظيم الانقلابات، ولا لتفجير الثورات، ولا لخلع الحكام تحت شعارات دينية زائفة. قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج: 78). فأين هذا من منهج من يجعل "الحاكم...

مذكرات شاب خارجي: كيف أصبحت كلبًا من كلاب النار دون أن ألاحظ!

"مذكرات شاب خارجي: كيف أصبحت كلبًا من كلاب النار دون أن ألاحظ!" بقلم: المتفائل (لو كان خارجيًا وعاصر داعش) ملاحظة هامة: المقال ساخر تهكمي من فكر الخوارج واتباعهم، وهو للتحذير من هذا الفكر بطريقة هزلية ساخرة. في صباحٍ مشمس من أيام الربيع — أو لنقل: في صباحٍ دموي من أيام "الجهاد" — جلستُ أمام مرآتي، وأنا أُعدّ حزامي الناسف، وأتساءل: "كيف وصلتُ إلى هنا؟" أنا شابٌّ في العشرين، لم أقرأ "صحيح البخاري" كاملاً، ولا حتى "بلوغ المرام"، لكنني أملك شيئًا أعظم: قناعة راسخة أنني على الحق، وأن بقية البشر — حتى جدتي — كفارٌ مستحقون للذبح! بدأت رحلتي ككلّ شابٍّ طموح: دخلتُ مسجد الحي، وسمعتُ ملتحيًا يقول: "المجتمع جاهلي!" فقلتُ في نفسي: "أحسنت! حتى جارنا الذي يسقي زرعه بالماء المكرّر جاهلي!" ثم سمعتُ آخر يقول: "الحاكم كافر لأنه لا يحكم بما أنزل الله!" فقلتُ: "بالضبط! حتى لو كان يصلي الفجر في المسجد!" ثم قرأنا كتابًا صغيرًا اسمه "معالم في الطريق"، فصرتُ أرى أن العالم كله كافر، إلا أنا...

ادعاء احتكار الإيمان عند الإخوان المسلمين والحركات التابعة لها

ادعاء احتكار الإيمان عند الإخوان المسلمين والحركات التابعة لها من أخطر الظواهر الفكرية التي تهدّد وحدة الأمة وسلامة عقيدتها، ظاهرة التطرّف التي تبدأ بانغلاق فكري، وتنتهي بتكفير المجتمعات، وعزل "الجماعة" عن سائر المسلمين تحت زعم احتكار الحقيقة والنجاة. وقد بيّن السلف، وعلى رأسهم أئمة الإسلام، أن من أبرز سمات الخوارج — المتقدمين منهم والمتأخرين — ادّعاء احتكار الإيمان ، ووصف أنفسهم بأنهم "أهل الإيمان"، أو "الموحّدون"، أو "جماعة المسلمين التي لا يجوز الخروج عليها"، في حين يصفون سائر الناس — حتى من صلّى وصام وآمن بالله ورسوله — بأنهم على ضلالٍ أو كفرٍ صريح. ادّعاء احتكار الإيمان: سمةٌ تاريخية للخوارج لقد أخبر النبي ﷺ عن هذه الصفة في الحديث الصحيح: «يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (رواه البخاري ومسلم). وفي روايةٍ أخرى: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَق...

حداثة السن عند الخوارج

حداثة السن عند الخوارج في زمنٍ تزداد فيه مخاطر التطرف الفكري والانزلاق نحو العنف باسم الدين، يغدو الرجوع إلى الدراسات الأكاديمية الرصينة ضرورةً ملحّة لفهم جذور هذه الظاهرة وآليات انتشارها. ومن بين أبرز الدراسات التي تلقي ضوءًا كاشفًا على هذا المسار، كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، الذي لا يكتفي برصد الجذور التاريخية للفِرقة الخارجيّة الأولى في الإسلام، بل يربط بين سماتها السلوكية والفكرية وبين ما نراه اليوم من مظاهر التطرف العنيف. حداثة السن: سمة بارزة عند الخوارج من أبرز الملاحظات التي يوردها الدكتور المحيميد في كتابه أن من سمات الخوارج المتقدمين كانت حداثة السن . فعندما دخل أبو حمزة الخارجي المدينة، واجه انتقاداتٍ من أهلها حول أصحابه، فقال مدافعًا عنهم: "يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث، وأعراب جفاة. ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباب الله؟ مكتهلون في شبابهم، غضّة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل!" هذا الخطاب، رغم ما يحمله من تشبّهٍ ظاهري بالسلف، إلا أنه يُستخدم لتبرير انتماء الشبا...

لماذا يسقط الخوارج والاخونج العلماء؟!

إسقاط العلماء: السمة الأبرز للخوارج من القدماء إلى المعاصرين من أخطر السمات التي تميّز الخوارج — قديمهم وحديثهم — هي العداء الصريح للعلماء الربانيين ، والطعن فيهم، وتشويه سمعتهم، بل والدعوة الصريحة إلى تكفيرهم أو قتلهم . فبينما يرى أهل السنة أن العلماء "ورثة الأنبياء"، وهم حُجّة الأمة بعد كتاب الله وسنة رسوله، يرى الخوارج أن العلماء — خصوصًا أولي الأمر منهم — هم "أعداء الدعوة"، و"عملاء الطواغيت"، بل و"آخر من يُقتل في المعركة"! وقد بيّن هذا الأصل منذ البداية ابن عباس رضي الله عنهما حين ذهب لمناظرة الخوارج الأوائل، فنادى كبيرهم فيهم: «هذا ابن عباس من قوم قريش، ممن نزل فيهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨]، فلا تجادلوه ولا تسمعوا له!». فأجابهم ابن عباس بقوله البليغ: «جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ». وفي هذا الموقف دروسٌ عظيمة، نوجزها فيما يلي: الفوائد المستنبطة من ...

هل جماعة الإخوان "دعوية سلمية" ؟

هل كانت جماعة الإخوان "دعوية سلمية" حقًّا؟ الرد على شبهة "الانحراف الطارئ" بالأدلة من كتب الجماعة نفسها من الشبهات المتكررة التي يروّج لها بعض المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين — غالبًا دون تمحيص أو معرفة دقيقة — أن الجماعة كانت في أصلها دعوية سلمية ، وأن "الانحراف" نحو العنف والتكفير لم يظهر إلا لاحقًا، نتيجة ظروف سياسية أو تصرّفات فردية من "قلّة منحرفة". وبناءً على ذلك، يُطالب هؤلاء بعدم تحميل الجماعة "وزر الأفراد"، أو اعتبارها "أمّ التكفير". لكن التأمل في الوثائق التاريخية، والشهادات الداخلية، وكتب الجماعة نفسها يُفنّد هذه الشبهة تمامًا، ويكشف أن العنف، والتنظيم السري، والعداء للسلطة، وتكفير المخالف لم تكن "انحرافات طارئة"، بل أركانًا تأسيسية وُضعت منذ البداية، ونُفّذت بمنهجية واضحة تحت غطاء "الدعوة". الدليل الأول: الخطاب الهجومي منذ البداية يؤكد الباحثون أن جماعة الإخوان لم تكن يومًا حركة دعوية محضة، بل اعتمدت خطابًا هجوميًّا مبطنًا ضد الحكام منذ العقد الأول من تأسيسها (1928). ويُشير ...

جذور التكفير المعاصر: من الخوارج الأوائل إلى داعش — دراسة في تسلسل الفكر الخارجي وارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين

جذور التكفير المعاصر: من الخوارج الأوائل إلى داعش دراسة في تسلسل الفكر الخارجي وارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين مقدمة تمهيدية (فهرس المقالات): في ظلّ التحديات الفكرية والأمنية التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم، بات من الضروري فهم الجذور التاريخية والفكرية للتيارات التكفيرية المعاصرة، لا لغرض التأريخ فحسب، بل للكشف عن الآليات التي تُنتج العنف باسم الدين، والتمييز بين الدعوة الصافية ومناهج الانحراف. استنادًا إلى كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، ومستندًا إلى شهادات من داخل الجماعات نفسها، نقدّم في هذه السلسلة تحليلًا منهجيًّا يربط بين الخوارج الأوائل والتنظيمات الإرهابية الحديثة، مع تسليط الضوء على الدور المحوري لجماعة الإخوان المسلمين في تهيئة البيئة الفكرية والتنظيمية التي أنتجت القاعدة وداعش.   وتتكوّن هذه السلسلة من المقالات التالية: 1. أصول الخوارج الأوائل وسماتهم: مقارنة مع التيارات المعاصرة عرضٌ تحليليٌّ ...

الجزء السابع والأخير: الخيط المتصل: التسلسل الزمني للجماعات التكفيرية وارتباطها بجماعة الإخوان

الخيط المتصل: التسلسل الزمني للجماعات التكفيرية وارتباطها بجماعة الإخوان في محاولةٍ لفهم تدرّج الفكر الخارجي من النظرية إلى التطبيق، ثم إلى الإرهاب العابر للقارات، لا بدّ من تتبع المحطات التاريخية التي شكّلت مراحل تبلور هذا الفكر. وقد بيّن الباحثون — وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم المحيميد — أن جميع هذه المحطات، رغم اختلاف أسمائها وأماكنها، تعود إلى منبعٍ واحد : جماعة الإخوان المسلمين، التي وفّرت البذرة الفكرية، والتنظيم السري، والرموز الأيديولوجية التي أنتجت أخطر التيارات التكفيرية في العصر الحديث. التسلسل الزمني للجماعات التكفيرية (1963–الحاضر) السنة الجماعة / الحدث الارتباط بفكر الإخوان 1963م حركة الشبيبة المغربية (مراكش) بقيادة عبد الكريم مطيع أول محاولة خارجية مبكرة مستوحاة من خطاب "...