ضوابط تكفير المعين

ضوابط تكفير المعين


مقدمة مهمة

التكفير (أي الحكم على شخص بأنه كافر) ليس أمرًا عشوائيًّا، بل له شروط وموانع يجب مراعاتها بدقة. السلف الصالح لم يُكفّروا أحدًا لمجرد قول أو فعل يُشْبِه الكفر، بل نظروا في نيته، علمه، إرادته، وظروفه. وإليك الشروط الأربعة الأساسية التي لا يُحكم بالكفر إلا بتوفرها وانتفاء موانعها:

الشرط الأول: العقل والبلوغ

  • بالغًا (أي وصل سنّ التكليف، غالبًا بالاحتلام أو بلوغ 15 سنة).
  • عاقلاً (ليس مجنونًا أو فاقدًا للوعي).

الدليل: حديث النبي ﷺ:
«رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَستَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحتَلِمَ، وَعَنِ المَجنُونِ حَتَّى يَفيقَ».

فلو قال طفل أو مجنون كلام كفر، فلا يُعدّ كافرًا، لأن التكليف لم يشمله بعد.

الشرط الثاني: الإرادة والاختيار (انتفاء الإكراه والخطأ)

لا يُعتبر كافرًا من قال كفرًا أو فعله بدون قصد، أو تحت إكراه، أو بسبب فرح/غضب شديد أفقده السيطرة.

أمثلة:

  • المكرَه: من أجبره ظالم على أن يقول "الله ليس خالقًا"، وقلبه مطمئن بالإيمان → معذور.
    قال تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.
  • الخطأ غير المقصود: كمن فرح بعودة راحلته بعد أن فقد الأمل، فقال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» → هذا خطأ، وليس كفرًا.
  • الكلمة التي تخرج سهوًا (سبق لسان) دون قصد أو فهم → لا يُكفّر بها.

الدليل العام:
«إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».

قال العلماء: النية شرط في التكليف، فلا كفر بدون إرادة.

الشرط الثالث: قيام الحجة وانتفاء الجهل

لا يُحكم على شخص بالكفر إذا كان جاهلاً، طالما لم تُقم عليه الحجة بوضوح.

ما معنى "قيام الحجة"؟

أن يُبيّن له أن ما فعله كفر صريح، وأنه مخالف للدين، وأنه ينقل عن الملة.

استثناء:

المسائل المعلومة من الدين بالضرورة (مثل: إنكار وجود الله، أو السخرية من النبي ﷺ، أو عبادة الأصنام) لا عذر فيها بالجهل.

لكن:

من كان حديث عهد بالإسلام، أو بعيدًا في البادية، أو لم يصله العلم → يعذر بالجهل حتى تُقام عليه الحجة.

الدليل من القرآن: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
الدليل من السنة: قصة أصحاب "ذات أنواط"، فلم يكفرهم النبي ﷺ بل قال: «إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ».

وقال ابن تيمية: "ليس لأحد أن يكفر مسلمًا حتى تُقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة".

الشرط الرابع: انتفاء التأويل السائغ

قد يقول أو يفعل شخصٌ ما شيئًا يُشبه الكفر، لكن بتأويل (تفسير خاطئ)، وليس عنادًا أو جحودًا.

مثال:

  • حاطب بن أبي بلتعة أرسل رسالة للمشركين لحماية أهله، فلم يكفره النبي ﷺ لأنه لم يقصد خيانة الدين.
  • خالد بن الوليد قتل من قال "صَبَأْنا" (بدل "أسلمنا")، ولم يعاقبه النبي ﷺ لأنه أخطأ بتأويل.

الشرطان اللذان يجعلان التأويل معذورًا:
1. أن يكون قصده اتباع الشرع، وليس العناد.
2. أن يكون تأويله له وجه في اللغة أو الشرع.

قال ابن حجر: "كل متأوّل معذور بتأويله، إذا كان سائغًا في لسان العرب، وله وجه في العلم".

خلاصة

لو أن كل من أخطأ في دينه كُفّر، لَما بقي مسلمٌ على ظهر الأرض إلا مَلَكٌ نزل من السماء!
فالدين رحمة، والتكفير سيفٌ لا يُسلّط إلا بعد أن تُغلق كل أبواب العذر: العقل، البلوغ، الإرادة، العلم، والنية الصادقة.
ومن فتح باب التكفير على مصراعيه، فقد فتح باب الفتنة على نفسه وأمّته.

جمعها وأعد مادتها ولخصها: المتفائل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي