اختزال الدين في تكفير الحكام

الأنبياء بُعثوا للتوحيد لا للانقلابات: تحذير من اختزال الدين في تكفير الحكام

من أعظم الانحرافات الفكرية التي أصابت بعض الجماعات المعاصرة — والتي تُعيد إنتاج منهج الخوارج الأوائل — هو اختزال الدين كله في مسألة الحكام، حتى صار همّهم الأوحد هو الطعن في ولاة الأمور، وذكر معايبهم، والتشهير بهم، بل والتكفير الصريح لهم، وكأن الإسلام لم يُنزَّل إلا لهذا الغرض!

والحق أن الله تعالى بعث الأنبياء — عليهم السلام — لتعليم الناس التوحيد، والصلاة، والزكاة، والحج، والأخلاق، وسائر أنواع العبادة، لا لتنظيم الانقلابات، ولا لتفجير الثورات، ولا لخلع الحكام تحت شعارات دينية زائفة. قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج: 78).

فأين هذا من منهج من يجعل "الحاكم" محور دينه، حتى يكفر كل من لا يوافقه في رأيه السياسي؟!


تكفير الحكام: علامةٌ فارقة في منهج الخوارج

ومن أصول الخوارج المتقدمين — بل من أبرز سماتهم — تكفير حكام المسلمين، والطعن فيهم، واعتبار الخروج عليهم واجبًا دينيًّا. وقد كان السلف — رضوان الله عليهم — إذا رأوا أحدًا يسبّ الحكام أو يكفّرهم، ربطوه مباشرةً بمنهج الخوارج، دون تردد.

روى الإمام أحمد في "المسند" من حديث عقبة بن وساج أنه دخل المدينة، فلقي عبد الله بن عمرو بن العاص — رضي الله عنهما — فقال له: "ظهر عندنا في العراق أناس يسبّون أمراءهم، ويشهدون عليهم بالضلالة". فقال عبد الله بن عمرو: "أولئك عليهم لعنة الله! أولئك عليهم لعنة الله! أولئك عليهم لعنة الله!" ثلاث مرات، ثم ذكر لهم حديث النبي ﷺ في الخوارج.

وفي هذا الموقف دروسٌ عظيمة:

  1. أن تقدير ولاة الأمور واحترام السلطان من ثوابت منهج السلف، وأن الطعن فيهم من البدع الدخيلة التي لا تمتّ للإسلام بصلة.
  2. أن الصحابي لم يسأل: "هل الحكام عدول؟ هل ظلموا؟"، بل أنكر الفعل ذاته، لأن الأصل في العلاقة مع الحكام هو الصبر، لا التكفير والثورة.
  3. أن السلف فهموا — من وحي النبوة — أن الرابط بين هؤلاء وبين الخوارج هو القدح في من يلي أمر الأمة، مهما كانت درجة ظلمه.

كفر الأجداد... وكفر الأحفاد

وقد كفر الخوارج الأوائل عثمان بن عفان — رضي الله عنه —، مع أن النبي ﷺ زوّجه بنتين من بناته، فكان "ذو النورين"، ومنقبةٌ لم ينلها أحد من الصحابة. وكفروا علي بن أبي طالب — رضي الله عنه —، مع أن النبي ﷺ قال فيه: «غَدًا يَخْرُجُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فجاء عليٌّ يمشي وَهْنًا، فعانقه النبي ﷺ وقال: «هَذَا».

فهل بعد هذا يُعقل أن يُكفَّر خير أهل الأرض في زمانهم؟! واليوم، يُكفّر خوارج العصر ولاة أمورنا في بلاد التوحيد — نحسبهم خيرًا، ولا نزكي على الله أحدًا — من ملوكٍ ورؤساء، بحجة "الحكم بغير ما أنزل الله"، أو "التحالف مع الكفار"، أو غير ذلك من الذرائع التي لا تقوم على دليلٍ شرعيٍّ صحيح.


من الإخوان إلى القاعدة: سلسلةٌ متصلة من التكفير

ويكفي أن ننظر في كلام قادة هذه الجماعات لنرى استمرارية المنهج:

  • يقول محمود عبد الحليم — مؤرخ جماعة الإخوان —: "فوجئنا بمنشور من المرشد العام (حسن الهضيبي) يجرّم رجال الثورة (المجلس العسكري المصري آنذاك)، ويتهمهم بالكفر!"
  • ويقول أبو الأعلى المودودي: "دعوتنا لجميع أهل الأرض أن يُحدثوا انقلابًا عامًّا في أصول الحكم الحاضر، الذي استبد به الطواغيت والفجرة!"
  • وعندما اغتالت جماعة الإخوان رئيس الوزراء المصري النقراشي باشا عام 1948، علّلت الجريمة بقولها: "لأنه كفر بالله ورسوله، وقتل المحاربين المرتدين فرض!"
  • ثم سارت القاعدة وداعش — وهما ابنتا الفكر التكفيري — على نفس الدرب، فـأسامة بن لادن كفّر ثلاثة من ملوك المسلمين، منهم الملك عبد العزيز — رحمه الله — مؤسس الدولة السعودية، التي قامت على التوحيد ونشره.

مؤلفاتٌ تُشرّع للتفجير والتكفير

ولم يكتفِ هؤلاء بالكلام الشفهي، بل ألّفوا كتبًا ومقالاتٍ تُبرّر تكفير الحكام وقتلهم، منها:

  • "فصل الكلام في إثبات ردة الشرطة والحكام" — لأبي دجانة الشامي.
  • "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية" — لأبي محمد عاصم المقدسي.

فهل بعد هذا يُقال إن هذه الجماعات "دعوية" أو "إصلاحية"؟! إنها — في جوهرها — استمرارٌ لفكر الخوارج، لا فرق بين الأجداد والأحفاد إلا في الوسائل، أما المقاصد فهي واحدة: إسقاط الدولة، وتكفير المجتمع، واحتقار علماء الأمة، وادّعاء احتكار الحق.


خاتمة: الدين أوسع من أن يُختزل في الحكام

إن اختزال الدين في مسألة الحكام، وجعل التكفير والثورة همّ الداعية، هو انحرافٌ عن منهج الأنبياء، وابتعادٌ عن هدي السلف. فالأنبياء لم يُبعثوا ليُعلّموا الناس كيف يخلعون الحكام، بل ليُعلّموهم كيف يعبدون الله، ويصلحون أنفسهم، ويتعاملون مع الناس بالعدل والإحسان.

وواجبنا اليوم — علماءً ودعاةً وطلاب علم — أن نُبيّن هذا الانحراف، ونُحذّر منه، ونُعيد الناس إلى فهمٍ متوازنٍ للدين، لا يُفرّط في حق الحاكم، ولا يُغالي في تكفيره، بل يسير على منهج أهل السنة: السمع والطاعة في المعروف، والنصيحة سرًّا، والصبر على الظلم، وترك الفتنة.

فـ"الدين النصيحة"، لا الدين التفجير والتكفير.


أعده وكتبه وجمع مادته: المتفائل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي