تحليل "العقل الجزائري" (الجزء الثاني)

العقل الجزائري المُتخيّل (الجزء الثاني)

عُقد الخطاب الوطني بين النقاء الثوري والوهم السيادي


1. عقدة "النقاء الثوري" (The Purity Complex)

الثورة التحريرية (1954–1962) ليست مجرد حدث تاريخي في الذاكرة الجزائرية، بل مصدر شرعية وجودية. ومن هنا، نشأ خطابٌ يرى أن "من لم يخض ثورة مثل ثورتنا، فلا شرعية له"، وأن "من تصالح مع عدوّه، فقد باع دماء الشهداء".

هذا يولّد استعلاءً أخلاقيًّا:

  • الجزائر "لم تُهادن"،
  • الجزائر "لم تُستعمر مرتين"،
  • الجزائر "لم تُوقّع معاهدة إذلال".

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: فـالثورة الجزائرية نفسها كانت مليئة بالانقسامات (مثل صراع الـFLN مع الـMNA)، والتحالفات المصلحية (مع يوغسلافيا، الصين، وحتى الاتحاد السوفيتي)، بل وحتى التعاون المؤقت مع فرنسا في مراحل لاحقة من الحرب.

ومع ذلك، يُحوّل الخطاب الشعبي الثورة إلى أسطورة مطلقة، لا تُناقش، ولا تُحلّل، بل تُستخدم كـعصا سحرية لتبرير كل سياسة داخلية أو خارجية:

"نحن ورثة الثورة، فلا يحق لأحد أن ينتقدنا!"

وهذا يُفقِد المجتمع قدرته على النقد الذاتي، لأن أي مساءلة تُفسّر على أنها "طعن في المقدس".


2. سياسة الهروب إلى الماضي (Nostalgia as a Political Strategy)

الخطاب الجزائري الرسمي — والشعبي على حدٍّ سواء — يعيش في حاضر مُعطّل، لكنه يُعيد إنتاج ماضٍ مُثالي. في هذا الماضي:

  • كان الاقتصاد "مستقلاًّ"،
  • كان الشعب "مُوحّدًا"،
  • كانت الجزائر "قائدة العالم الثالث".

لكن الإحصائيات تقول غير ذلك:

  • في السبعينيات، كان الدين الخارجي الجزائري يرتفع بشكل مطرد.
  • في الثمانينيات، انهار الاقتصاد بسبب الاعتماد الكلي على النفط.
  • في التسعينيات، انهار الأمن بسبب صراع داخلي دموي لم يُحلّ بعد.

لكن بدل مواجهة هذه الوقائع، يُلجأ إلى الحنين إلى زمنٍ لم يكن موجودًا، كوسيلة للهروب من مسؤولية الإصلاح اليوم.


3. ثنائية "الصديق/العدو" المطلقة (Manichean Thinking)

العقل الجزائري السائد — خصوصًا في الخطاب السياسي — لا يعرف الدرجات الرمادية. كل شيء إما:

  • أبيض (الجزائر، المقاومة، الشرف)،
  • أو أسود (التطبيع، أمريكا، الصهيونية، الخيانة).

هذا النوع من التفكير، الذي يُسمّيه الفيلسوف فرانتز فانون "الثنائية الاستعمارية المقلوبة"، يجعل من التعقيد السياسي جريمة. فلا يُسمح بطرح أسئلة مثل:

  • هل يمكن دعم فلسطين دون الدخول في حرب؟
  • هل يمكن التعاون مع أمريكا في مجال الطاقة، مع رفض سياستها في الشرق الأوسط؟
  • هل يمكن أن تكون دولة "صديقة لإسرائيل" في العلن، وتدعم المقاومة في الخفاء؟

كل هذه الأسئلة تُعتبر خيانة فكرية، لأنها تخرق جدار الثنائية المقدّس.


4. إنكار القدرة على الفعل (The Illusion of Powerlessness)

من أكثر المفارقات إيلامًا: الخطاب الجزائري يدّعي القوة المطلقة ("نحن سادة أنفسنا")، لكن في الممارسة، يعيش إحساسًا بالعجز المطلق ("لا نستطيع فعل شيء بسبب الحصار، البند السابع، المؤامرة...").

هذا التناقض يُولّد خطابًا غاضبًا لكنه سلبي:

  • يُدين،
  • يُحذّر،
  • يُهدّد،

لكن لا يُقدّم بديلًا عمليًّا.

فبدل أن تُرسل الجزائر سفينة إغاثة إلى غزة (وهي قادرة على ذلك قانونيًّا وتقنيًّا)، تكتفي بالخطب. وبدل أن تبني صناعة دفاعية قادرة على دعم المقاومة، تشتري أسلحة من روسيا والصين. وبدل أن تُشكّل تحالفًا عربيًّا حقيقيًّا ضد التطبيع، تكتفي بمقاطعة القمم.

لماذا؟ لأن الخطاب البطولي أرخص من العمل البطولي.


5. التناقض في مفهوم "السيادة"

السيادة في الخطاب الجزائري تعني: رفض التبعية للغرب، لكنها لا تعني:

  • بناء اقتصاد مستقل،
  • تنويع الشركاء،
  • تمكين المواطن.

فالجزائر، رغم خطابها "المناهض للإمبريالية"،

  • تعتمد على التكنولوجيا الغربية في قطاع الطاقة،
  • تستورد 70% من الأدوية من أوروبا،
  • تتعامل بالدولار في 90% من تجارتها الخارجية.

وهذا ليس عيبًا — فكل الدول تتعامل مع النظام العالمي — لكن العيب هو إنكار هذا الواقع، ثم اتهام الآخرين بأنهم "خونة" لأنهم يعترفون به.


6. غياب "المسؤولية المشتركة"

في هذا العقل، الآخر دائمًا مذنب:

  • إذا فشل التعليم → "الاستعمار دمّره!"
  • إذا فسد المسؤول → "المؤامرة الخارجية دفعته!"
  • إذا تخلّف الاقتصاد → "الحصار العالمي!"

لكن نادرًا ما يُسأل:

"ما دورنا نحن كمواطنين؟ ما دور النخبة؟ ما دور المؤسسات التي ننتخبها أو نسكت عنها؟"

هذا إسقاط اللوم على الخارج يُريح الضمير، لكنه يقتل الإرادة.


خاتمة: الجزائر ليست المشكلة... بل الوهم عنها هو المشكلة

الجزائر دولةٌ غنيةٌ بمواردها، شعبها كريمٌ وشجاع، وتاريخها عظيم. لكنها تُعاقَب اليوم ليس بسبب أعدائها، بل بسبب أسطورتها عن نفسها. فطالما ظلّ الخطاب يُعيد إنتاج صورةٍ مثالية لا وجود لها في الواقع، فإن الانفصال بين الخيال والحقيقة سيظلّ يُولّد الغضب، واليأس، والازدواجية.

الخلاص لا يكون بالصراخ على "الخونة"، بل بالاعتراف أن الكمال وهم، وأن النقد ليس خيانة، وأن القوة الحقيقية تبدأ حين نتوقف عن اختراع أعذار، ونبدأ في صنع حلول.


وهنا، ربما، يكمن أول درسٍ حقيقي من دروس الثورة: ليس أن نُقاتل العالم، بل أن نُصلح أنفسنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي