تأملات في فن الجهل
تأملات في فن الجهل
رسالة إلى فارس الشرق الوحيد
على طريقة المتفائل، مع إجلالي للحقيقة وتحفظي على المبالغة
مقدمة فلسفية في طبيعة الوهم
قال أفلاطون ذات مرة إن الجهل هو أسوأ أنواع العبودية، لكنه لم يكن قد التقى بعد بمواطننا الجزائري الفاضل، الذي حول الجهل إلى فن رفيع، بل إلى فلسفة متكاملة تستحق أن تُدرَّس في جامعات العالم تحت عنوان: "كيف تكون بطلاً في مسرحية لا يراها أحد غيرك؟"
إن صديقنا الجزائري يعيش في عالم موازٍ، عالم شبيه بكهف أفلاطون، لكن مع فارق جوهري: الظلال على الجدار ليست انعكاساً للحقيقة، بل صناعة محلية، مصنوعة بأيدٍ وطنية، معتمدة من هيئة الخيال الشعبي، ومختومة بختم "السيادة المطلقة".
الفصل الأول: في فلسفة الاستثناء
يدّعي صاحبنا أن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة غير المتورطة مع أمريكا، وأنها السيدة على جميع الأمم. هذه الجملة، أيها القارئ العزيز، تحمل من العجائب ما يفوق سبع عجائب الدنيا القديمة مجتمعة.
دعونا نستعرض الحقائق، تلك الأشياء المزعجة التي تُفسد متعة الخيال:
في 22 يناير 2025، وقّعت الجزائر مذكرة تفاهم تاريخية مع الولايات المتحدة للتعاون العسكري. التوقيع جرى بين الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة الأفريقية الأمريكية (أفريكوم)، والجنرال سعيد شنقريحة. الاتفاقية تشمل التدريب العسكري المشترك، مكافحة الإرهاب، تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإمكانية صفقات أسلحة مستقبلية.
المفارقة الساخرة هنا أن هذا الاتفاق وُصِف من قبل مسؤولين أمريكيين بأنه "تحول كبير في السياسة الخارجية الجزائرية" و"فتح الباب على مصراعيه" للتعاون مع أمريكا. بل إن بعض المحللين أطلقوا عليه اسم "تأثير ترامب"، إذ تسارعت المفاوضات بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية.
أما عن السيادة الاقتصادية المطلقة، فلننظر إلى الأرقام: الاقتصاد الجزائري يعتمد على النفط والغاز بنسبة تزيد عن 90% من عائدات التصدير و60% من إيرادات الحكومة. وبماذا تُسعَّر هذه الصادرات؟ بالدولار الأمريكي، بالطبع. العملة الجزائرية، الدينار، تُدار بنظام صرف مُدار يعتمد بشكل أساسي على قيمة الدولار. في عام 2024، كان الدولار الواحد يساوي حوالي 134 ديناراً جزائرياً.
الفصل الثاني: في فلسفة الحدود والقيود
يزعم صاحبنا أن الجزائر لا تستطيع الوصول إلى غزة لأن البند السابع يمنعها من عبور حدود الدول المجاورة، ثم يتذكر فجأة أن هناك حدوداً بحرية.
هنا نواجه مأساة فلسفية عميقة: الرجل يعرف أن هناك بحراً، لكنه لا يبدو على علم بأن البحر المتوسط ليس بركة خاصة، بل ممر دولي تحكمه قوانين دولية. المسافة البحرية من الجزائر إلى غزة تزيد عن 3000 كيلومتر، وتمر عبر مياه إقليمية لعدة دول.
أما البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُستخدم هنا كذريعة، فيتعلق بالإجراءات العسكرية المعتمدة من مجلس الأمن ضد التهديدات للسلم الدولي. استخدامه كمبرر لعدم القدرة على التحرك يشبه إلى حد كبير لوم قانون الجاذبية على عدم القدرة على الطيران.
الفصل الثالث: في فلسفة العبودية والحرية
يصف خطيبنا الدول العربية الأخرى بأنها "عبيد للأمريكان" لأن فيها قواعد عسكرية أمريكية. دعونا نفحص هذا المنطق الفلسفي الفريد:
أولاً، القواعد العسكرية الأمريكية في الدول العربية هي نتيجة اتفاقيات دفاعية تُبرمها دول ذات سيادة. بعضها قديم يعود إلى الحرب الباردة، وبعضها نتيجة لتهديدات إقليمية حقيقية.
ثانياً، تقارير إعلامية متعددة أشارت منذ عام 2018 إلى وجود أفراد عسكريين أمريكيين في الجزائر يتلقون "بدل الخطر الوشيك"، وهو ما يُدفع للجنود المنتشرين في مناطق خطرة. واشنطن بوست ونيويورك تايمز أكدتا أن الجزائر كانت على قائمة الدول التي ينتشر فيها جنود أمريكيون.
بل إن تقارير فرنسية قديمة من صحيفة "لو كانار أونشينيه" الساخرة تحدثت عن قاعدة أمريكية سرية في تاسيلي، جنوب شرق الجزائر، تم بناؤها في أوائل الألفية من قبل شركة أمريكية تابعة لـ"هاليبرتون".
الفصل الرابع: في طبيعة الخيانة والوطنية
الاتهام بأن جميع العرب "خونة ومتآمرون" مع أمريكا، باستثناء الجزائر، يذكرني بمقولة المتفائل الخالدة:
"كم هو سهل أن نرى بقع الغبار على وجوه الآخرين، بينما نحن مغطون بالطين من الرأس إلى القدمين."
الوطنية الحقيقية، أيها السادة، لا تُقاس بالصراخ، بل بالأفعال. الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُحمل. والجزائر، مثلها مثل كل دول المنطقة، تتخذ قرارات سياسية تخدم مصالحها كما تراها.
ميزانية الدفاع الجزائرية تبلغ أكثر من 24 مليار دولار سنوياً، وهي الأعلى في أفريقيا. حوالي 85% من أسلحتها من روسيا. الآن، مع الاتفاق الجديد، تسعى الجزائر لتنويع مصادر أسلحتها وتقليل اعتمادها على روسيا، خاصة بعد تورط مجموعة فاغنر في دول الساحل المجاورة بطريقة تهدد المصالح الجزائرية.
هذا ليس خيانة، بل واقعية سياسية. الخيانة الحقيقية هي الادعاء بما ليس فيك، والتظاهر بالبطولة وأنت جالس في بيتك.
الفصل الخامس: في حرب لا تُقاتَل
يقول محدثنا إن الجزائر تريد دخول الحرب ضد إسرائيل لكنها محاطة بدول خائنة. هذا ادعاء يستحق التأمل الفلسفي العميق.
الجزائر تبعد عن غزة أكثر من 3000 كيلومتر. ليس لديها حدود مشتركة مع إسرائيل. جيشها، على قوته، غير مجهز للحروب الحديثة عبر البحر. وحتى لو افترضنا جدلاً أن هناك نية حقيقية، فإن الحرب الحديثة ليست كحروب العصور الوسطى حيث تسير الجيوش على الأقدام.
الأهم من ذلك: الجزائر، مثل أي دولة عاقلة، تدرك أن الدخول في حرب مع إسرائيل يعني مواجهة أمريكا وحلف الناتو. وها هي الآن توقع اتفاقيات عسكرية مع تلك الدول نفسها.
الخاتمة: في فضيلة التواضع
قال الفيلسوف الإغريقي سقراط:
"أنا أعرف أنني لا أعرف شيئاً."
هذا هو التواضع الحقيقي، وهذه هي الحكمة.
أما صديقنا الجزائري فيقول:
"أنا أعرف كل شيء، والجميع خونة إلا أنا."
وهذا هو الغرور الأعمى، وهذا هو الجهل المركب.
الحقيقة، أيها القارئ الكريم، أن الجزائر دولة كبقية الدول: لها مصالحها، وتحالفاتها، وتناقضاتها. لا هي الملاك المعصوم، ولا هي الشيطان الرجيم. هي ببساطة دولة تحاول البقاء والازدهار في عالم معقد.
المشكلة ليست في الجزائر، بل في أولئك الذين يحولونها إلى أسطورة. الوطنية لا تعني الكذب، بل تعني الحب النقدي. والحب الحقيقي يرى العيوب ويسعى لإصلاحها، لا أن يغطيها بطبقات من الوهم.
في النهاية، كما قال المتفائل:
"من الأسهل أن تخدع الناس بدلاً من إقناعهم بأنهم خُدعوا."
ولهذا، عزيزي القارئ، إن كنت تصدق أن الجزائر هي الدولة الوحيدة غير المرتبطة بأمريكا، فربما حان الوقت لتخرج من الكهف وترى ضوء الشمس. أما إذا كنت تفضل البقاء في الظلام، فهذا خيارك. لكن لا تدّعِ أن الظلام هو النور، وأن الوهم هو الحقيقة.
"الحقائق عنيدة، لكن الإحصائيات أكثر مرونة." – المتفائل
ملاحظة أخيرة: كُتب هذا المقال بروح المحبة لكل الشعوب العربية، وبأمل أن نتعلم جميعاً أن نرى أنفسنا بصدق، لأن الوهم لا يبني أمماً، بل يهدمها.
تعليقات
إرسال تعليق