حداثة السن عند الخوارج

حداثة السن عند الخوارج

في زمنٍ تزداد فيه مخاطر التطرف الفكري والانزلاق نحو العنف باسم الدين، يغدو الرجوع إلى الدراسات الأكاديمية الرصينة ضرورةً ملحّة لفهم جذور هذه الظاهرة وآليات انتشارها. ومن بين أبرز الدراسات التي تلقي ضوءًا كاشفًا على هذا المسار، كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، الذي لا يكتفي برصد الجذور التاريخية للفِرقة الخارجيّة الأولى في الإسلام، بل يربط بين سماتها السلوكية والفكرية وبين ما نراه اليوم من مظاهر التطرف العنيف.


حداثة السن: سمة بارزة عند الخوارج

من أبرز الملاحظات التي يوردها الدكتور المحيميد في كتابه أن من سمات الخوارج المتقدمين كانت حداثة السن. فعندما دخل أبو حمزة الخارجي المدينة، واجه انتقاداتٍ من أهلها حول أصحابه، فقال مدافعًا عنهم:

"يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث، وأعراب جفاة. ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباب الله؟ مكتهلون في شبابهم، غضّة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل!"

هذا الخطاب، رغم ما يحمله من تشبّهٍ ظاهري بالسلف، إلا أنه يُستخدم لتبرير انتماء الشباب إلى فكرٍ متطرف، وتصويرهم كأنهم على نهج الصحابة. واللافت أن هذه الحجة لم تنتهِ بزوال الخوارج الأوائل، بل تكرّرت بصيغٍ معاصرة.


صدى التاريخ في زمننا

يذكر الدكتور المحيميد طرافةً مثيرة للتأمل: أن كلام أبي حمزة الخارجي يشبه إلى حدٍّ كبير إجابة علي المعبدي، أحد منفذي تفجير مجمع غرناطة بالرياض، ويعلق المحيميد على كلامه قائلًا:

"صدق الصادق المصدوق."

هذا التشابه ليس صدفة، بل دليلٌ على أن الآليات النفسية والفكرية التي تُستخدم لتجنيد الشباب لم تتغيّر كثيرًا عبر القرون. فالخوارج الأوائل والجماعات المتطرفة اليوم يعتمدون على نفس الخطاب التعبوي الذي يستغل الحماس الديني عند الشباب، ويُلبّس لهم الباطل بلباس الحق.


صورة المطلوبين: شباب دون الخامسة والعشرين

والمتأمل في صور المطلوبين أمنيًّا، أو في أسماء من يُقبض عليهم في قضايا التطرف، يجد أن أغلبهم دون سن الخامسة والعشرين، بل إن كثيرًا منهم دون العشرين عامًا. بل وقد يكاد يجزم المرء أن عدد من تجاوز الثلاثين بينهم لا يكاد يُحصى على أصابع اليدين. هذه الملاحظة ليست انطباعًا شخصيًّا، بل واقعٌ موثّق في بيانات الجهات الأمنية، ويُعزّزه ما نراه في وسائل الإعلام.


الحماس الديني عند الشباب: نعمةٌ قد تُستغلّ شرًّا

من المعروف في علم النفس أن الطفل يُولَد على الفطرة، كما قال النبي ﷺ:

"كل مولود يُولَد على الفطرة..."

وأن العاطفة الدينية تكون في أوجها خلال مرحلة المراهقة وبداية الشباب، أي قبل بلوغ سن الرشد الفكري الكامل (حوالي 25 عامًا). في هذه المرحلة، يكون الحماس عاليًا، لكنه غالبًا مندفعٌ بلا وعيٍ كافٍ، ولا فهمٍ عميق للنصوص أو السياقات.

وهنا تكمن الكارثة: فهذه العاطفة الصافية، التي كانت لتكون بوابةً للخير والبناء، تُستغل من قبل جهات خارجية — إقليمية أو دولية — تسعى لتحقيق مصالح سياسية أو أيديولوجية، فتستخدم وسائلَ نفسية واجتماعية لاستقطاب هؤلاء الشباب، مثل:

  • الأناشيد الدينية ذات الخطاب التعبوي الحماسي.
  • الانتماء الجماعي الذي يمنح الشعور بالهوية والقوة.
  • العزلة الفكرية عن المجتمع الأوسع، فيُصبح "القطيع" هو المرجع الوحيد.

كل هذه العوامل تُشكّل بيئة خصبة لزرع التطرف، وتُحوّل الشاب الحماسي إلى أداةٍ طيّعة في يد من يُريدون زعزعة الأمن والاستقرار.


خاتمة: الوعي سلاحنا

إن التحذير من التطرف لا يعني التخوّف من الدين أو الحماس له، بل التحذير من استغلال هذا الحماس من قبل من لا يُريدون للشباب إلا أن يكونوا وقودًا لنارٍ لا تُبقي ولا تذر. وواجبنا — كأُسرٍ، ومربّين، ودعاة، ومجتمع — أن نُوجّه هذا الحماس الديني وجهته الصحيحة: بالعلم، والفهم، والاعتدال، والانتماء الوطني الصادق.

وكتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد ليس مجرد دراسة تاريخية، بل مرآةٌ ننظر فيها إلى واقعنا، ونستخلص منها الدروس قبل أن يفوت الأوان.

كتبه وأعده: المتفائل

اللهم اهدِ شبابنا، واحفظهم من مضلات الفتن، واجعلهم سواعد خيرٍ وبناءٍ لدينهم ووطنهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي