فلسفة الكسكسي والسيادة
🍲 فلسفة الكسكسي والسيادة
حين تصبح الملعقة سلاحًا في معركة الوعي
على طريقة المتفائل، بين لقمةٍ من الكسكسي ورشفةٍ من الغرور الوطني
الفصل الأول: المواطن الفيلسوف
في إحدى زوايا المقهى، يجلس المواطن الجزائري الفيلسوف — لا يحمل سيفًا ولا كتابًا، بل ملعقة فضية وطبق كسكسي عامر بما لذ وطاب. عينه على المباراة، وأذنه على المسلسل، ولسانه في مهمة وطنية مقدسة:
تصنيف الأمم وتقويم الخونة والمطبعين.
فهذا بلد خائن، وذاك عميل، وتلك دولة باعت شرفها مقابل النفط، وأما الجزائر — فكما يقول بثقة من يمتلك مفاتيح التاريخ والجغرافيا معًا — فهي "الوحيدة الشريفة بين الأمم".
إنه يجلس مرتاحًا على كرسي من البلاستيك لكنه يتحدث كما لو كان على عرش قسنطينة. يرفع الملعقة، يغمسها في المرق، ثم يرفع إصبعه إلى السماء قائلاً:
"نحن لا نطبع، نحن أحرار، نحن أصحاب المواقف الثابتة!"
ثم يبلع اللقمة بعظمة جنرال أنهى للتو معركة تحرير كونية.
الفصل الثاني: في نظرية السيادة المعدية
العجيب أن صاحبنا يظن أن السيادة تُكتسب بالامتناع عن التطبيع، كما تُكتسب العدوى بالاختلاط. فكل من صافح أو تحدث أو صمت في حضرة أمريكا صار خائنًا. أما هو، فبرغم أنه يشاهد المسلسلات التركية المدبلجة في دبي، ويشجع نادي برشلونة الإسباني، ويقتني هاتفًا أمريكيًا من صنع صيني، ويكتب منشوراته على تطبيق تموله الإعلانات الإسرائيلية أحيانًا — فهو ينام مطمئنًا على وسادة "النقاء الوطني".
لو سألته عن مصدر السكر في كأس الشاي الذي أمامه، سيقول: "من السوق." ولو علم أن مصدره شركة فرنسية، سيضحك بثقة ويقول:
"لكن الروح جزائرية!"
الفصل الثالث: في تقسيم العالم وفق قانون الملعقة
في فلسفة صاحبنا، الكون مقسوم على طبق الكسكسي:
- الطبقة العليا من اللحم هي الجزائر: نقية، شريفة، مقاومة.
- المرق هو بقية العرب: مضطرب، مختلط، لا طعم له إلا إذا تغمس فيه الجزائر.
- الحبوب في القاع تمثل الشعوب التي "لا تفهم"، تعيش في خيانة أبدية دون أن تدرك.
ثم ينهض من المائدة، يمسح يديه بمنديل، وينطق بحكمته اليومية:
"كلهم خونة... إلا نحن!"
وفي اليوم التالي، يكررها بالصيغة ذاتها، مع اختلاف بسيط في التوابل.
الفصل الرابع: الاقتصاد السياسي للراحة
لو علم صاحبنا أن أكثر من 80٪ من واردات الجزائر تأتي من الدول "الخائنة" التي يلعنها، وأن الدينار الجزائري يعتمد على الدولار الأمريكي الذي يسميه "عملة الشيطان"، وأن هواتفه الذكية وصناديق البسكويت التي يعشقها تأتي من شركات غربية — لربما صمت قليلاً قبل أن يلعن العالم.
لكن لا، فالفيلسوف المطبخي لا يتغذى بالحقائق، بل يتنفس التناقض كما يتنفس الهواء. إنه يعيش في سلام تام بين شعارات الثورة وراحة الصالون.
الفصل الخامس: البطولة من خلف الشاشة
هو لا يحارب، لكنه يكتب "يسقط التطبيع!" في التعليقات. لا يقاطع، لكنه يشتري المنتجات الفرنسية لأنها "أشهى". لا يتظاهر، لكنه يشارك في "غضب رقمي" كل مساء قبل النوم، ثم يقول لنفسه:
"لقد فعلت ما بوسعي."
أليس من حقه أن ينام مرتاح الضمير؟ فالعالم يحتاج إلى أبطال مثله، يحررون فلسطين من داخل غرفة المعيشة، ويحاصرون إسرائيل من على الأرائك، ويشعلون الثورة بزر الإعجاب والمشاركة.
الفصل السادس: الحقيقة التي تُخيف الملعقة
الحقيقة — وهي كلمة لا تروق للفلاسفة المقهويين — أن الجزائر، كغيرها من الدول، تتعامل مع أمريكا وأوروبا وروسيا، ولها مصالح وتناقضات وتحالفات. أما فكرة "الطهارة السياسية" فهي أسطورة تسكن عقل من لا يعرف كيف يُطهّر طبقه بعد الأكل.
السيادة ليست في رفض التطبيع ولا في لعن أمريكا، بل في بناء اقتصاد قوي، وعلم مستقل، وصناعة تصدّر أكثر مما تستورد. أما الجلوس على المائدة وتوزيع الأوسمة والخيانة على الآخرين، فهو ترف لا يمارسه إلا الكسلان الذي يظن أن الوطنية طبق ساخن يُؤكل على مهل.
الخاتمة: وصية المتفائل إلى عشاق الكسكسي الوطني
أيها المواطن الفيلسوف، احترم طبقك، لكن لا تجعل الملعقة منبرًا سياسيًا. ولا تحوّل الكسكسي إلى شعار مقاومة، فالمعركة الحقيقية ليست على المائدة، بل في المصانع والجامعات ومراكز البحث.
قبل أن تصف الآخرين بالخونة، اسأل نفسك: هل صنعت ما يجعلك مختلفًا عنهم؟ أم أنك فقط أكلت أكثر منهم وتكلمت بصوت أعلى؟
كما قال المتفائل:
"ليس في العالم شيء أخطر من رجل شبعان يظن نفسه جائعًا إلى الحقيقة."
تعليقات
إرسال تعليق