إلزاماتٌ لا مهرب منها، للجزائريين
إلزاماتٌ لا مهرب منها: لمن يُكفّر غيره ويتبرّأ من تطبيق المعيار على حكام الجزائر
مقدّمة
في زمنٍ تزداد فيه الخطابات الدينية حِدّةً، ويُستَخدم فيه التكفير كسلاحٍ سياسي أكثر مما هو حُكمٌ شرعي، بات من الضروري أن نعود إلى مبدأٍ بسيط لكنه جوهري: العدل في المعيار. فليس الدين مِلكًا لفئةٍ تُطبّقه على غيرها، ثم تستثني نفسها باسم الوطنية أو المصلحة أو الولاء. وليس الإيمان شعارًا نرفعه ضدّ "الآخر"، بينما نُبرّر لـ"أنفسنا" ما نُكفّر عليه غيرنا.
هذا المقال لا يهدف إلى الدفاع عن حاكمٍ أو نظام، بل إلى تسليط الضوء على ازدواجيةٍ فكرية تهدّد الوعي الديني والسياسي معًا: حين يُصبح "الولاء للوطن" غطاءً لتبرير ما لا يُبرَّر، ويُستخدم "الانتماء المذهبي" لشيطنة الخصوم، بينما يُغضّ الطرف عن ذات السلوك عند الحلفاء.
السؤال الذي نطرحه هنا ليس: من على حق؟ بل: هل نحن منسجمون مع مبادئنا؟ لأنه، في النهاية، لا يُصلح الدينَ من يُطبّقه على غيره ولا على نفسه.
أولًا: الإلزام الفقهي (من داخل منطقهم)
إذا كان معيار "الحكم بما أنزل الله" هو الحدّ الفاصل بين الإيمان والكفر، كما يدّعي بعضهم عند نقد أنظمة أخرى (مثل السعودية في حرب الخليج)، فإن هذا المعيار يجب أن يُطبّق بشكل عادل على كل حاكم، بما فيهم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
- هل تبون يحكم بالشريعة الإسلامية؟ لا. الدستور الجزائري علماني، والقوانين المطبّقة مدنية.
- هل يُطبّق الحدود الشرعية؟ لا.
- هل يُشرّع ما حرّم الله (مثل الفوائد البنكية، الاختلاط، قوانين الأسرة المخالفة لبعض المذاهب)؟ نعم.
إذن، إذا كان "عدم الحكم بما أنزل الله" كفرًا أكبر (كما يقول من يتّهم غيره بالكفر على هذا الأساس)، فلماذا لا يُطبّق هذا الحكم على تبون؟
"وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ" (المائدة: 42)الإلزام هنا بسيط: إما أن تعترف أن "عدم الحكم بالشريعة" ليس كفرًا أكبر في حقّ تبون (وهذا ينقض معيارك)، أو أن تحكم عليه بما تحكم به على غيره (وهذا يُخرِجك من دائرة الولاء السياسي إلى دائرة الاتّساق العقدي).
ثانيًا: الإلزام السياسي (ازدواجية المعايير)
عندما انتقدت السعودية لأنها استعانت بأمريكا ضد صدام، قيل إنها "استجلبت الكفار على المسلمين"، وهو عند بعضهم من كبائر الكفر. لكن:
- الجزائر استقبلت قواعد عسكرية غربية (فرنسية، أمريكية) في إطار "مكافحة الإرهاب".
- تعاونت مع أنظمة غربية في مسائل أمنية واقتصادية.
- لم تُعلن حربًا على "الكفار"، بل تتعامل معهم كشُركاء استراتيجيين.
فإذا كان "الاستعانة بالكفار على المسلمين" كفرًا، فهل تبون فعل أقلّ من ذلك؟ لا. بل فعل ما يشبهه، بل ويزيد عليه في بعض الجوانب (مثل التطبيع الضمني، والتحالفات الأمنية).
الإلزام: إذا كان التحالف مع أمريكا ضد صدام كفرًا، فما حكم التحالف مع فرنسا وأمريكا ضد "الإرهاب" في الساحل؟ هل يُستثنى الجزائريون من هذا الحكم لأن الحاكم منهم؟
ثالثًا: الإلزام النفسي والاجتماعي (التحيّز القبلي الحديث)
هناك ميل بشري طبيعي لـ"تخفيف اللوم" عن "الجماعة" (نحن) و"تشديد اللوم" على "الآخر" (هم). هذا ليس دينًا، بل تحيّز جماعي.
- عندما يفعل "الآخر" (مثل السعودية) شيئًا، يُفسّر بنيةٍ شريرة وكفرٍ صريح.
- عندما يفعل "نحن" (الجزائر) نفس الشيء أو أشدّ، يُفسّر بـ"مصلحة وطنية"، أو "ضرورة سياسية"، أو "الحكمة في التعامل".
الإلزام هنا نفسي وليس فقهيًّا: هل معيارك دينيٌّ حقًّا، أم أنه قومي/وطني يلبس لباس الدين؟ إذا كان الدين هو المعيار، فالدين لا يعرف "نحن" و"هم". أما إذا كان الولاء للوطن أولًا، فلا تُلبِسْه لباس التوحيد.
رابعًا: الإلزام المنطقي (الاستدلال بالقياس)
القياس الصحيح في الفقه يقول: إذا اتّفق الفرعان على علّة الحكم، وجب اتّفاق الحكم.
- العلّة عند من يكفّر السعودية: "الاستعانة بالكفار على المسلمين" + "عدم الحكم بالشريعة".
- هذه العلّة موجودة (أو مشابهة جدًّا) في النظام الجزائري.
- إذن، الحكم يجب أن يكون واحدًا.
فإذا رفضت تطبيق الحكم على تبون، فأنت إما: 1. تنقض قاعدتك، أو 2. تعترف أن العلّة ليست كافية للكفر، أو 3. تعترف أن معيارك ليس موضوعيًّا، بل مصلحيًّا.
خاتمة ساخرة على طريقة المتفائل:
"يقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فقد كفر... إلا إذا كان حاكمَنا، فحينها يُصبح 'مصلحيًّا حكيمًا'! وكأن القرآن نزل بلغتين: واحدة للعدو، وأخرى للصديق."
هذه الإلزامات تضع الخصمم أمام مرآة منطقه الخاص. وحينها، إما أن يُصلح معياره، أو يعترف بأنه لا يطلب "الحق"، بل "الغلبة".
تعليقات
إرسال تعليق