المشاركات

هل السعودية نعامة كما يصفها الإمارتيون؟

يُطلق البعض، ومنهم إماراتيون، وصف "النعامة" على السعودية لرفضها خوض حرب مباشرة مع إيران، في إشارة إلى أنها تتغاضى عن التهديدات وتدفن رأسها في الرمال. لكن هذا الوصف ينم عن نظرة قاصرة لا تستند إلى قراءة متأنية للتاريخ والسياسة. فموقف السعودية ليس هروباً أو جبناً، بل هو موقفٌ استراتيجي نابع من إدراك عميق لطبيعة اللعبة الدولية، مستفيداً من دروس حربٍ داميةٍ لم تمحُ من الذاكرة: الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988). قبل عقود، وفي سياقٍ مشابهٍ لما يحدث اليوم، أشعلت الولايات المتحدة حرباً بين جارين، وسلحت طرفاً ضد الآخر، ثم غيّرت موقفها في منتصف الطريق. ففي بداية الحرب، قدمت واشنطن دعماً علنياً للعراق بقيادة صدام حسين، شمل مساعدات اقتصادية بمليارات الدولارات، وتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، وتدريباً للعمليات الخاصة، ومعلومات استخباراتية حساسة، وكان الهدف المعلن هو منع انتصار إيران. وقد صدر توجيهٌ رئاسي صريح من الرئيس رونالد ريغان نص على أن "لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح للعراق بخسران الحرب على إيران" 1 . لكن في الوقت نفسه، كانت واشنطن تُسَلِّح ...

المقاومة المزيفة تنهار

المقاومة المزيفة تنهار إيران ومقاولو "المقاومة": كيف تحولت المتاجرة بفلسطين إلى حبل مشنقة؟ لعقود طويلة، ارتدت إيران "الكوفية" الفلسطينية لتخفي تحتها أنياب مشروعها التوسعي الطائفي، محولةً دماء الفلسطينيين ومعاناتهم إلى مجرد مساحيق تجميل سياسية رخيصة. كان الهدف الأوحد لطهران هو تبييض وجه نظام معزول دولياً، وترويج أيديولوجيا لا تعيش إلا في مستنقعات الخراب. فلم تكن طهران يوماً معنية بتحرير شبر من فلسطين، بل بتأسيس "شركة مقاولات إقليمية" أطلقت عليها زوراً وبهتاناً اسم "محور المقاومة". هذه الشركة، التي ضمت فروعاً من الميليشيات في لبنان والعراق واليمن، لم تكن سوى أوراق ضغط رخيصة تُرمى على طاولات التفاوض مع واشنطن، وتُشهر كخناجر في ظهور الدول العربية. لقد كانت القضية الفلسطينية مجرد "سجل تجاري" يمنح هذه العصابات المارقة شرعية وهمية للبقاء والتمدد، لكسر عزلة نظام الملالي وابتزاز المجتمع الدولي. لكن، وكما هو حال كل مساحيق التجميل الرخيصة، ذابت الأقنعة مع أول هطول حقيقي لأمطار الواقع. فقد كانت البداية...

جمهورية الموز

لماذا يوصف العراق بأنه جمهورية موز يوصف العراق بـ"جمهورية موز" في سياق سياسي وإعلامي متكرر يشير إلى مجموعة من الخصائص السلبية المرتبطة بضعف الدولة واعتمادها الاقتصادي والسياسي على أطراف خارجية، وليس إهانة للشعب العراقي بحد ذاته 1 . أصل المصطلح صاغ الكاتب الأميركي ويليام سيدني بورتر (المعروف باسم أو. هنري) هذا المصطلح عام 1904 في مجموعته القصصية، واصفاً به جمهورية خيالية مستوحاة من تجربته في هندوراس بأميركا الوسطى 2 . كانت هذه الدول تعاني من فساد الحكم وتبعية اقتصادها الكامل لتصدير سلعة واحدة، غالباً الموز، لصالح شركات أجنبية كانت تتحكم فعلياً بقرارها السياسي 3 4 . ومع الوقت، اتسع المصطلح ليشمل أي دولة يسيطر عليها الخارج، ويسودها الفساد، وتعتمد على مورد وحيد كالبترول بدلاً من الموز 1 4 . لماذا يُطلق على العراق تحديداً انتشر هذا الوصف مؤخراً بعد مقابلة تلفزيونية جمعت ضيفاً عراقياً وآخر بحرينياً، حيث ردّ الضيف البحريني على وصف العراقي للبحرين بـ"الدويلة" بقول...

الفساد في العراق

رسالة من مسافر أمريكي إلى صديق عراقي نص ساخر على طريقة مارك توين صديقي العزيز، يسعدني أنك أخيراً وجدت وقتاً لتكتب إليّ. كان بإمكانك أن ترسل رسالتك قبل أن ينقطع الكهرباء، لكنّي أقدّر صدقك ـ فالرجل الصادق، كما يقولون، يُولد عارياً ويبقى كذلك، وما أحوج العراق إلى رجال عراة لا يملكون شيئاً يخجلون منه. تقول إنّ ترامب حلَب السعوديين وأخذ أموالهم. حسناً، لا أستطيع أن أدافع عن ترامب كثيراً ـ الرجل بيعشق الكلام أكثر من الحقيقة، وقد أعطى بذلك صحفيين أمريكيين عملاً دائماً. لكنّي سأخبرك بما رأته عيناي، فإن كانتا كاذبتين، فلا تلُم إلا صانعهما. 1 حين زار ترامب الرياض سنة 2017، أعلن عن صفقة سلاح بمئة وعشرة مليارات دولار، وصفّق الجميع، وتفاخر الجميع، ثم اكتشفنا لاحقاً أنّ ما حصل فعلياً لا يتجاوز خمسة وعشرين ملياراً، والباقي مجرّد "نوايا حسنة" و"رسائل اهتمام" [web:30][web:32]. والحقّ يُقال: لو كان ترامب يسرق من السعوديين كما يزعم البعض، لكان على الأقل أميناً بما يكفي ليُحدّد السعر. لكنّ ذلك شأنٌ آخر. 2 ...

عزلة الإمارات

لم تُفرض العزلة السياسية والأخلاقية على الإمارات من الخارج، ولم تكن صدفةً عابرة، بل هي نتاج هندسةٍ متعمدة وقراراتٍ كارثية تراكمت طيلة خمسة عشر عاماً. لقد اختارت أبوظبي طواعيةً الانسلاخ عن جلدها العربي والإسلامي، مفضلةً الارتماء في أحضان واشنطن وتل أبيب لتنال إشادة نخبهم، حتى وإن كان الثمن هو طعن أمتها في الظهر. واليوم، تقف هذه الدويلة ككيانٍ منبوذ وغريب الأطوار، تتسع بينه وبين الشعوب الحرة هوةٌ سحيقة من الاحتقار والرفض. حتى أقرب جيرانها وحلفائها التاريخيين لم يسلموا من سياساتها التخريبية. الرياض، الجارة الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام جارٍ يتقن اللعب المزدوج والمكائد: في اليمن: تحولت الإمارات من شريكٍ مزعوم في التحالف إلى قوة احتلالٍ تمزق نسيج البلاد وتدعم الانفصال لتحقيق أطماعها الاستعمارية. [1] في السودان: تواصل لعب دورٍ دموي عبر تغذية الحرب الأهلية ودعم الميليشيات بدماء الأبرياء. [2] في الدبلوماسية والاقتصاد: لم يكن تلويحها المتكرر بتمزيق توافقات "أوبك...

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله 3

الجزء الثالث ما بقي في الظل حماس أسوأ من إسرائيل، والربيع العربي كان فوضى، والتطبيع نعمة على الفلسطينيين بودكاست "الحل إيه؟" — حلقة: الإمارات عايزة إيه؟ | مارس 2026 ✦ ✦ ✦ أولاً: الجملة التي لم يكن ينبغي قولها في منتصف اللقاء، وبكل هدوء أكاديمي بارد، أطلق الدكتور عبد الخالق جملة من النوع الذي لا يمحوه التاريخ: "إن كان هناك طرف أضرّ بالقضية الفلسطينية، ليس إسرائيل بقدر ما هو حماس." الجملة ليست رأياً سياسياً قابلاً للنقاش — إنها قلبٌ كامل للمعادلة الأخلاقية . دولة احتلت الأرض وهدمت البيوت وقتلت الأطفال بالقنابل الفوسفورية أقلّ ضرراً على القضية الفلسطينية من جماعة فلسطينية مهما كانت أخطاؤها. هذا المنطق لم يقله حتى معظم المطبّعين الرسميين علناً — لكن عبد الخالق قاله أمام الكاميرا، وبنبرة من يقول بديهية [1] . والأخطر أن هذه الجملة لم تأتِ في فراغ. جاءت في سياق الدفاع عن الاتفاقيات الإبراهيمية التي وُقِّعت عام 2020، أي حين كانت غزة ...

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله 2

ما لم يُقَل في المقال الأول المغالطات المخفية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله بودكاست "الحل إيه؟" — حلقة: الإمارات عايزة إيه؟ | مارس 2026 ✦ ✦ ✦ أولاً: "مصر كانت على وشك أن تتحوّل إلى سوريا" قال عبد الخالق بالحرف الواحد: "كان بإمكان مصر أن تتحوّل إلى سوريا" ، وقدّمها على أنها حجته الكبرى لتبرير التدخل الإماراتي في مصر منذ 2013. والجملة مصممة لإثارة الرعب في المستمع قبل أن يفكّر، لأن ذكر سوريا كافٍ لإسكات أي نقاش. لكن المشكلة أن المقارنة مزيّفة من أساسها. سوريا دولة ذات تركيبة طائفية ومذهبية بالغة التعقيد، وجيش مبني على أساس عائلي-طائفي ضيّق، ودولة مركزية هشّة تاريخياً. أما مصر فهي من أعرق الدول المركزية في التاريخ، بجيش مؤسسي راسخ يمتد نفوذه لعقود، وبتركيبة اجتماعية أكثر تجانساً. وهذا بالضبط ما قالته المحاورة الدكتورة رباب المهدي حين اعترضت عليه في اللقاء ذاته، فاضطر عبد الخالق للتراجع نصف خطوة قائلاً: "ربما كانت قوة مصر التاريخية هي التي منعت ذ...

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله

✦ ✦ ✦ ✦ هذا المقال من إعداد المتفائل عندما يُصبح الأكاديمي ناطقاً رسمياً قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله بودكاست "الحل إيه؟" — حلقة: الإمارات عايزة إيه؟ | مارس 2026 في السادس والعشرين من مارس 2026، استضاف بودكاست "الحل إيه؟" المحلل السياسي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله في حلقة بعنوان "الإمارات عايزة إيه؟"، وهو لقاء يستحق التوقف عنده طويلاً — لا لما فيه من معلومات، بل لما فيه من مغالطات مُحكمة الصياغة، يُقدّمها صاحبها بلغة أكاديمية رصينة تُوهم المستمع بأنه أمام تحليل موضوعي، بينما هو في جوهره خطاب ترويجي مُصاغ بعناية. ✦ ✦ ✦ أولاً: كذبة الـ2 تريليون دولار بدأ عبد الخالق لقاءه بادعاء صاخب: أن الإمارات تمتلك "ثاني أكبر صندوق سيادي في الدنيا بـ2 تريليون دولار" . جملة واحدة تحتوي على ثلاثة أخطاء في آنٍ واحد. الخطأ الأول: لا يوجد صندوق إماراتي منفرد يبلغ 2 تريليون دولار. جهاز أبوظ...

الاضطهاد الطائفي في العراق بعد 2003

✦ ✦ ✦ ✦ هذا المقال من إعداد المتفائل الاضطهاد الطائفي في العراق بعد 2003 الجرائم الموثّقة، والتغيير الديموغرافي، وكيف يعيش السنة اليوم هذا الملف هو الأكثر قتامةً في التاريخ العراقي الحديث، وفيه تتقاطع الجريمة السياسية مع الجريمة الإنسانية بصورة موثّقة دولياً. ما جرى ليس عنفاً طائفياً عفوياً، بل مشروع هندسة ديموغرافية وسياسية واجتماعية ممنهجة أشرفت عليه طهران ونفّذه وكلاؤها في بغداد. ✦ ✦ ✦ الأرضية: ماذا كانت البيئة بعد 2003 مباشرة؟ حين انهار نظام صدام، كان السنة العرب يمثّلون نحو 19% من سكان العراق لكنهم كانوا الصوت السياسي والعسكري المهيمن لعقود [1] . بريمر جاء بتصوّر مبسّط يقسّم العراق إلى شيعة 60% وأكراد 20% وسنة 19% — وهذه النظرة الحسابية الباردة هي التي بنى عليها قراراته الكارثية [1] . في اليوم الأول لهيمنة الأحزاب الشيعية الإيرانية على الحكومة، بدأت ساعة العداد تدور ضد السنة. المرحلة الأولى: الاجتثاث والتطهير المؤسسي (2003 – 2006) قبل أن تُطلق رصاص...