هل جماعة الإخوان "دعوية سلمية" ؟
هل كانت جماعة الإخوان "دعوية سلمية" حقًّا؟
الرد على شبهة "الانحراف الطارئ" بالأدلة من كتب الجماعة نفسها
من الشبهات المتكررة التي يروّج لها بعض المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين — غالبًا دون تمحيص أو معرفة دقيقة — أن الجماعة كانت في أصلها دعوية سلمية، وأن "الانحراف" نحو العنف والتكفير لم يظهر إلا لاحقًا، نتيجة ظروف سياسية أو تصرّفات فردية من "قلّة منحرفة". وبناءً على ذلك، يُطالب هؤلاء بعدم تحميل الجماعة "وزر الأفراد"، أو اعتبارها "أمّ التكفير".
لكن التأمل في الوثائق التاريخية، والشهادات الداخلية، وكتب الجماعة نفسها يُفنّد هذه الشبهة تمامًا، ويكشف أن العنف، والتنظيم السري، والعداء للسلطة، وتكفير المخالف لم تكن "انحرافات طارئة"، بل أركانًا تأسيسية وُضعت منذ البداية، ونُفّذت بمنهجية واضحة تحت غطاء "الدعوة".
الدليل الأول: الخطاب الهجومي منذ البداية
يؤكد الباحثون أن جماعة الإخوان لم تكن يومًا حركة دعوية محضة، بل اعتمدت خطابًا هجوميًّا مبطنًا ضد الحكام منذ العقد الأول من تأسيسها (1928). ويُشير العشماوي — أحد المراقبين على خطاب الجماعة — إلى أن تصريحات المؤسس حسن البنا في تلك الفترة "كانت مليئة بالنوايا العلنية"، وأن "التهديد لم يكن موجّهًا للاستعمار، بل للحكومات والهيئات وكل من يخالف الإخوان في الرأي أو الفكر".
وقد خالف هذا النهج الأصل الشرعي في التعامل مع الحكام، حيث يقول ابن قدامة في "المغني":
«أَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إِلَى الْإِمَامِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ».
فكيف لجماعة تدّعي "التمسك بالشريعة" أن تبني مشروعها على مخالفة هذا الأصل؟
الدليل الثاني: التكفير ليس عند "الصغار"، بل عند "الكبار"
الشبهة تزعم أن التكفير كان من فعل "الشباب المتشدّد"، لكن الحقيقة أن التكفير تبلور في أذهان القيادة العليا، واعتُبر معيارًا للانتماء. فمَن لا يحمل "فكر الجماعة" يُنظر إليه كـ"منحرف" أو "عدو"، حتى لو كان من أهل الصلاح والعبادة. وهذا يتوافق تمامًا مع سمة الخوارج: ربط الإيمان بالانتماء التنظيمي، لا بالعبادة أو الأخلاق.
الدليل الثالث: هدف "إقامة الدولة" يبرّر كل الوسائل
وضعت الجماعة نصب عينيها هدفًا واحدًا: "إقامة دولة الإسلام" — بزعمهم. ولتحقيق هذا الهدف، لم تتردد في اعتماد جميع وسائل العنف: التكفير، التفجير، المكر، الخداع، والاغتيال. ومن أوضح الأدلة على ذلك:
أ. إنشاء "التنظيم السري الخاص" منذ البداية
أسّس حسن البنا "تنظيمًا سريًّا" تحت مسمّى "حماية الدعوة"، لكن وثائقه كشفت حقيقته:
- تقسيم الأعضاء إلى "أسر" سرية،
- التدريب على التخاطب بالشفرة،
- حصر قوات الشرطة والمرور،
- التدريب على اقتحام المنشآت الأمنية،
- التدريب على استعمال الأسلحة.
ويتساءل الباحثون بحق:
ما علاقة "الدعوة إلى الله" بحصر أماكن الشرطة وخطط اقتحامها؟
ب. شهادة محمود عبد الحليم
يقول مؤرخ الجماعة نفسه:
«التنظيم السري كان يُدرّب أعضاءه على الهجوم، لا على الدعوة».
ج. وثيقة "المرحلة الرابعة"
كشفت وثائق ضُبطت في سيارة تابعة للجماعة أن أحد دروس التدريب كان بعنوان:
«كيفية مهاجمة مكان ما، وحصر قوات البوليس والمرور في القسم».
هل هذا منهج دعوة؟ أم منهج حرب عصابات؟
الدليل الرابع: سبق الإخوان في اختراع أدوات القتل الجماعي
من الحقائق الموثّقة أن جماعة الإخوان كانت السبّاقة في صناعة المتفجرات في العالم الإسلامي المعاصر. يقول محمود الصباغ في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص":
«تم تصنيع المتفجرات التي لا تتوفر في السوق، مثل قطنة البارود وساعات التفجير، وأُسّس مصنع خاص لذلك تحت إشراف علام محمد — أستاذ الكيمياء بالكلية الحربية — وظاهره تصنيع البلاط، وباطنه تصنيع المتفجرات».
وقد اعترف الباحثون أن القاعدة وداعش والجماعات التكفيرية جميعها تعلّمت فكرة السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة من الإخوان. وبئس السبق: أن يكون "الإخواني" أول من فتح باب القتل الجماعي باسم الدين!
الدليل الخامس: ممارسات خارجية صريحة منذ التأسيس
- الاغتيالات: قتل السندي — زعيم التنظيم السري — لمساعده،
- تفجير المقرات الحكومية: محاكم، أقسام شرطة،
- حرب العصابات: كما ورد في وثائق التدريب،
- البيعة السرية: على السلاح والانقلاب، مشابهة لبيعة بني العباس،
- ثلاث محاولات للخروج على الحكام في مصر، نجحت إحداها.
كل هذه الممارسات تُثبت أن العنف لم يكن "استثناءً"، بل "منهجًا".
الدليل السادس: غياب التأصيل العقدي، وحضور التأسيس السياسي
من الغريب أن جماعة تدّعي "إحياء الإسلام" لم تُنتج كتابًا واحدًا في توحيد الأنبياء والرسل طوال مسيرتها! وأقصى ما قدّمه المؤسس حسن البنا هو "كلمات وعظية أسبوعية" — كما يقول الباحثون — "لا تسمن ولا تغني من جوع".
في المقابل، نجد تركيزًا مفرطًا على:
- "الحاكمية"،
- "الدولة"،
- "التنظيم"،
- "الصراع مع الحكام".
فهل هذه سمات "دعوة"؟ أم سمات "مشروع سلطة"؟
الدليل السابع: اعتراف من داخل الجماعة
يقول محمود جامع — أحد رموز الجماعة — موضحًا الغرض الحقيقي من التنظيم السري:
«أدرك حسن البنا أن أعداء الدعوة — وعلى رأسهم الإنجليز واليهود وأذنابهم من الحكام — لا يُقهرون إلا بـقوة ذات شوكة، فكان ذلك حافزًا لتكوين جهاز خاص يُدرّب على حرب العصابات، وإلقاء القنابل، واستخدام المتفجرات».
فها هي الجماعة تعترف بنفسها:
هدفنا ليس الدعوة، بل القوة المسلحة لمواجهة الحكام.
وإن قال قائل: لعل تصنيع المتفجرات والتدريبات العسكرية كان بسبب أن البلاد كانت في خط التماس مع اليهود، والحرب معهم، فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: نقلت من كتبهم اقتناع قادتهم أن الحرب في مصر أولى من الحرب في فلسطين.
الوجه الثاني: كتبهم المعتمدة تنوء بالعمليات التي قاموا بها من تفجير في عقر بلادهم، واقتحام المقرات الحكومية، وإلقاء القنابل على أقسام الشرطة، وقتل أهل القبلة وأهل الذمة، مما يدل على أن الهدف الأساسي هو التفجير في بلاد المسلمين بغرض الوصول إلى الكراسي.
الوجه الثالث: هل يأذن الشارع لكل مجموعة من الأشخاص أو جماعة معينة — في ظل وجود حاكم مسلم — أن تصنع متفجرات وتقوم بالاغتيالات؟ قواعد الشريعة التي صانت الدماء تأبى أن تسمح بهذه الفوضى. وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ:
«إذا مرَّ أحدُكم في مسجدِنا، أو في سوقِنا، ومعه نبلٌ، فليمسكْ على نصالِها — أو قال: فليقبض بكفِّه — أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها شيءٌ».
فكيف بمن يصنع المتفجرات، ويدرب على القتل، ويخطط لاقتحام المنشآت، باسم "الدعوة"؟!
خاتمة: لا انفصال بين "الإخوان" و"الخوارج"
الشبهة القائلة بأن "الإخوان كانوا دعويين ثم انحرفوا" هي تغطية على الحقيقة. فالوثائق تُثبت أن الانحراف كان في الأصل، لا في الفرع. وأن التنظيم السري، والتكفير، والعنف، والعداء للسلطة لم تكن "استثناءات"، بل أركان المشروع الإخواني منذ اليوم الأول.
لذا، فإن من يدافع عن "الإخوان الأوائل" بحجة "السلمية" إنما يدافع عن أصل التكفير، لا عن دعوة صافية. والعاقل من اتّعظ بغيره، والمؤمن من حمى دينه أن يُختطف باسم "الدعوة".
المصدر: مقتطفات وتحليلات من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، مع الاعتماد على وثائق وشهادات من كتب الجماعة نفسها من إعداد وجمع المتفائل.
تعليقات
إرسال تعليق