ادعاء احتكار الإيمان عند الإخوان المسلمين والحركات التابعة لها

ادعاء احتكار الإيمان عند الإخوان المسلمين والحركات التابعة لها

من أخطر الظواهر الفكرية التي تهدّد وحدة الأمة وسلامة عقيدتها، ظاهرة التطرّف التي تبدأ بانغلاق فكري، وتنتهي بتكفير المجتمعات، وعزل "الجماعة" عن سائر المسلمين تحت زعم احتكار الحقيقة والنجاة. وقد بيّن السلف، وعلى رأسهم أئمة الإسلام، أن من أبرز سمات الخوارج — المتقدمين منهم والمتأخرين — ادّعاء احتكار الإيمان، ووصف أنفسهم بأنهم "أهل الإيمان"، أو "الموحّدون"، أو "جماعة المسلمين التي لا يجوز الخروج عليها"، في حين يصفون سائر الناس — حتى من صلّى وصام وآمن بالله ورسوله — بأنهم على ضلالٍ أو كفرٍ صريح.


ادّعاء احتكار الإيمان: سمةٌ تاريخية للخوارج

لقد أخبر النبي ﷺ عن هذه الصفة في الحديث الصحيح:

«يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»
(رواه البخاري ومسلم).

وفي روايةٍ أخرى:

«يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمُرُّونَ عَلَى الإِسْلاَمِ مَرَّ السَّهْمِ عَلَى الرَّمِيَّةِ».

وقد شرح ابن تيمية رحمه الله هذه الظاهرة بقوله:

"ومن سماتهم أنهم يرون أنفسهم خير الخلق، وأن من خالفهم كافر، بل إنهم يرون أن من خرج عن رأيهم فقد خرج عن الدين".

ومن هنا، تبدأ خطورة الفكر الخوارجي: ليس فقط في تكفير الحكام أو المخالفين، بل في تكفير المجتمع ككل، واعتبار "الجماعة" — مهما قلّ عددها — هي وحدها التي على الحق، بينما سائر الناس في "جاهلية" أو "كفر"، حتى لو كانوا يصلّون ويصومون ويحجّون.


الخوارج المعاصرون: امتدادٌ للفكر الخوارجي القديم

وإن كان الخوارج الأوائل قد انقرضت جماعاتهم، فإن فكرهم لم يمت، بل تجدّد في صورٍ وأشكالٍ جديدة، يلبس لباس الدعوة، ويستغلّ مشاعر الشباب، ويوهمهم أنهم "العصبة المسلمة" الوحيدة التي نجت من فتنة الجاهلية.

فمن ذلك قول حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين:

"موقفنا من الدعوات المختلفة أن نزنها بميزان دعوتنا، فما وافقها فمرحباً به، ومن خالفها فنحن برآء منه!"

فهذا الكلام، وإن بدا عامًّا، إلا أنه يُوحي بأن "دعوته" هي معيار الحق والباطل، وأن من خالفها فهو خارج دائرة الولاء الإسلامي.

ومن أخطر ما ورد في هذا السياق، ما نُقل عن أحد قيادات الجماعة، الشيخ أحمد شريف، حين قال في خطبة جمعة:

"نحن جماعة المسلمين، فمن خرج علينا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه!"

فأيّ ادّعاءٍ أعظم من هذا؟! أن تجعل ولاءك لجماعةٍ بشريةٍ شرطًا في الإسلام نفسه!

وقد بلغ التطرّف ذروته عند سيد قطب، حين وصف المساجد — بيوت الله التي أمر ببنائها وعمارتها — بأنها "معابد الجاهلية"، وقال:

"شدّنا الله إلى اعتزال معابد الجاهلية (المساجد) واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد"!

وهذا القول لا يُقبل لا عقلاً ولا شرعًا. فكيف يُطلق على بيوت الله — التي قال الله فيها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} — وصف "معابد الجاهلية"؟! أليس هذا تكفيرًا صريحًا للمجتمع المسلم، واتهامًا له بالارتداد؟!


الجاهلية: مفهومٌ مغلوط وتوظيفٌ خطير

ومن أخطر الانحرافات المنهجية لدى هؤلاء، توسيع مفهوم "الجاهلية" ليشمل كل من لا ينتمي إلى جماعتهم، أو لا يُطبّق رؤيتهم السياسية أو الفكرية. وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجاهلية قبل بعثة النبي ﷺ كانت حالةً عامةً ناتجة عن الجهل بالله ودينه، أما بعد البعثة، فإن الجاهلية لا تكون إلا مقيدة، في أفراد أو مجتمعات جزئية، لا أن تُعمّم على الأمة كلها.

قال رحمه الله:

"فأما في زمانٍ مطلقٍ فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة".

وقد حذّر الشيخ الألباني رحمه الله من هذا التعميم الخطير، فقال:

"في هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبق في المسلمين خير، فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله؛ لأن فيه — والحمد لله — بقية طيبة لا تزال على هدي النبي ﷺ، وعلى سنته، وستظل كذلك حتى تقوم الساعة".

التكفير والاستعلاء: سلوكٌ خوارجيٌّ متجدّد

ومن أوضح الدلائل على استمرار الفكر الخوارجي في العصر الحديث، ما قاله أبو محمد المقدسي — أحد أبرز منظّري التطرّف المعاصر — حين وصف منفذي التفجيرات الإرهابية في المملكة العربية السعودية بـ "إخواننا الموحّدين"، وكتب:

"أما إخواننا الموحّدون في الجزيرة فلا بواكي لهم!"

فهو هنا يصف من قتل الأبرياء، وفجّر المساجد والأسواق، بأنه "موحّد"، بينما يُنكر على سائر المسلمين — الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصلّون في المساجد — أن يكونوا على الإسلام!

وهذا الاستعلاء الفكري، والنظر إلى الناس من فوق، واعتبار "الجماعة" وحدها هي الناجية، هو ذاته ما رواه التاريخ عن الخوارج الأوائل. فقد ذُكر أن أحد الخوارج كان يطوف بالكعبة في موسم الحج، ومعه رجلٌ قد أقنعه بفكره، فلما رأى الزحام قال له:

"أترى كل هؤلاء؟! كلهم كفار إلا أنا وأنت!"

فاستعظم الرجل هذا القول، وتركه فورًا.


خاتمة: الحذر من دعوى احتكار النجاة

إن النبي ﷺ حذّر من هذا النوع من الغرور والتكبّر، فقال:

«مَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»
(رواه مسلم).

فلا يجوز لمسلمٍ أن يحكم على الناس بالهلاك، أو أن يزعم أن النجاة حُصرت في جماعته الصغيرة، بينما سائر الأمة — بملايينها — في الضلال والكفر. هذا الكلام لا يصدر إلا من جاهلٍ بدينه، أو مغرورٍ بنفسه، أو متّبعٍ لهوىً في تكفير المسلمين.

وواجب الدعاة والباحثين اليوم أن يُبيّنوا هذه الانحرافات، ويُحذّروا الشباب من الوقوع في فخّ هذه الأفكار التي تُفرّق الأمة، وتُبرّر القتل، وتُكفّر المجتمعات، تحت شعارات براقة مثل "التوحيد" و"العصبة المسلمة" و"الخلاص من الجاهلية".

فليُعلم أن الإسلام دين الوسطية والرحمة، لا دين التكفير والتفجير، وأن الجماعة الناجية ليست جماعةً بشريةً تُعلن نفسها وحدها على الحق، بل هي من كان على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويصلّون في المساجد، ولا يكفّرون أحدًا من أهل القبلة بغير حق.


أعده وكتبه وجمع مادته: المتفائل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي