لماذا يسقط الخوارج والاخونج العلماء؟!
إسقاط العلماء: السمة الأبرز للخوارج من القدماء إلى المعاصرين
من أخطر السمات التي تميّز الخوارج — قديمهم وحديثهم — هي العداء الصريح للعلماء الربانيين، والطعن فيهم، وتشويه سمعتهم، بل والدعوة الصريحة إلى تكفيرهم أو قتلهم. فبينما يرى أهل السنة أن العلماء "ورثة الأنبياء"، وهم حُجّة الأمة بعد كتاب الله وسنة رسوله، يرى الخوارج أن العلماء — خصوصًا أولي الأمر منهم — هم "أعداء الدعوة"، و"عملاء الطواغيت"، بل و"آخر من يُقتل في المعركة"!
وقد بيّن هذا الأصل منذ البداية ابن عباس رضي الله عنهما حين ذهب لمناظرة الخوارج الأوائل، فنادى كبيرهم فيهم:
«هذا ابن عباس من قوم قريش، ممن نزل فيهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨]، فلا تجادلوه ولا تسمعوا له!».
فأجابهم ابن عباس بقوله البليغ:
«جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ».
وفي هذا الموقف دروسٌ عظيمة، نوجزها فيما يلي:
الفوائد المستنبطة من موقف ابن عباس
- مشروعية مناظرة الخوارج قبل قتالهم — ما داموا لم يسفكوا دمًا أو يعتدوا على الأموال. لكن إن سفكوا الدم الحرام، فـ"لَوْ أَدْرَكْتُهُمْ لَقَتَلْتُهُمْ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
- لم يكن في الخوارج الأوائل أحد من الصحابة — فهم خارجون عن صفّ خير القرون.
- الرجوع إلى فهم السلف في تفسير النصوص — لأنهم "أعلم بتأويله"، كما قال ابن عباس.
- الخوارج — قديمهم وحديثهم — لا يُنتجون عالمًا واحدًا. فهم ليسوا من "صفوف الصحابة"، بل من "شذاذ الآفاق، جفاة الأعراب"، كما وصفهم السلف.
- الخلل المنهجي: تطبيق آيات الكفار على المؤمنين — كما قال ابن عمر: "انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين".
- منع الأتباع من الاستماع للعلماء — وتشويه سمعتهم بأقبح التهم، وهو ما يفعله الخوارج المعاصرون اليوم.
الخوارج المعاصرون: نفس الأصل، بألفاظ جديدة
لم يتغيّر المنهج، بل تغيّرت المصطلحات. فالخوارج اليوم:
- يسمّون العلماء "منافقين"،
- و"علماء حيض ونفاس"،
- و"علماء سلاطين"،
- و"مرجئة العصر"،
- بل و"كلابًا" — مع أن النبي ﷺ وصف الخوارج أنفسهم بأنهم "كلاب النار"!
ويقول محمود الصباغ — أحد قادة التنظيم السري للإخوان — معبّرًا عن هذا الموقف:
«إن هؤلاء الجنود الأبرار... لا حاجة لأحد منهم لفتوى العالم! كتاب الله وسنة رسوله هما اللذان يقودانه».
وهذا تبريرٌ لـإقصاء العلم الشرعي، واعتماد "الفهم الشخصي" الذي لا يُقرّه أهل العلم.
ويذهب أبو محمد المقدسي — منظّر القاعدة الأول — أبعد من ذلك، فيقول:
«لا حاجة للمجاهدين بفقهاء من خارج صفهم! ففقهاؤهم داخل التنظيم هم أفقه الناس، وأقواهم بصيرة، ولم تكَدْ فراسة أحدهم تخطئ!».
فها هو يُلغِي مرجعية أهل العلم، ويستبدلها بـ"فقهاء التنظيم" — وغالبهم لم يدرس علوم الشريعة يومًا!
ويصل الأمر عند بعضهم إلى الدعوة الصريحة لقتل العلماء. فيقول فارس الزهراني — عضو اللجنة الشرعية في القاعدة — في إحدى رسائله:
«ابدأوا بأعضاء هيئة كبار العملاء! وليحدّ أحدكم شفرته، وليعذّب الطواغيت؛ فيسلخه وينحره جزاءً وفاقًا!».
ويقول أبو قتادة — من قادة التكفير — مُبرّرًا قتل شيخ الأزهر:
«لا نهضة لأمتنا حتى ترفع شعار: اقتلوا آخر حاكم مرتد بأمعاء آخر قسيس خبيث!».
الواقع شاهد: أين علماء الخوارج؟
الحقيقة المرة أن لا عالم واحد — بمعنى الطالب المتمكّن في علوم الشريعة — في صفوف هذه الجماعات. فمن يقودهم؟
- أطباء جراحة مثل أيمن الظواهري وسيد إمام،
- خريجو اقتصاد وإدارة مثل أسامة بن لادن،
- معلّمون أو مهندسون لم يدرسوا أصول الفقه أو أصول التفسير.
وهم يصرّون على عدم رغبتهم في وجود العلماء في صفوفهم، لأن العلم الشرعي يُفنّد أصولهم، ويكشف زيف ادعاءاتهم.
خاتمة: العلماء حُجّة الله على خلقه
إسقاط العلماء ليس "خلافًا فكريًّا"، بل علامة على الانحراف العقدي. فأهل السنة يرون أن العلماء هم "أعلام الهدى"، و"أعلام الدعوة"، كما وصفهم الظواهري نفسه — دون أن يعي تناقضه!
أما الخوارج، فهم — كما قال ابن عباس — ليس فيهم من نال شرف الصحبة، ولا من تعلّم من ورثة الأنبياء. فهم يبنون دينهم على الجهل المركّب، ويقودهم الغرور والهوى، لا العلم والورع.
ومن هنا، فإن التحذير من الخوارج لا يبدأ بسلاحهم، بل بمنهجهم في إقصاء العلم.
فما بُني على باطل، فهو باطل.
إعداد وجمع: المتفائل
المصدر: مقتطفات وتحليلات من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، مع الاعتماد على نصوص من كتب الجماعات التكفيرية نفسها.
تعليقات
إرسال تعليق