اختبار الناس بتكفير الحكام

اختبار الناس بتكفير الحكام: سمةٌ خارجية لا تُخفى

من أبرز أصول الخوارج — المتقدمين منهم والمتأخرين — جعل تكفير الحكام مِحْكَةً للإيمان، ومحكًّا للولاء والبراء. فعندهم، لا يُعدّ المرء من "أهل الحق" أو "الموحّدين" إلا إذا وافقهم على تكفير الحاكم، مهما كانت درجة عدله أو إسلامه الظاهر. أما من امتنع عن هذا التكفير، أو نصحهم بتركه خشية الفتنة واستباحة الدماء، فإنه يُعتبر من أهل الباطل، بل من أعداء الدين، حتى لو كان من كبار العلماء أو أتقياء الناس.

وهذا الأصل الخوارجي يتكون من شقين خطيرين:

  1. اختبار الناس بسؤالٍ واحد: "ما قولك في الحاكم الفلاني؟ أهو كافر طاغوت أم مسلم؟"
  2. عقد الولاء والبراء على الجواب: فمن وافقهم على التكفير فهو "المؤمن الناجي"، ومن خالفهم فهو "المنافق المرتد"، مهما كانت أعماله أو نيته.

الخوارج الأوائل: القتل بسبب رفض التكفير

لم يكن هذا المنهج وليد العصر الحديث، بل هو أصيلٌ في فكر الخوارج منذ نشأتهم. فقد روى أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر — رضي الله عنهما — فسأله: «فما قولك في علي وعثمان؟» قال الحافظ ابن حجر: "فيُؤيَّد أن السائل كان من الخوارج، فإنهم كانوا يتولون الشيخين (أبا بكر وعمر)، ويحطّون من عثمان وعلي".

وأوضح مثالٍ على ذلك ما جرى لـعبد الله بن خباب — وهو تابعي جليل، ابن الصحابي خباب بن الأرت — حين ظفر به الخوارج، فسألوه: «ما تقول في أبي بكر وعمر؟» فأثنى عليهما خيرًا. فقالوا: «وما تقول في عثمان وعلي قبل التحكيم؟» فأثنى عليهما خيرًا أيضًا. فقالوا: «فما تقول في التحكيم والحكومة؟» فأجاب بحكمةٍ وورع: «أقول: إن عليًّا أعلم منكم، وأشد تقوى على دينه». فقالوا: «إنك لست تتبع الهدى!» ثم ربطوه إلى جانب النهر، وذبحوه، فاندفق دمه على الماء يجري مستقيمًا!

فانظر كيف أن رفضهم لم يكن على شركٍ أو فجور، بل على عدم تكفيره لعليٍّ، أو عدم تبنيه لفتواهم السياسية! هذا هو جوهر منهجهم: الإيمان عندهم لا يُقاس بالصلاة والصيام، بل بموقفك من الحاكم.


الخوارج المعاصرون: نفس المِحْكَة، بلسانٍ جديد

واليوم، لم يختلف خوارج العصر إلا في الصيغة، لا في الجوهر. فمن أوضح ما يكشف منهجهم قول أبي قتادة — أحد رموز الفكر التكفيري — حين علّل عداءه للعلماء بقوله:

"من مقت الله تعالى لهؤلاء القوم — يقصد العلماء — أن مسح الله قلوبهم، حيث جعلوا الإمامة... من حق من مسح الله قلبه، وأتى المكفرات العظيمة؛ فانتسابهم للسلف لم يعلمهم التوحيد الذي يوجب عليهم البراءة من كل طواغيت الأرض..."

فهو هنا يصرّح بأن سبب عدائه للعلماء ليس جهلهم بالدين، بل رفضهم تكفير الحكام! وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا التصور الخاطئ ردًّا قاطعًا، إذ قال — ناقلًا عن رافضيٍّ يجعل الإمامة "أحد أركان الإيمان":

"قوله: إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين — كاذب بإجماع المسلمين، سنيهم وشيعيهم، بل هو كفر؛ فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام".

فأين هؤلاء من فهم السلف، الذين جعلوا التوحيد والعبادة والأخلاق أصل الدين، لا السياسة والانقلابات؟!


المقدسي نموذجًا: التكفير عقيدةٌ لا رأي

ويذهب أبو محمد المقدسي — أحد أبرز منظّري التكفير المعاصر — إلى أبعد من ذلك، فيجعل تكفير من يبايع الحاكم "عقيدةً لا تقبل التأويل". فيقول في كتابه "هذه عقيدتنا":

"ونعتقد أن العالم إذا بايع الطاغوت المشرع، أو الحاكم الكافر، فأعطاه صفقة يده، وثمرة فؤاده، أو نصره، وتولاه، ودار معه في الفتوى حيث دار — فهو كافر مرتد".

فانظر كيف يُطلق لفظ "الكفر" و"الارتداد" على من بايع الحاكم، حتى لو كان عالمًا عاملًا! وهذا يُظهر بوضوح أن عقد الولاء والبراء عندهم مرتبطٌ تمامًا بموقفك من الحاكم، لا بصلاتك، ولا صيامك، ولا حتى علمك.


الخلاصة: لا يُختبر الإيمان بموقفك من الحاكم

إن هذا المنهج — اختبار الناس بتكفير الحكام — من أخطر بوابات التكفير والتفجير، لأنه يحوّل المسلم إلى "خائن" لمجرد أنه لم يُكفّر وليّ أمره، أو دعا إلى الحكمة والصبر. وقد حذّر السلف من هذا المسلك، لأن فيه:

  • استباحة دماء المسلمين
  • تقطيع أوصال الأمة
  • إسقاط المرجعية العلمية
  • وإبدال منهج الأنبياء بمنهج الثوار

وواجب الدعاة اليوم أن يُبيّنوا أن الإيمان لا يُقاس بموقفك من الحاكم، بل بموقفك من الله. فمن صلّى، وصام، وآمن بالله ورسوله، واجتنب الكبائر، فهو مسلمٌ، مهما كان رأيه في الحاكم. ومن جعل "الحاكم" محور دينه، فقد اختزل الإسلام في قضيةٍ واحدة، وانحرف عن منهج السلف.

اللهم احفظ بلاد المسلمين من فتنة التكفير والتفجير، وارزق ولاة أمورنا الرشاد والهداية، واجعلنا من أهل الاعتدال والوسطية، لا من أهل الغلو والتشدد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي