تحليل "العقل الجزائري"

العقل الجزائري المُتخيّل

بين "شعب الله المختار" و"نظرية المؤامرة الدائمة"


في وادٍ من شمال إفريقيا، حيث تلتقي الصحراء بالبحر، يعيش شعبٌ يؤمن — أو يُعلّم أبناءه أن يؤمنوا — بأنه الوحيد الذي لم يركع، الوحيد الذي لم يطبع، الوحيد الذي لا يُشترى. ومن هذا الإيمان المقدس، ينبع الوهم التفاضلي: نحن لسنا كغيرنا. نحن استثناء. نحن الأطهر. نحن الأصلب. نحن الأذكى. أما الآخرون — حتى لو كانوا عربًا، مسلمين، أو جيرانًا — فهم متآمرون، خونة، عبيد الدولار، مُستعمَرون من الداخل.

هذا النوع من التفكير لا يُسمّى وطنية، بل استثنائية وطنية (National Exceptionalism) — وهي، كما يُحذّر الفلاسفة، أخطر أنواع العمى الجماعي، لأنها تُعفي صاحبها من النقد، وتُلزِم غيره بالذنب.


العُقدة الأولى: "نحن شعب الله المختار... في السياسة!"

ليس في الجزائر كهنة، لكن هناك خطباء السياسة الذين يكررون، صباح مساء:

"الجزائر لم تطبع مع إسرائيل، بينما باعوا القدس بحفنة دولارات!"

والحقيقة؟ نعم، الجزائر لم تطبع — وهذا موقفٌ سياديٌّ يُحترم. لكن هل هذا يمنحها حصانة أخلاقية مطلقة؟ هل يسمح لها بأن تُدين مصر لأنها وقّعت كامب ديفيد بعد أن خسرت حربًا ودفنت مئات الآلاف من جنودها؟ أم أن تُهاجم الإمارات لأنها اختارت طريقًا مختلفًا في مواجهة التهديدات الإقليمية؟

الاستثنائية هنا تحوّلت إلى مقياسٍ أخلاقي مزدوج: - ما تفعله الجزائر = حكمة استراتيجية. - ما يفعله غيرها = خيانة تاريخية.

وهذا بالضبط ما يسمّيه علماء النفس الاجتماعي "التحيّز الجماعي المتفوّق" (Ingroup Superiority Bias):

"نحن لا نخطئ. إن أخطأنا، فلأن الظروف أجبرتنا. أما هم، فحتى لو أصابوا، فنيّتهم فاسدة!"


العُقدة الثانية: التبرير اللامتناهي لكل ما هو جزائري

في هذا العقل، كل فشلٍ جزائري له عذرٌ كونيّ:

  • اقتصادٌ يعتمد على النفط منذ 60 عامًا؟ → "الاستعمار دمّر بُنيتنا!"
  • صناعة غائبة؟ → "الحصار التكنولوجي الغربي!"
  • بطالةٌ تفوق 15% بين الشباب؟ → "المؤامرات الصهيونية!"
  • فسادٌ منظّم؟ → "بقايا النظام!"
  • عدم قدرة الجيش على التدخل في غزة؟ → "البند السابع!"

لكن اسأل نفس العقل عن سبب فشل دولة عربية أخرى، فيجيبك دون تردّد:

"لأن حكامهم خونة، وشعوبهم مُستسلمة، وثقافتهم مهزومة!"

لا توجد هنا نظرة نقدية ذاتية، بل دفاعٌ تلقائيّ يشبه مناعة الجسم ضدّ أي فيروس اسمه "المساءلة". والمفارقة؟ الجزائر، التي تفتخر بأنها "لم تطلب قرضًا من صندوق النقد الدولي منذ 1990"، هي نفسها التي استوردَت في 2023 أكثر من 80% من حاجياتها الغذائية، واعتمدت على تحويلات المغتربين (التي بلغت 2.3 مليار دولار في 2024) لسدّ العجز.

أين هي "الاستقلال الاقتصادي" الذي يُتلى كدعاءٍ يوميّ؟ لا بأس، سيقولون: "العالم يُحاربنا لأننا أحرار!"


العُقدة الثالثة: إنكار التناقض

العقل الجزائري الشعبي — في نسخته الأيديولوجية المتطرفة — لا يرى التناقض. فهو يُعلن أن "أمريكا عدوّ"، ثم يُصدّر إليها الغاز. ويقول إن "الدولار عملة الشيطان"، ثم يُودع مدخراته في بنوك تتعامل بالدولار. ويصف "التعاون العسكري مع الغرب بالخيانة"، ثم يشتري طائرات روسية بتمويل صيني عبر بنوك أوروبية.

وهذا ليس نفاقًا بالضرورة، بل ازدواجية مُقنّعة بالبطولة. فالمواطن الجزائري العادي ليس غبيًّا؛ هو يعيش صراعًا وجوديًّا بين:

  • الهوية المثالية: الجزائر البطلة، المقاوِمة، النظيفة.
  • الواقع المعقّد: دولة نامية، تعتمد على النظام العالمي الذي تدّعي رفضه.

فبدل أن يعترف بهذا التناقض، يُفضّل أن يُلقي اللوم على الآخرين، لأن الاعتراف بالضعف يُهدّد الأسطورة.


هل هذا خاص بالجزائر؟

لا. كل شعبٍ مرّ بصراعٍ وجودي — خصوصًا بعد استعمارٍ طويل — يميل إلى بناء أسطورة تأسيسية تُعيد له كرامته. لكن الخطر يكمن حين تتحوّل الأسطورة إلى سياجٍ فكري يمنع التقدّم. فالشعوب التي تقدّمت — كفيتنام، كوريا الجنوبية، حتى تركيا — لم تنكر جراحها، بل استخدمتها كوقود للبناء، لا كذريعة للجمود.


خاتمة ساخرة — على طريقة المتفائل

لو أن الجزائر كانت إنسانًا، لكان ذلك الإنسان الذي يقف أمام المرآة كل صباح، ويقول:

"أنا الأجمل، الأذكى، الأقوى... ولولا أن العالم يتآمر عليّ، لكنت حكمت الكون!"

ثم يخرج إلى الشارع، فيشتكي من انقطاع الكهرباء، وغلاء الخبز، وتأشيرة السفر التي رُفضت، لكنّه — في المقهى — يرفع كأس الشاي، ويهمس بفخر:

"على الأقل، لستُ مثل أولئك الخونة!"

وهكذا، يعيش في عالمٍ من العظمة الوهمية، حيث الحقيقة عدوّ، والنقد خيانة، والاختلاف ضعف.

أما الجزائر الحقيقية — بشعبها المبدع، وجيشها المنضبط، وأرضها الغنية، وشبابها الطامح — فهي أعظم من هذه العقلية. وستتحرّر يومًا... ليس من أمريكا، ولا من البند السابع، بل من الوهم الذي يسجنها في مرآةٍ مكسورة.


ملاحظة: هذا التحليل لا يعمّم على كل الجزائريين، بل ينتقد نمطًا خطابيًّا سائدًا في بعض الدوائر السياسية والإعلامية والشعبية. ففي الجزائر، كما في كل مكان، هناك من يفكّر، ومن يُسائل، ومن يحلم بواقعٍ أفضل — دون أن يحتاج إلى اختراع أعداءٍ ليشعر بالعُلوّ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي