الرد على شبهة "تسمع للأمير وتطيع، وإن لاط بك"

الرد على شبهة "تسمع للأمير وتطيع، وإن لاط بك": كذبٌ على العلماء وانحرافٌ عن منهج أهل السنة

انتشرت في بعض الأوساط — خصوصًا بين دعاة الفتنة أو المروّجين للفكر التكفيري — شبهةٌ خطيرة تقول:
"تسمع للأمير وتطيع، وإن زنى بك!"
ويُنسب هذا القول زورًا وبهتانًا إلى الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين — رحمه الله — في محاولةٍ لتشويه سمعته، وتصوير منهج أهل السنة على أنه يُجيز الاستسلام للظلم، حتى لو بلغ حد الاعتداء على العرض!

والحق أن هذا القول لم يثبت عن الشيخ ابن عثيمين بأي حال، لا في كتبه، ولا في دروسه، ولا في فتاواه الموثوقة. بل هو كذبٌ صريحٌ عليه، وافتراءٌ على منهج السلف، الذي لم يُقرّ قطّ بالسكوت على الاعتداء على العرض، سواء صدر من حاكمٍ أو غيره.


موقف أهل السنة من الاعتداء على العرض: الدفاع واجبٌ، والتمكين حرام

إن الاعتداء على العرض — بالزنا، أو اللواط، أو التحرش — من أعظم الكبائر في الإسلام، وقد حرّمه الله تعالى أشدّ التحريم، وأمر المسلم أن يدفع عن نفسه وعن أهله، ولو أدّى ذلك إلى القتال.

قال النبي ﷺ:
«مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»
(رواه الترمذي وصححه الألباني).

فإذا كان الدفاع عن المال يُعدّ سببًا للشهادة، فكيف بـالدفاع عن العرض، وهو أعزّ من المال؟!

وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية — رحمه الله — حكم هذه المسألة بوضوحٍ تام، فقال:

«وأما إذا كان مطلوبه الحرمة — مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة أو الصبي... الفجور به — فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن، ولو بالقتال، ولا يجوز التمكين منه بحال».

فانظر كيف جعل دفع الصائل عن العرض واجبًا، لا جوازًا، بل حرّم التمكين منه "بأي حال"، حتى لو كان المعتدي ذا سلطة أو جاه!


هل يُجيز الإسلام الصبر على الاعتداء الجنسي من الحاكم؟

لا، قطعًا. لكن منهج أهل السنة ليس منهج ثورةٍ عمياء، بل منهجٌ متوازنٌ يوازن بين حق الدفاع وواجب الحفاظ على الأمة من الفتنة.

فإذا حاول الحاكم — نسأل الله السلامة — الاعتداء على عرض أحد، فإن على المعتدى عليه أن:

  1. يبدأ بالوسائل السلمية: كالنصيحة، وتوسيط من له جاه عند الحاكم، واستنفاد كل السبل المشروعة لردعه.
  2. فإن فشلت كل الوسائل، وتعيّن القتال لدفع الصائل، فلا حرج عليه في المدافعة، بل هو مأجورٌ إن قُتل دون عرضه، فهو شهيدٌ بإذن الله.
  3. لكن لا يجوز له أن يُثير الناس، أو يدعو إلى الخروج على الحاكم، أو ينضم إلى الخارجين، لأن فعل الحاكم — وإن كان معصيةً عظيمة — لا يصل إلى الكفر البواح المبيح للخروج.

وهذا التفصيل الدقيق هو ما يميز منهج أهل السنة عن منهج الخوارج، الذين يُكفّرون الحاكم لأدنى معصية، فيُجيزون قتله وتفجير بلاده، بينما أهل السنة يفرقون بين المعصية والكفر، وبين الدفاع عن النفس وإثارة الفتنة العامة.


حكم من أُكره على الزنا أو اللواط

وإذا وصل الأمر إلى الإكراه — كأن يُقال لامرأة: "إما أن تمكني من نفسك، وإما أن أقتلك" — فإن العلماء بيّنوا أن:

  • المرأة المكرهة لا حدّ عليها، ويجوز لها أن تفتدي نفسها من القتل، ولو كان الأفضل أن تصبر.
  • أما الرجل المُكره على اللواط، فلا يجوز له التمكين بأي حال، بل يجب عليه الصبر حتى الموت، لأن العار الذي يلحقه لا يُبرأ منه، وهو أشدّ من الموت نفسه.

قال ابن القيم — رحمه الله —:

«الفرق بينه وبين المرأة أن العار الذي يلحق المفعول به لا يمكن تلافيه... ونطفة اللوطي مفسدة للروح والبدن، ففسادها أعظم من فساد القتل».

فأين هذا من قول من يقول: "تسمع وتطيع، وإن زنى بك"؟! إن هذا القول يُجيز ما حرّمه الله، ويخالف إجماع أهل العلم، ويناقض صريح النصوص.


موقف السلف من الظلم حتى لو صدر من الحاكم

وقد بيّن الإمام الأجري — رحمه الله — الموقف الصحيح بقوله:

«من وُليَّ عليك — عربيًّا أو عجميًّا، أبيض أو أسود — فأطعه فيما ليس فيه معصية لله. وإن ضربك ظلمًا، أو أخذ مالك، أو انتهك عرضك، فلا يحملك ذلك على أن تخرج عليه بسيفك، ولا تخرج مع خارجي يقاتله، ولكن اصبر عليه.»

فانظر إلى التوازن: - الصبر على الظلم مطلوبٌ لدرء الفتنة. - لكن الدفاع عن العرض عند الاعتداء المباشر واجبٌ لا يُستهان به. - والخروج على الحاكم ممنوعٌ، لأن الضرر العام أعظم من الضرر الخاص.


خاتمة: كذبٌ على العلماء، وتشويهٌ لمنهج السلف

الشبهة التي تقول: "تسمع للأمير وتطيع، وإن زنى بك" هي:

  • كذبٌ على الشيخ ابن عثيمين، لم يقلها قط.
  • انحرافٌ عن منهج أهل السنة، الذين أمروا بالدفاع عن العرض.
  • تمهيدٌ للفتنة، لأنها توحي بأن الإسلام يُجيز الاستسلام للانحراف الأخلاقي تحت شعار "السمع والطاعة".

وواجبنا اليوم أن نُبيّن الحق، ونُحذّر من هذه الأكاذيب التي تُروّج باسم الدين، بينما هي أبعد ما تكون عن روحه وقواعده.

اللهم احفظ أعراض المسلمين، وارزق ولاة أمورنا العفاف والتقى، واجعلنا من أهل الحق الذين لا يخافون في الله لومة لائم.

المصدر الرئيسي:
- كتاب "ضوابط معاملة الحكام" — د. خالد الظفيري.
- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في "السياسة الشرعية" و"إعلام الموقعين".
- فتاوى أهل العلم المعتمدين، وسير السلف الصالح.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي