شبهة: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»
الرد التفصيلي على شبهة: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»
أولاً: نص الحديث وسياقه التاريخي
ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ».
(صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إخراج المشركين من جزيرة العرب)
وفي رواية أخرى عند وفاته ﷺ:
«لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ».
السياق التاريخي:
- هذا الأمر صدر في مرحلة متأخرة جدًّا من حياة النبي ﷺ، بعد أن استقرّت دولة الإسلام في الحجاز، وانهارت مراكز الوثنية الكبرى (مكة، الطائف، خيبر).
- "المشركون" المقصودون هم عبدة الأوثان من قريش وكنانة وهوازن وغيرهم، الذين كانوا يُعلنون الحرب على الدولة الإسلامية ويُحرّضون القبائل ضدها.
- لم يكن في جزيرة العرب وقتها جاليات أجنبية تعمل أو تمرّ عبورًا، بل كانت القبائل إما مسلمة أو مشركة بالمعنى الجاهلي (عبادة الأصنام).
ثانيًا: الفهم الفقهي لعبارة "جزيرة العرب"
1. اختلاف التعريف:
- التعريف الجغرافي الحديث: يشمل السعودية، اليمن، عُمان، الإمارات، قطر، البحرين، الكويت، وأحيانًا الأردن والعراق.
- التعريف الفقهي عند السلف: غالبًا ما كان يُقصَد به الحجاز ونجد، أي مركز الدولة الإسلامية وقت النبوة، وليس بالضرورة كل ما يُسمّى اليوم "شبه الجزيرة العربية".
قال ابن تيمية: "المقصود بجزيرة العرب في الحديث هو الحجاز وما حوله، لا كل ما يُطلق عليه اليوم اسم الجزيرة". (مجموع الفتاوى، ج28، ص612)
2. تطبيقات الصحابة:
- أبو بكر وعمر نفّذا الأمر بإخراج المشركين من الحجاز، لكن لم يُخرجوا اليهود والنصارى من خيبر أو تيماء إلا بعد خيانة أو مخالفة شروط الذمة.
- عمر بن الخطاب أخرج اليهود والنصارى من الحجاز فقط، وقال: "لا يجتمع دينان في الحجاز"، لكنه سمح لهم بالبقاء في اليمن والشام والعراق.
روى البخاري أن عمر قال: «أَجْلَيْتُ يَهُودَ خَيْبَرَ، وَأَنْصَارَى نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، لكنه لم يُجليهم من كل أراضي الدولة الإسلامية، بل من "الحجاز" تحديدًا.
ثالثًا: الفرق بين "المشرك" و"أهل الكتاب"
- المشركون في لغة الشريعة هم عبدة الأوثان، وليسوا اليهود أو النصارى.
- أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لهم حكم خاص في الشريعة: يُمكن أن يُعطوا ذمة (أمانًا مقابل جزية)، ولا يُعتبرون "مشركين" بالمعنى القرآني المطلق.
قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113)
لذلك، لا يشمل الحديثُ أهلَ الكتاب، بل المشركين من عبدة الأصنام.
رابعًا: معنى "الإخراج": منع الاستيطان، لا منع الزيارة
المراد بـ"الإخراج" في الحديث ليس منع غير المسلمين من دخول الجزيرة العربية مطلقًا، بل:
- منع الاستيطان الدائم.
- منع بناء دور العبادة الخاصة بهم (كنائس، معابد، معابد بوذية...).
- منع ممارسة الشعائر الدينية علنًا التي تُظهر دينًا غير الإسلام في قلب دار الإسلام.
أما الدخول المؤقت للتجارة، العمل، العلاج، أو حتى المرور، فلم يُمنع شرعًا، بل وردت فيه رخص:
- دخل نصارى نجران مسجد النبي ﷺ وصلّوا فيه (برخصة منه).
- سافر النبي ﷺ مع مشرك لم يُسلم بعد (كما في قصة ثمامة بن أثال قبل إسلامه).
- أجاز الفقهاء دخول الكفار إلى بلاد المسلمين للحاجة، بشرط أمن الفتنة.
قال النووي: "يجوز دخول الكفار دار الإسلام بإذن الإمام للتجارة أو غيرها، ما لم يُخشَ منهم فتنة أو ضرر".
خامسًا: الإخراج من صلاحيات وليّ الأمر وحده
الحديث النبوي «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ليس تفويضًا عامًّا للأفراد أو الجماعات للقيام بالإخراج بحسب رأيهم أو اجتهادهم. بل هو:
- أمرٌ تنفيذي يرتبط بإقامة الدولة وتنظيم الأمن العام.
- من صلاحيات وليّ الأمر (الإمام أو الحاكم الشرعي)، الذي يملك سلطة تقدير المصلحة، وتحديد الزمان والمكان والكيفية.
- الصحابة رضي الله عنهم نفّذوا الأمر بقيادة أبي بكر وعمر بعد استقرار سلطة الدولة.
قال ابن قدامة في "المغني": "لا يجوز لأحد أن يُجري على الذميّ حكمًا من الأحكام – كالقتل أو الإخراج – إلا بإذن الإمام، فإن ذلك من أحكام السلطان".
ومن هنا، فإن أي دعوة فردية أو جماعية لإخراج غير المسلمين من بلاد الجزيرة بدون إذن وليّ الأمر تُعدّ:
- خروجًا على الطاعة.
- فتنةً في الأرض.
- تجاوزًا لمقامات التدبير الشرعي.
سادسًا: النبي ﷺ قال «أَخْرِجُوهُمْ»، ولم يقل «اقْتُلُوهُمْ»
هذه نقطة بالغة الأهمية في التفريق بين التشريع النبوي والسلوك التكفيري:
- النبي ﷺ حدّد الوسيلة: "إخراج"، أي نقل من مكان إلى آخر، دون إزهاق للنفس.
- لو كان المشركون يستحقون القتل لمجرد شركهم، لقال: «اقْتُلُوا المشركين»، لكنه لم يقل ذلك.
- القتل خارج إطار القصاص أو الحرب المشروعة يُعدّ:
جريمة قتل عمد، مخالفة صريحة للنهي القرآني. - النبي ﷺ حذّر من قتل المعاهَد (غير المسلم الداخل في أمان): «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (صحيح البخاري).
- من يدعو إلى قتل غير المسلمين في بلاد الجزيرة باسم الحديث إنما:
- يخالف النص نفسه
- يبرر العنف بشكل مرفوض
- يرتدي لباس الخوارج
سابعًا: الواقع المعاصر وضوابط الإقامة
- لا وجود لعبدة الأوثان ككيانات منظمة في الجزيرة العربية.
- العمال الأجانب (نصارى، هندوس، بوذيون) يدخلون مؤقتًا بأنظمة واضحة.
- السعودية تمنع: بناء دور عبادة، الممارسة العلنية للشعائر، التبشير.
- هذا تقييد صارم يتوافق مع روح الحديث، دون تطبيق حرفي زمني.
ثامنًا: موقف العلماء المعاصرين
- اللجنة الدائمة للإفتاء (السعودية): "يُمنع إقامة غير المسلمين في الحجاز، أما بقية المناطق فعليها ضوابط شرعية". (فتاوى اللجنة الدائمة، ج21، ص158)
- ابن باز: "إخراج المشركين لا يعني منع دخول الكفار للعمل المؤقت، بل منع استقرارهم وعبادتهم".
تاسعًا: نقد التعميم الأيديولوجي
- الشبهة تقوم على خلط بين "المشرك" و"غير المسلم".
- تجاهل السياق التاريخي والفقهي.
- استخدام الحديث كسلاح أيديولوجي يتجاهل: الزمان، المكان، طبيعة الدولة الحديثة، الفرق بين الحكم التكليفي والواقعي.
- هذا منهج الخوارج في التكفير والتطرف.
خاتمة شاملة
الحديث الشريف لا يُفهم بمعزل عن سياقه التاريخي، قيوده الفقهية، صلاحيات ولي الأمر، ودلالته اللغوية، ومقاصد الشريعة العامة.
فهم الحديث يتطلب عقلانية، مراعاة الظروف، وعدم التسرع في التكفير أو الاتهام.
والتأويل الأيديولوجي المتطرف هو انحراف عن الفهم الشرعي الصحيح، والواجب العودة إلى العلماء المعتبرين ورفض خطاب التحريض.
والله أعلم.
تعليقات
إرسال تعليق