قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله 3
الجزء الثالث
ما بقي في الظل
حماس أسوأ من إسرائيل، والربيع العربي كان فوضى،
والتطبيع نعمة على الفلسطينيين
بودكاست "الحل إيه؟" — حلقة: الإمارات عايزة إيه؟ | مارس 2026
أولاً: الجملة التي لم يكن ينبغي قولها
في منتصف اللقاء، وبكل هدوء أكاديمي بارد، أطلق الدكتور عبد الخالق جملة من النوع الذي لا يمحوه التاريخ:
"إن كان هناك طرف أضرّ بالقضية الفلسطينية، ليس إسرائيل بقدر ما هو حماس."
الجملة ليست رأياً سياسياً قابلاً للنقاش — إنها قلبٌ كامل للمعادلة الأخلاقية. دولة احتلت الأرض وهدمت البيوت وقتلت الأطفال بالقنابل الفوسفورية أقلّ ضرراً على القضية الفلسطينية من جماعة فلسطينية مهما كانت أخطاؤها. هذا المنطق لم يقله حتى معظم المطبّعين الرسميين علناً — لكن عبد الخالق قاله أمام الكاميرا، وبنبرة من يقول بديهية[1].
والأخطر أن هذه الجملة لم تأتِ في فراغ. جاءت في سياق الدفاع عن الاتفاقيات الإبراهيمية التي وُقِّعت عام 2020، أي حين كانت غزة محاصرة وفلسطينيو الضفة يرون مستوطنات تُبتلع أرضهم يومياً. فقبول التطبيع في تلك اللحظة بالذات لا يحتاج إلى دفاع — بل يحتاج إلى أكاديمي يُقنعك أن الضحية هي المشكلة.
ثانياً: التطبيع — "نقتل الأتيل ونمشي في جنازته"
استخدم عبد الخالق عبارة لافتة جداً: "نقتل الأتيل ونمشي في جنازته" — مقدِّماً إياها كوصف لعلاقة الإمارات بإسرائيل. والمثير أنه أطلقها ليس دفاعاً بل فخراً، مستشهداً بأن الإمارات هي "أكثر دولة تمكّنت من إدخال المساعدات" إلى غزة بحكم علاقتها مع إسرائيل[2].
المشكلة المزدوجة هنا: أولاً، الجملة ذاتها اعتراف ضمني بأن الإمارات تتعامل مع إسرائيل وهي تعرف ما تفعله بالفلسطينيين — "نقتل" — لكنها تواصل الشراكة معها. وثانياً، توظيف المساعدات الإنسانية دليلاً على نجاح التطبيع يشبه تماماً من يقول: "فتحت الباب للسارق ليأخذ كل شيء، لكن أنا المسؤول عن الأكل الذي يصل للأسرة." دور الوسيط الإنساني لا يُبرر المشاركة في بناء المنظومة التي تخلق الحاجة للمساعدات أصلاً.
ثالثاً: الربيع العربي — "قوى الفوضى" لا قوى التغيير
طوال اللقاء كان عبد الخالق يُسمّي الربيع العربي بـ"قوى الفوضى"، مُحيلاً كل ثوراته إلى إرهاب وتطرف وانهيار. وهذا التأطير ليس مجرد رأي أكاديمي — إنه الركيزة الأيديولوجية الكاملة التي بنى عليها شرعية التدخل الإماراتي في كل دولة:
- مصر ثارت فكانت "فوضى" — فجاءت الإمارات لتُعيد الاستقرار.
- ليبيا انتفضت فكانت "فوضى" — فجاءت الإمارات لتدعم حفتر.
- السودان انتفض فكانت "فوضى" — فجاءت الإمارات لدعم قوات الدعم السريع.
لكن من أعطى الإمارات — بمساحة 83 ألف كيلومتر وأغلب سكانها غير مواطنين وبلا انتخابات — صلاحية الحكم على شعوب ثارت مطالبةً بحريتها؟ الإجابة التي لم يقلها عبد الخالق: لا أحد. قرّرت أبوظبي بنفسها أنها المرجع الذي يُفرّق بين الاستقرار والفوضى — وهو أعلى درجات الغطرسة السياسية أن تُعرّف الحرية باحتياجاتك الأمنية لا بحقوق الشعوب[3].
والأدهى أن المحاورة الدكتورة رباب المهدي، وهي مصرية أكاديمية عاشت لحظة 2011، رفضت هذه التسمية صراحةً. فردّ عبد الخالق بأن النتائج هي التي تُحدد الوصف. وهذا المنطق خطير: إذا فشلت الثورة فهي فوضى، وإذا نجحت تكلّمنا. أي أن الحكم يأتي دائماً بعد ظهور نتيجة تخدم الرواية المطلوبة.
رابعاً: الاعتراف المخبّأ في الدفاع — "ارتكب بلندر"
في معرض حديثه عن أحداث ديسمبر 2025 في حضرموت، حين احتلّت قوات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي منشآت نفطية، قال عبد الخالق بالحرف الواحد:
"أعتقد أن الشخص الذي أخذ هذا القرار ارتكب بلندر — يعني خطأً وخطيئة استراتيجية."
هذا الاعتراف كان ينبغي أن يوقف الحوار كله. فمن اتخذ قرار احتلال المنشآت النفطية السيادية اليمنية بقوة مسلحة؟ من موّله؟ من دعمه؟ عبد الخالق لم يجب — بل انتقل فوراً للقول إن أبوظبي "انسحبت بكل سرور حين طُلب منها ذلك". أي أنه اعترف بالخطأ الاستراتيجي دون الاعتراف بالمسؤولية عنه — وهي مهارة لا يتقنها إلا المحامون الأكثر تمرّساً[4].
خامساً: الاتفاقيات الإبراهيمية — "ماذا استفادت الإمارات؟"
حين سُئل عبد الخالق عمّا جنته الإمارات من الاتفاقيات الإبراهيمية، جاءت إجابته في ثلاثة محاور: الاقتصاد، والأمن، والنفوذ الإقليمي. ولم يأتِ على ذكر الفلسطينيين إلا في سياق واحد: "الإمارات ساعدت في إيصال المساعدات لغزة."
لكن ما لم يقله:
- أن الاتفاقيات وُقِّعت وإسرائيل لم تتراجع خطوة واحدة عن الاستيطان.
- أن نتنياهو احتفل بها على أنها "تطبيع بدون ثمن".
- أن ورقة الضغط العربية الأكبر على إسرائيل أُعيدت بأقل من ثمنها.
- أن الإمارات حصلت في المقابل على صفقة طائرات F-35 ومنظومة شاملة من الاتفاقيات الاستراتيجية مع واشنطن — لا الفلسطينيون[5].
إسرائيل "بالسر وبالعلن أصبحت جزءاً من هذا الواقع" — كما قال عبد الخالق بفخر. والسؤال الذي لم يُطرح: وماذا أصبح الفلسطينيون بعد أن صارت إسرائيل "جزءاً من الواقع"؟
سادساً: إسرائيل "حصان طروادة" — عبد الخالق نسي أن يرد
قال أحمد التويجري إن الإمارات "حصان طروادة لإسرائيل تسعى لتفتيت المنطقة". ردّ عبد الخالق بأن هذا الكلام "لا يصدّقه عاقل". لكنه في اللقاء ذاته:
- أقرّ بأن الإمارات لديها علاقات استخباراتية وتنسيق أمني مع إسرائيل.
- أقرّ بأن "إسرائيل أصبحت بالسر وبالعلن جزءاً من هذا الواقع".
- أقرّ بأن الإمارات تنسّق في ملفات إقليمية متعددة مع تل أبيب.
- ثم اتهم حماس بأنها أضرّ على القضية الفلسطينية من إسرائيل.
الرد على اتهام "حصان طروادة" لا يكون بالاستنكار العاطفي — يكون بالحجة. وعبد الخالق لم يقدّم حجة واحدة، بل قدّم ما هو أسوأ: دليلاً إضافياً على صحة الاتهام دون أن يدرك ذلك[6].
الخيط الرابط: ثلاثة مقالات والصورة كاملة
بعد قراءة اللقاء بكامله ثلاث مرات، يمكن اختزال الوظيفة الكاملة لهذا الحوار في جملة واحدة:
أبوظبي تريد أن تقول للعرب: نعم تطبّعنا، ونعم تدخّلنا، ونعم خالفنا السعودية — لكننا كنا على حق في كل مرة، وأنتم لم تفهموا.
وعبد الخالق هو الترجمة الأكاديمية لهذه الرسالة. وهو ليس مجرد ناطق رسمي — بل هو أخطر من ذلك: مثقف مُقنع يُلبس السياسة ثوب التحليل، وهذا ما يجعله أشد تأثيراً من أي بيان رسمي، وأكثر حاجةً إلى من يقرأ ما بين السطور.
"أخطر الكذب ما يمشي على أرجل الحقيقة"
📄 الهوامش والمصادر
[1] اللقاء الأصلي — بودكاست الحل إيه؟، حلقة الإمارات عايزة إيه؟، مارس 2026:
https://youtu.be/eiid5mom4QY
[2] الاتفاقيات الإبراهيمية بعد حرب غزة — واشنطن إنستيتيوت، 2024:
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/gaza-qatar-and-uae-abraham-accords-after-operation-guardian-walls
[3] أربع سنوات على الاتفاقيات الإبراهيمية: توترها في ظل حرب غزة — تايمز أوف إسرائيل، سبتمبر 2024:
https://www.timesofisrael.com/four-years-on-abraham-accords-are-strained-by-gaza-war-but-prove-resilient/
[4] الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن وحضرموت — The Middle East Insider، مارس 2026:
https://themiddleeastinsider.com/2026/03/05/saudi-arabia-vs-uae/
[5] الدبلوماسية كرافعة: كيف أثّرت الاتفاقيات الإبراهيمية على القرار الإسرائيلي — غلف نيوز، نوفمبر 2025:
https://gulfnews.com/opinion/op-eds/diplomacy-as-leverage-how-the-abraham-accords-nudged-israel-away-from-its-hardest-choices-1
[6] التنافس السعودي الإماراتي على الزعامة الإقليمية — ستيمسون سنتر، فبراير 2025:
https://www.stimson.org/2025/saudi-arabia-and-the-uae-compete-to-be-hubs-for-regional-business/
[7] تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان والدعم الخارجي لقوات الدعم السريع — الأمم المتحدة، 2024:
https://www.un.org/securitycouncil/sanctions/1591/panel-of-experts/work
[8] الاستراتيجية البحرية الإماراتية والسيطرة على الموانئ — تقرير ستيمسون، 2025:
https://www.stimson.org/2025/saudi-arabia-and-the-uae-compete-to-be-hubs-for-regional-business/
تعليقات
إرسال تعليق