دراسة: علاقة حماس بإيران
العلاقات الإستراتيجية بين حركة حماس وإيران: دراسة في التحولات الأيديولوجية والسياسية في ضوء الوثائق والتصريحات الرسمية
▶ ملخص البحث:
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل طبيعة العلاقة بين حركة "حماس" وجمهورية إيران الإسلامية، انطلاقًا من وثائق رسمية وتصريحات قيادية صادرة عن الحركة، مع التركيز على البُعد الأيديولوجي الذي يتجاوز المصالح السياسية الآنية. وتهدف الورقة إلى تفكيك المزاعم القائلة بأن العلاقة مع إيران هي مجرد تحالف تكتيكي، من خلال تتبع تطور الخطاب الحمساوي تجاه الثورة الإيرانية ومؤسسيها، لا سيما الإمام الخميني، ورصد مظاهر التقارب العقائدي والشعائري. كما تُقيّم الدراسة التناقضات في المواقف السياسية لحماس، خاصة فيما يتعلق بقضايا المسلمين خارج فلسطين، ومرونة الحركة في تعديل مبادئها عند الوصول إلى السلطة. وتستند الدراسة إلى مصادر أولية، أبرزها كتاب "كسر الصنم: حماس" (رغم انحيازه الحزبي)، ومقالات وتصريحات رسمية نُشرت في وسائل إعلام عربية وإيرانية، بالإضافة إلى ميثاق الحركة الأساسي.
▶ المقدمة:
منذ نشأتها في أواخر الثمانينيات، ظلت حركة حماس تُعرّف عن نفسها كحركة مقاومة إسلامية، منبثقة من جماعة الإخوان المسلمين، وتستمد شرعيتها من المرجعية السنية. إلا أن تطور علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية – ذات المرجعية الشيعية الإثنى عشرية – أثار جدلًا واسعًا حول مدى تأثر الحركة بأيديولوجيا الثورة الإيرانية، وهل تجاوزت العلاقة إطار التحالف السياسي إلى التقارب العقائدي. يحاول هذا البحث تقديم قراءة علمية نقدية لهذه العلاقة، معتمدًا على وثائق وتصريحات رسمية، لفهم دوافعها، ومظاهرها، وتأثيراتها على هوية الحركة ومواقفها السياسية.
▶ أولًا: الجذور التاريخية للعلاقة: الإخوان المسلمون ودار التقريب
لا يمكن فهم العلاقة بين حماس وإيران دون العودة إلى الجذور التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، التي نشأت منها حماس. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، سعت الجماعة – بقيادة حسن البنا – إلى مد جسور التواصل مع الشيعة، عبر مؤسسات مثل "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" التي أسسها الشيخ محمد تقي القمي في القاهرة عام 1949 بدعم من علماء شيعة وسنة. وقد شكّل هذا التوجه الأرضية الفكرية التي استثمرتها إيران بعد ثورتها عام 1979، لبناء تحالفات مع حركات إسلامية سنية، بما فيها حماس، مستغلة الخطاب الثوري المشترك ضد "الاستكبار العالمي" و"إسرائيل".
الوثيقة: يشير الكتاب إلى أن العلاقة بين حماس وإيران "تبدأ منذ إنشاء الإخوان في الثلاثينيات"، وهو تبسيط تاريخي يحتاج تفصيلاً، لكنه يشير إلى وجود توجه قديم لدى الجماعة الأم نحو التقارب مع الشيعة، وهو ما ورثته حماس لاحقًا.
▶ ثانيًا: التصريحات الرسمية: التبني العلني للنموذج الخميني
تشكل تصريحات قادة حماس، لا سيما المؤسس الشيخ أحمد ياسين، والقيادي خالد مشعل، محطات فارقة في توثيق العلاقة الأيديولوجية مع إيران:
- زيارة الشيخ أحمد ياسين لإيران (1998): نقلت جريدة "الشرق" القطرية (1/5/1998) عن وكالة الأنباء الإيرانية أن الشيخ ياسين، أثناء زيارته لضريح الخميني، أقسم على "مواصلة طريق آية الله الخميني"، مؤكدًا أن حركته "مستعدة لمواصلة طريق الإمام الخميني الذي قاد الثورة وأسس الجمهورية الإسلامية". هذا التصريح لا يُفهم كمجاملة سياسية، بل كتبني صريح لمشروع الخميني كمرجعية ثورية.
- تصريح خالد مشعل (2006): خلال لقائه بحفيد الخميني، حسن الخميني، في 23 يناير 2006، وصف مشعل حماس بأنها "الابن الروحي للإمام الخميني"، ووضع إكليلًا على ضريحه، مشيدًا بدوره في "يقظة الشعوب الإسلامية". هذه الصيغة لا تُستخدم عادةً في التحالفات السياسية، بل في السياقات العقائدية أو الروحية.
- مقال خالد مشعل (2007): في الذكرى السنوية لوفاة الخميني، كتب مشعل مقالًا بعنوان "تأملات فكرية في مدرسة الإمام الخميني"، وصفه فيه بأنه "رجل أحيا الله به أمة، وأزال به عرش الطاغوت"، و"أشرق كالشمس في رابعة النهار". هذه اللغة الصوفية-الثورية تُستخدم عادةً في الأدبيات الشيعية لوصف الأئمة، مما يدل على تبني خطابي عميق للنموذج الخميني.
تحليل: هذه التصريحات لا تُقرأ بمعزل عن السياق، بل كجزء من استراتيجية حماس لتوطيد علاقتها بإيران، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحول في الخطاب، من التأكيد على الهوية السنية إلى التماهي مع رموز شيعية، وهو ما يثير إشكاليات هوياتية داخل الحركة وخارجها.
▶ ثالثًا: الممارسات الطقوسية: مشاركة خالد مشعل في عاشوراء
من أبرز المظاهر الدالة على التقارب العقائدي مشاركة خالد مشعل السنوية في الطقوس العاشورائية التي يقيمها حزب الله اللبناني. فعاشوراء، في السياق الشيعي، ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل طقس عقائدي يحتوي على رموز وممارسات (مثل اللطم، والتطبير، والبكاء على الحسين) لا يشارك فيها عادةً السنة، خصوصًا على المستوى الرسمي.
الوثيقة: يُذكر في الكتاب (ص23) أن مشعل "يشارك في الطقوس التي يقيمها حزب الله يوم عاشوراء بشكل سنوي". إذا صح هذا الخبر وتم توثيقه بمصادر مرئية أو رسمية، فهو دليل قوي على تجاوز العلاقة السياسية إلى التقارب الطقوسي، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الحركات السنية.
▶ رابعًا: التناقضات السياسية: من الثابتية إلى المرونة
- التنازل عن الثوابت: ينص ميثاق حماس (1988) في المادة 11 على أن "فلسطين وقف إسلامي... لا يجوز التنازل عن شبر منها". لكن بعد فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006، قبلت ضمنيًا باتفاقات أوسلو، وشاركت في حكومة وطنية قائمة على حدود 1967 – وهو ما يعني التنازل عن جزء كبير من فلسطين التاريخية.
- انتقائية التضامن: بينما تطالب حماس العالم الإسلامي بالوقوف معها، فإنها تتجاهل قضايا المسلمين في الأحواز وسوريا ولبنان، إلا إذا كانت هذه القضايا مرتبطة بداعميها الماليين. وهذا يُضعف من مصداقيتها كحركة إسلامية جامعة.
- مواقف متناقضة من العنف: تستنكر حماس قتل المدنيين في فرنسا على خلفية الرسوم المسيئة للنبي (ص)، وتؤكد أن "الخلاف في الرأي ليس مبررًا لقتل الأبرياء"، لكنها في الوقت نفسه تبرر عمليات التفجير ضد المدنيين الإسرائيليين. كما أنها تعتبر أسامة بن لادن "إرهابيًا" – حسب ما ورد في الكتاب (ص32) – وهو موقف يتناقض مع خطابها الجهادي.
▶ خامسًا: الهوية التنظيمية: بين الجماعة والإسلام
يكشف ميثاق حماس عن أولوية الانتماء التنظيمي على الانتماء الإسلامي العام. فالمادة الرابعة تنص على أن الحركة "ترحب بكل مسلم آمن بعقيدتها، وأخذ بفكرتها، والتزم منهجها..."، أي أن العضوية مشروطة بالولاء للجماعة، لا بالإسلام وحده. وهذا يعيد إنتاج نموذج الإخوان المسلمين، الذي يُقدّم "الجماعة" كمرجعية فوق المرجعيات الأخرى، حتى الدينية منها.
▶ سادسًا: الخلفية العقائدية: هل هناك تبشير شيعي داخل حماس؟
يشير الكتاب إلى أن "الرافضة استفادوا من موقف الإخوان ونشروا التشيع بين صفوفهم في حماس تحديداً". كما ينقل عن نعمة الله الجزائري قوله: "إننا لا نجتمع مع السنة في الإله ولا نبي". هذه المعلومة تحتاج إلى توثيق إضافي، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا: هل سمحت حماس – عن قصد أو غير قصد – باختراق شيعي في صفوفها؟ وهل هناك تحول عقائدي صامت بين بعض كوادرها؟
▶ الخاتمة:
تكشف الوثائق والتصريحات المذكورة أن العلاقة بين حماس وإيران ليست مجرد تحالف تكتيكي، بل تتضمن بعدًا أيديولوجيًا عميقًا، يتمثل في التبني العلني لنموذج الخميني، والمشاركة في طقوس شيعية، واستخدام خطاب ثوري مشترك. كما تُظهر حماس مرونة سياسية كبيرة، تتناقض مع ثوابتها المعلنة، مما يطرح تساؤلات حول أولوياتها: هل هي المقاومة؟ أم البقاء في السلطة؟ أم الولاء للممول؟
إن هذه الدراسة لا تنفي شرعية مقاومة حماس للاحتلال، لكنها تدعو إلى قراءة نقدية لتحالفاتها وأيديولوجيتها، بعيدًا عن الثنائيات المبسطة. ففهم هذه التحولات ضروري لفهم مستقبل الحركة، ومستقبل القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية.
▶ التوصيات:
- ضرورة إجراء دراسات ميدانية على كوادر حماس لرصد مدى التأثر العقائدي بالخطاب الشيعي.
- تحليل الخطاب الحمساوي في وسائله الإعلامية المختلفة لرصد التطور الأيديولوجي.
- مراجعة المواقف السياسية لحماس في ضوء مبادئها المعلنة في ميثاقها.
▶ قائمة المصادر والمراجع:
- كتاب: "كسر الصنم: حماس" – .
- جريدة الشرق القطرية، العدد الصادر في 1/5/1998.
- وكالة مهر للأنباء، تقرير بتاريخ 23/1/1427هـ (2006م).
- مقال خالد مشعل: "تأملات فكرية في مدرسة الإمام الخميني"، 9/3/2007.
- ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، 1988.
- مقابلة خالد مشعل مع قناة العربية، 2006.
- مقابلة خالد مشعل مع قناة TV5، 15/3/2006.
- تصريحات رسمية لحماس عبر وكالة فرانس برس، 2015.
تعليقات
إرسال تعليق