الاضطهاد الطائفي في العراق بعد 2003

✦ ✦ ✦ ✦

هذا المقال من إعداد

المتفائل

الاضطهاد الطائفي في العراق بعد 2003

الجرائم الموثّقة، والتغيير الديموغرافي، وكيف يعيش السنة اليوم

هذا الملف هو الأكثر قتامةً في التاريخ العراقي الحديث، وفيه تتقاطع الجريمة السياسية مع الجريمة الإنسانية بصورة موثّقة دولياً. ما جرى ليس عنفاً طائفياً عفوياً، بل مشروع هندسة ديموغرافية وسياسية واجتماعية ممنهجة أشرفت عليه طهران ونفّذه وكلاؤها في بغداد.

✦ ✦ ✦

الأرضية: ماذا كانت البيئة بعد 2003 مباشرة؟

حين انهار نظام صدام، كان السنة العرب يمثّلون نحو 19% من سكان العراق لكنهم كانوا الصوت السياسي والعسكري المهيمن لعقود[1]. بريمر جاء بتصوّر مبسّط يقسّم العراق إلى شيعة 60% وأكراد 20% وسنة 19% — وهذه النظرة الحسابية الباردة هي التي بنى عليها قراراته الكارثية[1]. في اليوم الأول لهيمنة الأحزاب الشيعية الإيرانية على الحكومة، بدأت ساعة العداد تدور ضد السنة.

المرحلة الأولى: الاجتثاث والتطهير المؤسسي (2003 – 2006)

قبل أن تُطلق رصاصة واحدة طائفياً، جرى الاجتثاث عبر المؤسسات[2]:

  • 500 ألف موظف طُردوا من وظائفهم بذريعة اجتثاث البعث، غالبيتهم سنة، من ضباط جيش ومدرّسين وأطباء ومهندسين.
  • سيطر موالو إيران على وزارة الداخلية عام 2005 بتعيين بيان جبر الزبيدي، الذي حوّل وحداتها إلى أدوات تطهير طائفي موثّقة.
  • تحوّل سجن أبو غريب — بعد تسليمه للحكومة العراقية — إلى مكان تُودَع فيه آلاف المعتقلين السنة دون محاكمات، بينما يُطلَق سراح المعتقلين الشيعة بشكل انتقائي[2].
  • سيطر فيلق بدر على المديريات الأمنية في بغداد وجنوب العراق وأسّس ما عُرف بـ"فرق الموت"[3].

المرحلة الثانية: الحرب الأهلية الصامتة (2006 – 2008)

ذروة العنف المنظّم

بعد تفجير سامراء فبراير 2006، انكشف القيد الأخير. أعداد موثّقة تكشف حجم المأساة[2]:

  • أكثر من 20 ألف سني قُتلوا في بغداد وحدها خلال 2006-2007.
  • فرق الموت التابعة للداخلية كانت تختطف الرجال السنة من منازلهم ليلاً وتُعثَر على جثثهم في الصباح مرمية في مكبّات النفايات والأنهار.
  • تحوّلت أحياء سنية كاملة في بغداد — الشعلة، العامل، الكاظمية، شعب — إلى مناطق صافية طائفياً بعد طرد أهلها بالقوة[4].
  • مجمّع وزارة الداخلية في بغداد كان يحتجز معتقلين سنة في أقبية سرية يتعرضون فيها للتعذيب الممنهج.

مجازر موثّقة من تلك المرحلة

  • مجزرة مسجد بن عمير: اقتحام ميليشيا مسلحة لمسجد سني في بغداد وإعدام المصلين داخله.
  • مذبحة منطقة الحرية: اختطاف عشرات الرجال السنة في وضح النهار أمام كاميرات صحفيين أجانب.
  • وثّقت الأمم المتحدة 165 عملية إعدام ميداني في هذه الحقبة وحدها، أغلبها بحق مدنيين سنة[5].

المرحلة الثالثة: المالكي وسياسات الإبادة المؤسسية (2008 – 2014)

نوري المالكي — الذي قضى سنوات طويلة في المنفى الإيراني — مارس الحكم كأداة إيرانية منضبطة[6]:

على الصعيد العسكري:

  • شنّ حملة عسكرية على الفلوجة 2013 بذريعة مكافحة الإرهاب، قصف فيها أحياء سكنية بالمدفعية الثقيلة.
  • أوقف رواتب قوات الصحوة البالغة 100 ألف مقاتل سني وطاردهم بتهم الإرهاب.
  • سحب الجيش من المناطق السنية وأحلّ محله ميليشيات الحشد قبل تأسيسه الرسمي.

على الصعيد القضائي:

  • استخدم قانون مكافحة الإرهاب كسلاح طائفي: أُودع السجن بموجبه آلاف السنة بلا أدلة.
  • أصدر حكم إعدام غيابياً بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي.
  • اعتُقل وزير المالية رافع العيساوي ومحيطه عام 2012.
الرقم الأكثر صدمة: تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2022 ذكر أن السنة يمثّلون 90% من المحتجزين في سجون غير رسمية في العراق، وأن 9000 منهم صدرت بحقهم أحكام إعدام[2].

المرحلة الرابعة: الحشد الشعبي وجرائم التحرير (2014 – 2017)

هذه المرحلة الأكثر توثيقاً دولياً، وفيها تصاعدت الجرائم إلى مستوى يُصنّفه كثير من الباحثين وبعض المنظمات الدولية تطهيراً عرقياً ممنهجاً[7][8]:

مجازر موثّقة أممياً وحقوقياً

الجريمة التفاصيل الجهة الموثِّقة
مجزرة سوق مويلحة / الحلة قتل 53 سنياً بأيدٍ مقيّدة ورصاص في الرأس منظمات حقوق الإنسان[9]
مجزرة ناحية العلم / صلاح الدين إعدام ميداني لعشرات الأسرى السنة بعد تحرير المنطقة هيومن رايتس ووتش
أحداث بيجي والشرقاط نهب وحرق منازل بالكامل وقتل المدنيين الأمم المتحدة[5]

منهجية الجرائم بعد كل تحرير

وثّقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أنماطاً متكررة في كل مدينة سنية يدخلها الحشد الشعبي[10][11]:

  • 1. الاختفاء القسري: اختطاف الرجال بين 15 و60 سنة فور السيطرة على المدينة.
  • 2. الإعدامات الميدانية: إعدام المشتبه بهم دون محاكمة بذريعة "التعاون مع داعش".
  • 3. النهب الممنهج: نهب المنازل والمحال التجارية قبل تدميرها.
  • 4. حرق المنازل وهدمها: وثّقت هيومن رايتس ووتش تدمير 345 منزلاً غرب الموصل لا ضرورة عسكرية توجبه[2].
  • 5. منع العودة: إغلاق الطرق أمام النازحين السنة ومنعهم من العودة لمناطقهم المحرَّرة.

التغيير الديموغرافي: الجريمة الأطول أثراً

هذا البُعد هو الأشد تأثيراً على المدى البعيد لأنه يُعيد رسم خريطة العراق الإنسانية بصمت[12][13].

آلية العمل الموثّقة:

  • بعد طرد السكان السنة من مناطق مثل ديالى وكركوك وسنجار، يرفض الحشد السماح بعودتهم بحجة "الاشتباه بالتعاون مع داعش".
  • يُستقدم سكان شيعة من الجنوب لتوطينهم في تلك المناطق بحوافز حكومية وميليشياوية.
  • الأنبار التي كانت سنية 100% باتت تضم 750 عائلة شيعية موطّنة بشكل مصطنع[12].
  • في كركوك تحديداً، تتداخل مطامح الحشد مع المطامح الكردية مما يُشكّل ضغطاً مضاعفاً على السكان السنة العرب.

الوضع الراهن: كيف يعيش السنة اليوم؟

السياسي: الحضور بلا وزن

السنة موجودون في البرلمان والحكومة شكلاً، لكن وزنهم الفعلي منعدم[1]. رئيس البرلمان محمد الحلبوسي — أبرز ممثل سني — اغتيلت مكانته السياسية حين أصدرت المحكمة الاتحادية قراراً بإلغاء عضويته البرلمانية عام 2023 بطريقة اعتُبرت ضربة إيرانية مدبّرة، لأنه كان يُمثّل صوتاً سنياً جريئاً نسبياً.

الاقتصادي: مناطق بلا تنمية

المحافظات السنية الثلاث الكبرى — نينوى والأنبار وصلاح الدين — تمثّل أكثر من ثلث مساحة العراق لكنها تحصل على أقل نصيب من الموازنة النفطية[14]. مشاريع إعادة الإعمار بعد داعش تُقدَّر بين 60-100 مليار دولار لكن التنفيذ الفعلي بطيء ومتذبذب وأحياناً مرهون بالموافقة الأمنية للميليشيات التي تسيطر على المنافذ[14].

الأمني: الميليشيات لا تزال هناك

حتى اليوم، تنتشر الميليشيات في المناطق السنية تحت مسمى "تأمين المناطق المحرّرة"، وتمارس سلطة فعلية موازية للدولة: نقاط تفتيش، إتاوات، واعتقالات عشوائية[15]. تقرير وزارة الخارجية الأمريكية 2024 وثّق استمرار الاختفاء القسري والتعذيب في مرافق احتجاز غير رسمية تابعة للميليشيات، أغلب ضحاياه من السنة[15].

الإنساني: 2025 ونازحون لا يعودون

حتى ديسمبر 2025، لا تزال آلاف العائلات السنية في مخيمات النزوح في أربيل وسواها تنتظر "تصاريح أمنية" لم تأتِ، لأن بعض مناطقها تخضع لسيطرة ميليشياوية ترفض السماح بعودتهم[16].

✦ الخلاصة: دولة بهيكل طائفي مُبرمَج

ما جرى في العراق منذ 2003 ليس مجرد عنف طائفي عفوي، بل هو مشروع هندسة ديموغرافية وسياسية واجتماعية ممنهجة أشرفت عليه طهران ونفّذه وكلاؤها في بغداد، بهدف تحويل العراق من دولة مستقلة بمكوّناتها المتعددة إلى مساحة نفوذ إيرانية صافية[2][12].

رئيس البرلمان العراقي نفسه اعترف عام 2023 بأن الميليشيات الموالية لإيران "اختطفت وأعدمت آلاف الرجال السنة" بين 2013 و2017[2] — وهو اعتراف تاريخي يُلخّص عشرين عاماً من صمت رسمي عن جريمة لم يُحاسَب على ارتكابها أحد حتى اللحظة.

الهوامش والمصادر

[1] الجزيرة نت — سنّة العراق: كيف تعمّق الانقسام؟ (2024). aljazeera.net — سنة العراق

[2] Wikipedia — Sectarian violence against Sunni Arabs in Iraq. en.wikipedia.org — Sectarian violence Iraq

[3] جرائم الميليشيات الشيعية ضد السنة في العراق. copts-united.com — جرائم الميليشيات

[4] حملة التطهير الطائفي ضد العرب السنة في العراق (2006). marebpress.net — التطهير الطائفي

[5] مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان — تقرير يوثق انتهاكات ذات طابع طائفي في العراق (2015). ohchr.org — تقرير الأمم المتحدة

[6] معهد الدوحة — أهي سياسات المالكي وحساباته الخاطئة أم أنها الدولة الإسلامية؟ (2014). dohainstitute.org — سياسات المالكي

[7] ويكيبيديا العربية — الإبادة الجماعية للعرب السنة في العراق. ar.wikipedia.org — الإبادة الجماعية

[8] المنظمة الدولية لحقوق الإنسان — المجازر المرتكبة بحق السنة. ifffp.org — المجازر بحق السنة

[9] اتحاد علماء المسلمين — العرب السنة في العراق: المأساة وآفاق الحل (2017). iumsonline.org — مأساة السنة

[10] الجزيرة نت — انتهاكات الحشد الشعبي المروعة بحق سنة العراق (2016). aljazeera.net — انتهاكات الحشد

[11] BBC عربي — الحشد الشعبي ينتهك حقوق الإنسان بأسلحة أمريكية وأوروبية (2017). bbc.com/arabic — انتهاكات الحشد

[12] القرار — التغيير الديموغرافي: مخطط إيران لاختطاف سوريا والعراق (2025). alqarar.sa — التغيير الديموغرافي

[13] مركز روابط — طهران وبغداد: سعي للإخلال بالتوازن السكاني في ديالى (2015). rawabetcenter.com — التوازن السكاني ديالى

[14] The Media Line — Prosperity Comes to Sunni Provinces of Iraq (2023). themedialine.org — المحافظات السنية

[15] وزارة الخارجية الأمريكية — 2024 Country Reports on Human Rights Practices: Iraq. state.gov — تقرير حقوق الإنسان العراق 2024

[16] Relief Web — Update on Internal Displacement in Iraq (December 2025). reliefweb.int — النزوح الداخلي في العراق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي