عزلة الإمارات
لم تُفرض العزلة السياسية والأخلاقية على الإمارات من الخارج، ولم تكن صدفةً عابرة، بل هي نتاج هندسةٍ متعمدة وقراراتٍ كارثية تراكمت طيلة خمسة عشر عاماً. لقد اختارت أبوظبي طواعيةً الانسلاخ عن جلدها العربي والإسلامي، مفضلةً الارتماء في أحضان واشنطن وتل أبيب لتنال إشادة نخبهم، حتى وإن كان الثمن هو طعن أمتها في الظهر. واليوم، تقف هذه الدويلة ككيانٍ منبوذ وغريب الأطوار، تتسع بينه وبين الشعوب الحرة هوةٌ سحيقة من الاحتقار والرفض.
حتى أقرب جيرانها وحلفائها التاريخيين لم يسلموا من سياساتها التخريبية. الرياض، الجارة الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام جارٍ يتقن اللعب المزدوج والمكائد:
- في اليمن: تحولت الإمارات من شريكٍ مزعوم في التحالف إلى قوة احتلالٍ تمزق نسيج البلاد وتدعم الانفصال لتحقيق أطماعها الاستعمارية.[1]
- في السودان: تواصل لعب دورٍ دموي عبر تغذية الحرب الأهلية ودعم الميليشيات بدماء الأبرياء.[2]
- في الدبلوماسية والاقتصاد: لم يكن تلويحها المتكرر بتمزيق توافقات "أوبك"، ومصالحتها الشكلية والمنافقة مع الدوحة، سوى شواهد إضافية على سياسة الغدر التي تنتهجها، لتثبت أنها لا تحفظ عهداً ولا تحترم جواراً.[3]
لعل الجريمة الأكبر في السجل الإماراتي تتجلى في سقوطها المريع تجاه قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين. ففي الوقت الذي تُباد فيه غزة وتنتفض فيه العواصم من جاكرتا إلى القاهرة، واصلت أبوظبي رقصتها المشينة على جراح الفلسطينيين، معززةً تحالفها الأمني والاقتصادي مع الكيان الصهيوني.[4] لقد رسخت هذه السياسة صورة الإمارات في الوجدان العربي والإسلامي كـ عرّابٍ للتطبيع المجاني ووكيلٍ صريح للاحتلال، لا شريكاً في مصير الأمة.
يختبئ أبواق أبوظبي خلف مصطلحاتٍ رنانة كـ"البراغماتية الصارمة" لتبرير هذا السقوط، محاولين تسويق فكرة أن العروبة مجرد عواطف لا تبني اقتصادات. لكن هذا الهراء يتجاهل حقيقةً ساطعة: الانتهازية قد تجلب عقوداً تجارية، لكنها لا تمنح شرعيةً ولا تصنع مجداً.
لقد أنفقت الإمارات منذ عام 2011 مليارات الدولارات لشراء نفوذٍ إقليمي وهمي، مستخدمةً المال والتكنولوجيا لتدمير استقرار الدول المجاورة. والنتيجة؟ استنزفت رصيدها بالكامل، وبات محيطها ينظر إليها لا كدولة شقيقة، بل كـ أداة وظيفية تخريبية تعمل لصالح أعداء الأمة.
مهما تكدست ثروات هذه الجزيرة السياسية، ومهما تفاخرت بعمرانها الزجاجي وصفقات تسلحها، فإنها تظل محاصرةً بلعنة التاريخ وكراهية الشعوب من كل الجهات.
والسؤال العميق الذي يجب أن يطرحه حكام أبوظبي على أنفسهم اليوم، بعيداً عن صخب الأرقام وأوهام العظمة: ما قيمة هذه الأبراج الشاهقة والمليارات المكدسة، حينما تسقط الدولة في وحل العمالة، ولا تجد في محيطها من يكترث لعزلتها أو يذرف دمعةً واحدة على نهايتها؟
الهوامش والمصادر:
[1] اليمن: اعتمدت الإمارات استراتيجية دعم انفصال الجنوب اليمني من خلال التشكيلات العسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي. للمزيد راجع: تقرير العربي الجديد، وصحيفة القدس العربي.
[2] السودان: تقارير موثقة حول الدعم المالي والعسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع (حميدتي). راجع: مقال السفير العربي.
[3] أوبك والدبلوماسية: الخلافات العلنية وتلويح الإمارات بالخروج عن توافقات خفض الإنتاج. راجع: تقرير قناة الحرة ووكالة رويترز.
[4] التطبيع وفلسطين: توقيع "اتفاقيات أبراهام" عام 2020، واستمرار الشراكة الأمنية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني متجاهلة الإجماع الشعبي العربي.
تعليقات
إرسال تعليق