الفساد في العراق
رسالة من مسافر أمريكي إلى صديق عراقي
نص ساخر على طريقة مارك توين
صديقي العزيز،
يسعدني أنك أخيراً وجدت وقتاً لتكتب إليّ. كان بإمكانك أن ترسل رسالتك قبل أن ينقطع الكهرباء، لكنّي أقدّر صدقك ـ فالرجل الصادق، كما يقولون، يُولد عارياً ويبقى كذلك، وما أحوج العراق إلى رجال عراة لا يملكون شيئاً يخجلون منه.
تقول إنّ ترامب حلَب السعوديين وأخذ أموالهم. حسناً، لا أستطيع أن أدافع عن ترامب كثيراً ـ الرجل بيعشق الكلام أكثر من الحقيقة، وقد أعطى بذلك صحفيين أمريكيين عملاً دائماً. لكنّي سأخبرك بما رأته عيناي، فإن كانتا كاذبتين، فلا تلُم إلا صانعهما.
1
حين زار ترامب الرياض سنة 2017، أعلن عن صفقة سلاح بمئة وعشرة مليارات دولار، وصفّق الجميع، وتفاخر الجميع، ثم اكتشفنا لاحقاً أنّ ما حصل فعلياً لا يتجاوز خمسة وعشرين ملياراً، والباقي مجرّد "نوايا حسنة" و"رسائل اهتمام" [web:30][web:32]. والحقّ يُقال: لو كان ترامب يسرق من السعوديين كما يزعم البعض، لكان على الأقل أميناً بما يكفي ليُحدّد السعر. لكنّ ذلك شأنٌ آخر.
2
أمّا ما يهمّني حقّاً هو ما سمعته عن بلدك أنت.
يُقال إنّ الفساد في العراق ابتلع ما يقارب ستمئة مليار دولار منذ 2003 [web:7]. وقال تقرير آخر إنّ التقديرات قد تصل إلى تريليون وأربعمئة وتسعة وخمسين مليار دولار [web:26]. وأنا لا أطلب منك أن تصدّقني ـ أطلب منك أن تنظُر من نافذتك. لكن من فضلك، لا تُشغِل النافذة كهرباءً، فالكهرباء نفسها بُنيت بمال اختفى.
3
قيل إنّ مليشيات تابعة لإيران أقامت ما أسمته "مكاتب تجارية" في الموصل والمحافظات الأخرى ـ مكاتب لا تبيع إلا الخوف، ولا تشتري إلا الولاء، وكل من يمرّ ببابها يدفع ضريبة الاختفاء [web:11]. واحد من المال... واثنان من المال... والشعب؟ يَصطفّ في طابور الخبز والوقود.
4
وقالت تقارير أخرى إنّ إيران استخدمت شبكاتها في العراق لتوليد المال والضغط السياسي، حتى بدا الأمر كأنّ الدولة هناك صارت ظلّاً لمؤسسات أخرى [web:8]. وهذا نوع من الإدارة ينجح دائماً، لأنه عندما تفسد الدولة بما يكفي، يصبح الفاسدون أبطالاً، ويصبح السارقون حماةً للوطن، ويصبح الجوع مجرد "سوء فهم اقتصادي".
5
وعجبتُ لقومٍ يغضبون من رقمٍ مضخّم في صفقة سلاح، ثم يمرّون على رقمٍ أكبر منه في نهب بلدهم كما يمرّ القارئ على الفاصل بين إعلانين. إنّ الذي يشتكي من بعوضة على أنف جاره بينما تمتص دمه ديدانٌ في بطنه، ليس رجلاً غاضباً ـ بل رجلٌ يحتاج إلى مرآة.
العراق ليس فقيراً بالمال، بل فقيرٌ بما هو أثمن: فقيرٌ في الأمانة، فقيرٌ في المحاسبة، فقيرٌ في رجال الدولة الذين لا يبيعون البلد مقابل مقعد، ولا يبرّرون السرقة بخطبة، ولا يغطّون الخراب براية مذهبية أو وطنية أو كلاهما معاً.
أمّا إيران، فهي الأذكى منّا جميعاً. لم تُرسل جيشاً واحداً ـ أرسلت "مستشارين" و"مكاتب تجارية" و"قوافل دينية". وكل مستشار يصير وزيراً، وكل وزير يصير لصّاً، وكل لصّ يصير بطلاً في خطبة الجمعة. وكل هذا يحدث باسم "المقاومة"!
وأنت تسأل السعوديين عن ترامب، وأنا أسألك: كم من العراقيين سُرقت أعمارهم قبل أموالهم؟ كم مدرسة صارت أطلالاً؟ كم مستشفى صار غرفة انتظار للموت؟ كم مشروعاً وُلد في خطاب، ثم دُفن في تقرير، ثم بُعث في عقد جديد؟ هذا هو الحلب الحقيقي يا صديقي: أن تُحلب الدولة من داخلها، لا أن تُخدش في الخارج.
ولو أردتَ الحقيقة عاريةً بلا زينة، فها هي: ترامب مقامرٌ صاخب، لكنه ليس الاسم الوحيد في مسرح النهب. هناك دائماً ممثلون محليون يصفقون، ويكتبون الفواتير، ثم يرمونها على الشعب ويقولون: "هذه الضرائب". وما الضرائب إلا اسم مهذب للسرقة عندما تكون السرقة رسمية.
6
سأقولها كما يقولها رجل من نسل طويل من المشاهدة والصبر: لا ترفع إصبعك إلى الخارج كلما أردت أن تُخفي اليد التي في الداخل. فالبلد الذي يفسده الغريب لا يطول فساده إلا إذا وجد في الداخل من يفتح له الباب، ويقدّم له الشاي، ثم يشرح للناس أنّه ضيف شرف.
ولو كان مارك توين بيننا اليوم، لضحك ضحكة قصيرة ثم قال إنّ البشر لا يكرهون الحقيقة، بل يكرهون الثمن الذي تدفعه عندما تقولها. وأنا هنا دفعت الثمن مقدماً، لذلك أرجو أن تقرأ الرسالة ببطء، لأن العراق لا يُفهم على عجل، ولا يُشفى بالصراخ، ولا يُنقذ بتبادل الاتهامات من فوق أنقاضه.
إن كنت تريد أن تتهم ترامب، فافعل. وإن كنت تريد أن تتهم إيران، فافعل. وإن كنت تريد أن تتهم واشنطن والرياض وطهران معاً، فافعل. لكن لا تنسَ أن تضع في وسط القائمة رجالاً من بلدك جعلوا الفساد مهنةً، والوطن لافتةً، والشعب فاتورةً لا تنتهي.
مع خالص الودّ،
مسافرٌ أمريكي رأى أكثر ممّا ينبغي
مسافرٌ أمريكي رأى أكثر ممّا ينبغي
الهوامش
1
الإشارة إلى أسلوب ترامب الخطابي هنا جزء من البناء الساخر، لا حكم قانوني أو سياسي.
2
تفيد تقارير أن جزءاً كبيراً من صفقة الرياض كان التزامات أو موافقات مبدئية، لا عقوداً مكتملة [web:30][web:32].
3
وردت تقديرات متعددة لحجم الفساد والنهب في العراق منذ 2003، منها 600 مليار دولار وتقدير أعلى قارب 1.459 تريليون دولار [web:7][web:26].
4
أشارت تقارير إلى قيام جماعات مرتبطة بإيران بإنشاء قنوات مالية وتجارية للنفوذ والجباية داخل العراق [web:11].
5
تناولت تقارير أخرى توظيف إيران لشبكاتها داخل العراق لتوليد المال وتعزيز النفوذ السياسي [web:8].
6
هذا توصيف أدبي ساخر للفساد، لا اقتباس حرفي.
المراجع
3. AP Fact Check on Saudi arms deal [web:32]
تعليقات
إرسال تعليق