المقاومة المزيفة تنهار

المقاومة المزيفة تنهار
إيران ومقاولو "المقاومة": كيف تحولت المتاجرة بفلسطين إلى حبل مشنقة؟
لعقود طويلة، ارتدت إيران "الكوفية" الفلسطينية لتخفي تحتها أنياب مشروعها التوسعي الطائفي، محولةً دماء الفلسطينيين ومعاناتهم إلى مجرد مساحيق تجميل سياسية رخيصة. كان الهدف الأوحد لطهران هو تبييض وجه نظام معزول دولياً، وترويج أيديولوجيا لا تعيش إلا في مستنقعات الخراب. فلم تكن طهران يوماً معنية بتحرير شبر من فلسطين، بل بتأسيس "شركة مقاولات إقليمية" أطلقت عليها زوراً وبهتاناً اسم "محور المقاومة". هذه الشركة، التي ضمت فروعاً من الميليشيات في لبنان والعراق واليمن، لم تكن سوى أوراق ضغط رخيصة تُرمى على طاولات التفاوض مع واشنطن، وتُشهر كخناجر في ظهور الدول العربية. لقد كانت القضية الفلسطينية مجرد "سجل تجاري" يمنح هذه العصابات المارقة شرعية وهمية للبقاء والتمدد، لكسر عزلة نظام الملالي وابتزاز المجتمع الدولي.
لكن، وكما هو حال كل مساحيق التجميل الرخيصة، ذابت الأقنعة مع أول هطول حقيقي لأمطار الواقع. فقد كانت البداية الفعلية لنهاية هذه المسرحية الهزلية في كانون الأول/ديسمبر 2024[1]، عندما سقط نظام بشار الأسد، ومعه انقطع "الحبل السري" اللوجستي الذي كان يغذي ميليشيات حزب الله وباقي المرتزقة. فجأة، وجد الحزب نفسه يتيماً ومقطوعاً من شجرة الإمدادات، بعد أن استنزف موارده ورجاله لسنوات في قتل السوريين حمايةً لعرش الأسد. ورغم هذه الكارثة الاستراتيجية التي بترت أذرع الأخطبوط الإيراني، خرج علينا الحرس الثوري بتصريحات كوميدية ومكابرة مثيرة للشفقة يدّعي فيها أن إيران "لم تضعف"[2]، متجاهلاً الإفلاس الاقتصادي واللوجستي الذي جعل طهران عاجزة حتى عن ترقيع ثياب ميليشياتها الممزقة.
وإذا كان سقوط دمشق هو بداية الانهيار، فإن "حرب الاثني عشر يوماً" بين إيران وإسرائيل في حزيران/يونيو 2025 جاءت بمثابة إعلان رسمي عن "وفاة" المحور المزعوم. لم تكتفِ هذه الحرب بكشف هشاشة وضعف القدرات العسكرية الإيرانية التي صدعوا بها رؤوسنا في خطاباتهم الحنجورية، بل فضحت أيضاً حجم الاختراق الاستخباراتي المرعب داخل طهران نفسها، وتآكل النظام الذي نخر فيه الفساد. وهو ما وثقته تقارير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في أيلول/سبتمبر من نفس العام[3]، حين أكدت أن عام 2025 سجّل حرفياً عملية "تفكيك" و"فرم" لشبكة وكلاء إيران، ليفقد النظام الإيراني دروعه البشرية والعسكرية التي كان يختبئ خلفها كالجبناء.
هكذا، طوال 45 عاماً، صدعت إيران وميليشياتها رؤوسنا بشعارات "الموت لإسرائيل" و"طريق القدس"، ولكن عندما حلت ساعة الحقيقة مع حرب غزة، اكتشف الجميع أن هذه السردية لم تكن سوى خدعة بصرية وفضيحة خذلان مدوية. فقد عجزت إيران عن حماية أقرب حلفائها، ولم تقدم لفلسطين سوى الخطابات الرنانة والمفرقعات الإعلامية. وما "درة تاج" المحور، حزب الله في لبنان، إلا أوضح دليل؛ إذ أصبح اليوم مقيداً عسكرياً ومقزماً سياسياً[4]، يراقب بخوف تمدد سلطة الدولة اللبنانية على حساب دويلته المتهالكة، بينما تتبخر الميزانيات الإيرانية التي كانت تمول غطرسته. لقد تحول المحور من ادعاء "خوض حرب وجودية" إلى ممارسة "انتحار استراتيجي" غبي، أثبت أن النفاق لا يبني إمبراطوريات، بل يحفر قبوراً لأصحابه.
وتبقى المفارقة الأكثر إثارة للسخرية في هذا المشهد العبثي هي أكذوبة "وحدة الساحات"[5]. لقد ظنت إيران أن هذا الشعار الرنان سيشكل درعاً استراتيجياً يردع خصومها، لكنه تحول إلى اختبار قاسٍ فضح تفكك هذا المحور وهشاشته؛ فالساحات لم تتوحد إلا في تلقي الهزائم والانكشاف أمام العالم. إن الدرس الأقسى الذي تتجرعه طهران وذيولها اليوم هو أن النفاق السياسي القائم على التسلق على جراح الشعوب واستغلال معاناتهم، سرعان ما ينهار ويتعفن عندما تصطدم الأكاذيب بصلابة الواقع الميداني. لقد لفظت القضية الفلسطينية هؤلاء المرتزقة، وانقلب سحر الشعارات على الساحر، لتخرج إيران من هذه المغامرة عارية، معزولة، ومجردة من كل أذرعها... وبلا أي مساحيق تجميل.
الهوامش والمراجع
[1] بعد سقوط الأسد... إيران تخسر حلقة رئيسة في «محور المقاومة» — الشرق الأوسط: aawsat.com
[2] تداعيات زلزال سقوط الأسد على إيران داخلياً وخارجياً — DW عربي: dw.com/ar
[3] "تفكك محور إيران".. دراسة إسرائيلية تكشف انهيار ركائز "المقاومة" — معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أيلول 2025، عبر الجدة: aljadah.media
[4] 'محور المقاومة' في 2025: بداية النهاية — النهار: annahar.com
[5] محور المقاومة.. رحلة التشكل واختبار البقاء ("وحدة الساحات") — الجزيرة، برنامج محاولة فهم: youtube.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي