هل إيران تساعد العراق؟!
العراق: السوق الذي لا يعرف أنه مُباع
أو: كيف تكسب إيران من "التضحية" بكل الطرق الممكنة
بقلم: المتفائل
في كل مرة يُكرّر فيها مدلَّل البيت السحيق خطابه الدامع عن "التضحية الإيرانية" و"المساعدة النبيلة"، يُنسى سؤال واحد بسيط لا يطرحه أحد في الغرفة: كم تدفع يا عراق مقابل هذه "المساعدة"؟
والإجابة — حين تعثر عليها في السجلات الاقتصادية بدلاً من خطابات المنابر — تستحق أن تُقرأ بهدوء وبالغ التأني.
أولاً: فاتورة "الأخوّة" — مليارات بالتمام والكمال
العراق يدفع لإيران ما بين مليار ومليار ونصف دولار شهرياً ثمناً للغاز والكهرباء الإيرانية التي تُشغّل ما يقارب ثلث طاقته الكهربائية. وقد صرّح السفير الإيراني في بغداد محمد كاظم الصادق علناً بأن العراق يدين لطهران بـ11 مليار دولار متراكمة من واردات الغاز والكهرباء،[1] وهو رقم تؤكده وكالة رويترز في تقريرها عن اتفاقية دفع عراقية بقيمة 2.76 مليار دولار أبرمتها بغداد عام 2023 بعد الحصول على إعفاء من العقوبات الأمريكية.[2] وفي عام 2022 وحده، دفع العراق مليار وستمئة مليون دولار دفعة واحدة "بعد أشهر من المفاوضات" وفقاً لوكالة الأناضول.[3]
بمعنى أوضح: إيران تبيع العراق الكهرباء، والعراق يدفع ثمنها، ثم يُقال للعراقي إن إيران "تضحّي" من أجله. وهذا النوع من "التضحية" التجارية هو بالضبط ما يجعل المتفائل يُفكّر في تغيير مهنته إلى رجل أعمال إيراني.
والأمر لا يقف عند الطاقة: السوق العراقية مفتوحة أمام البضائع الإيرانية بلا جمارك تُذكر، في حين تفرض إيران قيوداً صارمة على البضائع العراقية المتجهة نحوها. وتُقدّر الغرفة التجارية العراقية-الإيرانية التبادل السنوي بما يزيد على 12 مليار دولار — معظمها يسير في اتجاه واحد فقط.[4]
ثانياً: الجيش الذي سقط قبل أن يُقاتَل
حين سقطت الموصل في يونيو 2014 أمام داعش في غضون أيام، تساءل العالم كله: كيف يهرب جيش يُفترض أن يضمّ أكثر من 900,000 جندي من عصابة مسلحة؟ وفقاً لويكيبيديا في صفحتها التفصيلية حول سقوط الموصل، فإن الجيش العراقي كان يضمّ نظرياً 60,000 جندي في الموصل وحدها في مقابل 1,500 مقاتل فقط من داعش.[5]
الإجابة التي توثّقها ويكيبيديا في صفحتها المخصصة لظاهرة "الجنود الأشباح" لا صلة لها بالشجاعة ولا بالجبن — بل بشيء أكثر إيرانية: الجيش الوهمي. كانت قوائم الجند تضمّ آلاف "الجنود الأشباح" — موظفون وهميون يُقبضون رواتبهم لمصلحة ضباطهم الفاسدين — في ظل حكومة المالكي التي جعلت الولاء الطائفي لا الكفاءة معياراً للتعيين العسكري، وقد وصفت الجزيرة الإنجليزية ذلك بأن "ربع جيش العراق انهار في يوم واحد".[6]
هكذا: إيران خلّفت جيشاً مجوّفاً من الداخل، فسقط أمام داعش، ثم جاءت إيران "منقذةً" لتملأ الفراغ الذي صنعته — وكسبت في الصفقة ورقة نفوذ إضافية لا تُقدَّر بثمن.
ثالثاً: جرائم ما بعد "التحرير" — الضحية الثانية
حين طُرد داعش من المدن العراقية، لم يعد كثير من السكان السنّة إلى بيوتهم. ليس لأنهم لم يريدوا — بل لأن بيوتهم لم تعد موجودة، أو لأن ميليشيا مسلحة كانت تقف على الباب. منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وثّقت في تقارير متعددة ما أسمته "انتقاماً ممنهجاً" نفّذته قوات الحشد الشعبي في مناطق مثل تكريت والفلوجة والحويجة — من إحراق بيوت وتدمير ممتلكات واختطاف وتعذيب وإعدام ميداني طال مدنيين لا صلة لهم بالقتال.[7]
بمعنى آخر: داعش دمّر المنطقة، و"المحرّرون" أكملوا ما بدأه. وحين تُطالب بمحاسبة الجناة، يصرخ مدلَّل البيت: "هذا تدخّل في الشأن الداخلي!" — وهو تعريف ذكي للمناعة من المساءلة.
رابعاً: شبكة الأدوية — السلاح الصامت
ثمة وجه آخر لـ"النفوذ الإيراني" في العراق لا يُذكر في خطابات المنابر: انتشار الأدوية المخدِّرة والمهدِّئات المهرَّبة عبر شبكات تربطها تقارير استخباراتية وأمنية عراقية بأطراف موالية لإيران. وقد وثّقت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) كيف تحوّلت شبكات مالية مرتبطة بالحشد الشعبي إلى ممرات لتبييض الأموال وتهريب البضائع المحظورة، في ظل تراخٍ أمني لافت في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات.[8]
المجتمع الذي يُدمَّر من الداخل بالطائفية والفقر والإدمان لا يحتاج إلى دبابات لإخضاعه. يكفيه سقف منخفض وصمت طويل.
خامساً: الفيتو غير المُعلَن — أو من يحكم بغداد فعلاً
الدستور العراقي يقول إن العراق جمهورية برلمانية ذات سيادة. والواقع — وفقاً لتحقيق رويترز الاستقصائي الموثّق حول "كيف تعمل القيادة العسكرية الإيرانية في العراق" — أن لجنة سرية كانت تُنسّق التحالف بين الميليشيات الشيعية والحكومة العراقية وطهران، وأن سليماني كان حاضراً بفاعلية في أدق تفاصيل السياسة العراقية.[9] وقد كشف موقع RFE/RL أن سليماني لعب دوراً مباشراً في إقناع القيادة الكردية بالانسحاب من كركوك عام 2017، في اتصال مباشر مع زعماء حزب الاتحاد الوطني الكردستاني قبل ساعات من تقدم القوات العراقية.[10]
حين يتحدث مدلَّل البيت عن "السيادة العراقية"، تذكّر هذا التقرير. السيادة موجودة — لكنها في طهران. وفي عام 2026 نفسه، كشفت رويترز أن إيران أمضت سنوات في بناء شبكة وكلاء في العراق وأن كثيراً من هؤلاء باتوا غير متحمسين للانجرار إلى مغامرات طهران الإقليمية — وهو اعتراف ضمني بأن شبكة النفوذ هذه كانت مُصمَّمة لخدمة إيران لا العراق.[11]
سادساً: خلاصة ما غُفل عنه
إذا جمعنا ما سبق، تتشكّل أمامنا صورة متكاملة:
- اقتصادياً: العراق يموّل إيران بمليارات شهرية مقابل كهرباء وغاز — وقد تجاوز الدين المتراكم 11 مليار دولار.[1]
- عسكرياً: الجيش العراقي جُوِّف طائفياً بظاهرة "الجنود الأشباح" قبل أن يسقط أمام داعش.[5]
- إنسانياً: جرائم الميليشيات بعد "التحرير" طالت المدنيين الذين يُفترض أنهم حُرِّروا، وفقاً لمنظمة العفو الدولية.[7]
- اجتماعياً: شبكات الفساد والتهريب المرتبطة بالميليشيات تنخر مجتمعاً أُنهك بالحروب والطائفية.[8]
- سياسياً: القرار العراقي الأعلى يُصنع في طهران لا في بغداد، وفقاً لتحقيق رويترز.[9]
والخيط الجامع بين هذا كله شيء واحد: نموذج الهيمنة الكاملة — حين تمتلك الدولة الوكيلة جيشها وسياستها واقتصادها ومجتمعها، ثم تقنعها أن هذا كله "مساعدة".
خاتمة: السقف المنخفض
لقد بنت إيران سقفاً منخفضاً فوق رأس العراق: سقفاً من الميليشيات والأحزاب والمراجع والقنصليات الموازية — سقفاً يمنعك من رؤية السماء العربية الواسعة فوقك. ثم وقفت خلفك تهمس في أذنك: "انظر، لا أحد هناك فوق. لا يوجد سواي."
وكما قال المتفائل: "أذكى أنواع السجون تلك التي لا أسوار لها — حيث يظن السجين أنه حرّ لأنه يرى السماء، وهو لا يعلم أن من يُقرّر متى تُفتح له النافذة هو ذاته من يملك المفتاح."
الهوامش والمراجع
[1] Iran International — السفير الإيراني يُعلن أن العراق مدين لطهران بـ11 مليار دولار على واردات الغاز والكهرباء (مارس 2023).
https://www.iranintl.com/en/202304018462
[2] رويترز — العراق يوافق على دفع 2.76 مليار دولار ديون غاز وكهرباء لإيران بعد الحصول على إعفاء أمريكي من العقوبات (يونيو 2023).
https://www.reuters.com/world/middle-east/iraq-pay-276-bln-gas-electricity-debt-iran-2023-06-10/
[3] وكالة الأناضول — إيران تستلم 1.6 مليار دولار ديون غاز من العراق بعد أشهر من المفاوضات (يونيو 2022).
https://www.aa.com.tr/en/middle-east/iran-receives-16b-in-gas-debt-from-iraq-after-negotiations/2614919
[4] مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) — العراق يدفع لإيران بالنفط مقابل مليارات الديون: تحليل التبادل التجاري غير المتكافئ بين البلدين (يوليو 2023).
https://www.fdd.org/analysis/2023/07/14/iraq-to-pay-iran-with-oil-for-billions-of-dollars-in-debt/
[5] ويكيبيديا — سقوط الموصل: توثيق كامل لانهيار الجيش العراقي أمام 1,500 مقاتل من داعش في مقابل 60,000 جندي نظامي (يونيو 2014).
https://en.wikipedia.org/wiki/Fall_of_Mosul
[6] الجزيرة الإنجليزية — إعادة بناء القوات "الأشباح" في العراق: تحليل يكشف انهيار 19 لواءً عراقياً في يوم واحد وظاهرة الجنود الوهميين في عهد المالكي (ديسمبر 2014).
https://www.aljazeera.com/opinions/2014/12/10/bringing-iraqs-ghost-forces-back-to-life
[7] ويكيبيديا — الجنود الأشباح: توثيق شامل لظاهرة الفساد العسكري في عهد المالكي وتأثيرها المباشر على انهيار المنظومة الدفاعية أمام داعش.
https://en.wikipedia.org/wiki/Ghost_soldiers
[8] مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) — تقرير منظمة بدر: الوكيل الإيراني الأقدم في العراق وشبكات النفوذ المالي والتهريب المرتبطة بالميليشيات.
https://www.hudson.org/international-organizations/badr-organization-irans-oldest-proxy-iraq
[9] رويترز — تحقيق خاص: كيف تعمل القيادة العسكرية الإيرانية في العراق — اللجنة السرية التي تُنسّق بين الميليشيات والحكومة وطهران.
http://www.reuters.com/investigates/special-report/mideast-crisis-committee/
[10] راديو أوروبا الحرة (RFE/RL) — الجنرال الإيراني سليماني يلعب دوراً محورياً في السيطرة على كركوك: توثيق تدخّله المباشر في القرار الكردي بالانسحاب (أكتوبر 2017).
https://www.rferl.org/a/iranian-general-irgc-commander-soleimani-reportedly-played-key-role-swift-takeover-iraqs-kirkuk-kurdish-/28792672.html
[11] رويترز — إيران أمضت سنوات في بناء شبكة وكلاء في العراق، وكثيرون منهم باتوا غير متحمسين للانجرار إلى مغامراتها الإقليمية (مارس 2026).
https://www.reuters.com/investigations/iran-spent-years-fostering-proxies-iraq-now-many-arent-eager-join-war-2026-03-06/
تعليقات
إرسال تعليق