هل مصر تحمي الخليج؟!
الزعيم الذي يُصدِّر عمّاله... ويستورد كرامته
أو: كيف تكون قائداً تاريخياً ومحتاجاً في آنٍ واحد
في علم الأحياء ثمّة ظاهرةٌ تُسمّى "الاحتقان الوريدي": يتجمّع الدم في مكانٍ لا يستطيع المضيَّ، فيُسبّب ضغطاً وألماً وتورّماً يُشبه القوة بينما هو في جوهره عجزٌ عن الحركة. قرأتُ هذا الوصف وفكّرتُ: هذا بالضبط ما يحدث حين يصرخ المصري في التريند بينما راتبُ أخيه يأتيه من الرياض.
لكنّي لن أتوقف عند ما قيل سابقاً. ثمّة زوايا لم يرها التريند، ولم يسمعها أحدٌ لأن الضجيج العاطفي يُصمّ الأذنين قبل أن يُفرغ العقل.
الزعيم الذي يُصدِّر عمّاله
في الاقتصاد الدولي، الدول القوية تستورد العمالة. الدول الضعيفة تُصدّرها.
مصر، تلك القوة الإقليمية التاريخية التي ستحمي الخليج وتُديره بعد زوال أمريكا، تُصدّر من عقولها وأيديها وكفاءاتها ما يُعادل عشرات الجامعات سنوياً إلى دول الخليج. المهندس المصري يبني مطار دبي. الطبيب المصري يعالج في الرياض. المعلم المصري يُدرّس في أبوظبي. والمقابل؟ أن يُرسل لأهله في مصر مبالغَ تُمسك الاقتصادَ من السقوط.
الأمة التي تُصدّر كفاءاتها وتستورد دولاراتها لا تُسمّى "قائدة"، تُسمّى في لغة الاقتصاد "دولة مُرسِلة للعمالة". وهذا ليس شتيمة، بل وصفٌ تقني بارد مثل الطبيب حين يقول: ضغطك مرتفع. الحقيقة لا تغضب، لكنها لا تُجامل أيضاً.
قصة اليمن: الحامي الذي يأتمر بأوامر المحمي
حين تقول مصر "نحن من يحمي الخليج"، تحضرني حربُ اليمن.
عام 2015، انضمّ الجيش المصري إلى التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. وشاركت السفن الحربية المصرية في دعم العمليات. الصورة الرسمية قالت: "مصر تُساند إخوتها."
لكن الصورة الاقتصادية قالت شيئاً مختلفاً: التحالف كان بقيادةٍ خليجية، وتمويلٍ خليجي، ومصر كانت عنصراً مُشاركاً لا قائداً. والأهم من ذلك، أن السعودية ودول الخليج في تلك الفترة ضخّت مليارات الدولارات في الاقتصاد المصري كدعمٍ مباشر وودائع في البنك المركزي. أي أن "الحامي" في الحرب كان يتلقى رواتبه من "المحمي" في السلم.
وهذا ليس عيباً بالضرورة. لكنه يجعل استخدام لفظة "حامٍ" بمعناها التاريخي الكامل ضرباً من الكرم المفرط في توصيف الأدوار.
"بنينا الأهرام!" — الدرع الأخير
حين يُضيق المرء تحليلَ الحاضر، يلجأ إلى اتساع الماضي. وقد أتقن المتحمّسون للتريند هذه اللعبة ببراعةٍ تستحق الدراسة الأكاديمية.
"نحن بنينا الحضارة!" — يقال هذا عادةً في سياقٍ يُراد به تبرير موقفٍ لا يستقيم بمعطيات 2026. وهو احتجاجٌ عاطفي يُشبه تماماً أن تخسر مباراة كرة قدم اليوم ثم تُشير إلى كأسٍ رفعتَه قبل أربعة آلاف سنة.
الأهرام عظيمةٌ لا جدال. لكن أسعار القمح تحدّدها أسواقٌ تجهل الأهرام تماماً. وصندوق النقد الدولي حين يُقرض مصر لا يُخصم من المبلغ شيئاً مقابل أبي الهول. الفخرُ الحضاري وقودٌ للروح لا للاقتصاد. وهما وقودان مختلفان لمحركين مختلفين.
الخيانة الصامتة للطبقة الوسطى
ثمّة فصيلٌ في هذه القصة لم يُذكَر بعد: الأسرة المصرية التي يعمل ابنها أو أبوها أو أخوها في الخليج.
هذه الأسرة تعيش على تحويلاتٍ شهرية تُدفع من دولٍ يُشمَت بها في التريند. وهي ذات الأسرة التي تُطفئ الهاتف بعد نشر التريند وتنتظر الحوالة المقبلة بقلقٍ حقيقي. وحين تُسألها بصدق: "هل تريد أن تنتهي هذه العلاقة؟" تنظر إليك نظرةَ من يُسأل سؤالاً يعرف إجابته لكنه لا يُريد نطقَها.
الفجوة بين التريند العاطفي والحاجة الاقتصادية اليومية هي الفجوة الحقيقية في هذه القصة. الشباب يُغرّدون بشجاعةٍ رقمية، والأمهات يُصلّين بصمتٍ أن لا يتأثر سعر الدولار.
الحكومة التي لا تشارك في التريند
والطرافة الكبرى في المشهد: حكومة مصر لا تُشارك في هذا التريند.
حكومة مصر تُحافظ على علاقاتٍ وثيقة جداً مع دول الخليج، وتتلقى منها استثماراتٍ ودعماً وودائع، وتُنسّق معها سياسياً وأمنياً في الملفات الإقليمية. الحكومة تقرأ الأرقام وتعرف الحقيقة وتتصرف بناءً عليها.
أما التريند فهو إنتاجٌ شعبي طيّب النية يُعبّر عن مشاعر لا عن مصالح. والدولُ تُدار بالمصالح، لا بالمشاعر. فيحدث هذا التناقض العجيب: الحكومة تتصل بالخليج لتشكره في الصباح، والشعب يُطلق التريند عليه في المساء، والجميع ينام بسلام لأن كلاً منهم يعرف دوره في المسرحية.
الخلاصة التي لا يُريدها أحد
الحقيقة التي لا يرويها التريند هي أن لا أحد يشمت في مَن لا يحتاجه. الشماتةُ تحتاج مسافةً، والمسافةُ تحتاج استقلالاً، والاستقلالُ يحتاج اقتصاداً قادراً على الاكتفاء.
حين تستطيع مصر أن تُعيل عمّالها في الداخل بدل تصديرهم، وتُسلّح جيشها بمالها لا بمال واشنطن، وتملأ خزينتها من إنتاجها لا من العبور والتحويلات — آنذاك فقط يكون للتريند معنى. آنذاك يكون الفول والطعمية خياراً حقيقياً لا دفاعاً عاطفياً.
وإلى ذلك الحين، فإن أشهى وجبة تستطيع مصر أكلها ليست فولاً ولا طعمية، بل جرعةٌ واحدة من الواقعية السياسية — وهي، للأسف، الطبق الأصعب على أي مائدة في العالم.
"لا عيبَ في أن تكون أقلّ مما كنت. العيبُ أن تتصرف كأنك أكثر مما أنت."
— المتفائل، في لحظةٍ نادرة من التشاؤم المُبرَّر
تعليقات
إرسال تعليق