هل الدول العربية ساعدت العراق ضد التطرف؟!
مَن ساعد العراق حقاً؟
أو: قصة السقف الذي يمنعك من رؤية السماء
رواية ساخرة في الحسابات والأكاذيب المُبرمجة
بقلم: المتفائل
ثمة مشهد يتكرر بانتظام في خطاب مدلَّل البيت السحيق: رجل يضع يده على قلبه، وتمتلئ عيناه بدموع سينمائية مُعلَّبة، ويقول بصوت مرتجف: "لم يساعدنا أحد. جاءت إيران وحدها حين تخلّى عنّا الجميع. الدول العربية أغلقت أبوابها. السعودية أرسلت لنا السلاح بعد سنتين من الطلب." ثم يصمت صمت المظلوم الذي انتهى للتو من مونولوج مُحفوظ.
المشكلة الوحيدة في هذا المشهد؟ أن السجلات الدولية الموثقة كانت مشغولة بتسجيل شيء مختلف تماماً في الوقت ذاته.
أولاً: سبعون دولة — أم "لا أحد"؟
في سبتمبر 2014، وبعد أسابيع قليلة فقط من سقوط الموصل، تأسّس التحالف الدولي لمحاربة داعش. وقد ضمّ هذا التحالف في ذروته ما يقارب سبعين دولة — وفقاً لأرقام وزارة الخارجية الأمريكية[1] — نفّذت معاً أكثر من 33,000 غارة جوية على مواقع داعش في العراق وسوريا، وقدّمت أكثر من 20 مليار دولار في صورة مساعدات تثبيت وتسليح وإغاثة إنسانية وإزالة ألغام.[1]
أعد قراءة الرقمين: سبعون دولة، وثلاثة وثلاثون ألف غارة. ثم عُد إلى جملة "لم يساعدنا أحد" وتأمّل ما تحتاجه هذه الجملة من جرأة أو نسيان انتقائي حتى تُقال بهذا اليقين.
السعودية والإمارات والبحرين والأردن وقطر شاركوا جميعاً في الضربات الجوية ضد داعش في سوريا والعراق اعتباراً من سبتمبر 2014، وفقاً لتقرير EBSCO حول التحالف الأمريكي ضد داعش.[2] والأردن — الذي يتذكر الجميع مقتل طيّاره معاذ الكساسبة حرقاً على يد التنظيم — شنّ حملة قصف مكثفة بعد إعدامه، وأعلن الملك عبدالله الثاني "حرباً لا هوادة فيها" ضد التنظيم وفقاً لتصريحاته الموثقة.[3] والإمارات أرسلت طائراتها في الضربات الأولى قبل أن تعلّق مشاركتها مؤقتاً للمطالبة بضمانات إنقاذ أفضل لطياريها، ثم عادت مجدداً بعد مقتل الكساسبة.[2]
كما قال المتفائل يوماً: "المشكلة مع الكذبة الكبيرة ليست أنها تُقال، بل أنها تُقال أمام سجلات مفتوحة لا يقرأها أحد."
ثانياً: الضيف الذي أقفل الباب من الداخل
والآن نصل إلى الجوهر: لماذا بدا للعراقيين أن الدول العربية "لم تساعد" رغم أنها كانت تُشارك في أكبر تحالف دولي في تاريخ المنطقة؟
الجواب بسيط ومُوثَّق: لأن ثمة مَن أقفل الباب من الداخل.
مجلة السياسة الشرق أوسطية (MEPC) وثّقت بوضوح أن "إيران ستُقاوم أي تقارب عربي-عراقي على حساب مصالحها"، وأن "طهران استثمرت بكثافة في إيصال إدارة شيعية موالية إلى السلطة في بغداد"، وأنها "ستفعل كل ما في وسعها لتخريب التطبيع بين العراق وجيرانه العرب، لأنه في نظرها لعبة صفرية: كل مكسب للسعودية هو خسارة لطهران."[4]
والدليل الميداني على ذلك أصرخ من أن يُنكَر: ففي يونيو 2019، اقتحم أكثر من مئتي محتج غاضب سفارة البحرين في بغداد احتجاجاً على استضافتها ورشة سلام اقتصادي. وقد أُدينت الواقعة دولياً، وأُشير بأصابع الاتهام إلى ميليشيا كتائب حزب الله الموالية لإيران بوصفها المحرّك خلف الاقتحام، وفقاً لتقرير مؤسسة الخليج للسياسات.[5] وطبعاً سحبت البحرين سفيرها. هكذا: دولة عربية تحاول بناء جسر، فتُكسر السفارة، ثم يقول مدلَّل البيت: "الدول العربية لا تريد مساعدتنا!"
وفي عام 2021، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يُجرّم التطبيع مع إسرائيل — وهو قانون دفع إيران وأذرعها أشد الدفع لإقراره، في خطوة فُسِّرت على نطاق واسع بأنها تستهدف قطع الطريق على أي مسار يُقرّب العراق من دول الخليج المنخرطة في مسار إبراهيم، وفقاً لتحليل The National Interest.[6]
ثالثاً: الحارس الذي يسرق المفتاح
الصورة الكاملة تتضح حين تقرأ ما وثّقته مجلة eismena في تحليلها لتأثير التقارب السعودي-الإيراني على العراق: "منذ سقوط صدام عام 2003، استُخدم العراق ساحةً للمنافسة بين إيران والسعودية. الحرب بالوكالة، واعتماد العراق على إيران، والطائفية، وإقصاء العراق من منظومة الدول العربية — كلها نتائج مباشرة لهذا الصراع."[7]
بعبارة أخرى: العراق لم يُقصَ من الجوار العربي لأن العرب رفضوه — بل لأن إيران صنعت داخل العراق منظومةً سياسية وميليشياوية جعلت كل تواصل عربي مع بغداد عقبةً أمنية قبل أن تكون جسراً دبلوماسياً. وكما يقول المثل: لا يمكنك أن تشكو من أن الضيوف لا يزورونك وأنت من وضع الحفريات أمام باب بيتك.
ويزداد المشهد طرافةً حين يُضاف إليه ما وثّقه مجلس الأطلنطي (ECFR): أن "الدول الخليجية تتبنّى نهجاً متقطعاً تجاه العراق، بينما إيران تتبنّى نهجاً استراتيجياً براغماتياً للتأثير الواسع"[8] — وهو اعتراف ضمني بأن الخليج كان يحاول، لكنه كان يجد أمامه دائماً باباً نصف مفتوح بيد الميليشيات الإيرانية. وقد حذّر خامنئي نفسه صراحةً الحكومة العراقية عام 2017 من "إضعاف قوات الحشد الشعبي"، وفقاً لتقرير رويترز الموثّق[9] — أي أن إيران كانت تأمر العراق صراحةً بالإبقاء على أداة العزل العربي.
رابعاً: قراءة في معادلة التحرير
حين حوصرت الموصل وبدأت معركة تحريرها عام 2016-2017، كان المشهد كالتالي:
- الطيران الأمريكي وطيران التحالف الدولي الذي يضم دولاً عربية نفّذ آلاف الغارات على مواقع داعش داخل المدينة.[1]
- قوات البيشمركة الكردية قاتلت من الشمال والشرق.
- القوات العراقية النظامية قاتلت من محاور متعددة.
- الميليشيات الموالية لإيران دخلت من المحاور الغربية.
وفي نهاية المطاف، أُعلن التحرير. ثم جاء مدلَّل البيت ليقول: "إيران وحدها حررتنا." لكن ضحايا تلك المعركة المدنيين — ما لا يقل عن 40,000 شخص وفقاً لتقديرات دولية — لم يكونوا يهتمون كثيراً بمن سيأخذ الفضل في النهاية. وكما قال المتفائل: "حين يتنافس الجميع على أخذ الفضل، فاسأل دائماً: من يأخذ الغنائم؟"
ولعل الإجابة تجدها في تقرير معهد دراسة الحرب الذي وثّق أن "الميليشيات الإيرانية كانت تُحكم سيطرتها على مناطق بغداد المحيطة بعد التحرير، وتُهجّر السكان السنة وتُعيد رسم الخرائط الديموغرافية لضمان أغلبية شيعية في مناطق مختلطة تاريخياً."[10]
التحرير من داعش — ثمنه أن تبقى في قبضة ميليشيا أخرى. هذه التجارة لها اسم في الاقتصاد السياسي، لكننا سنتركه للقارئ.
خامساً: خلاصة الأرقام التي لا تكذب
بعيداً عن الخطاب العاطفي، دعنا نضع الأرقام جنباً إلى جنب:
- 70 دولة شاركت في التحالف الدولي ضد داعش، من بينها السعودية والإمارات والأردن والبحرين وقطر.[1]
- 33,000 غارة جوية شنّها التحالف على مواقع داعش في العراق وسوريا.[1]
- 20 مليار دولار قدّمها التحالف في صورة مساعدات للعراق وسوريا.[1]
- مليونا عراقي نازح أُعيدوا إلى بيوتهم بفضل برامج التثبيت الممولة من التحالف الدولي.[1]
- لا توجد وثيقة واحدة تُثبت أن دولة خليجية رفضت رسمياً مساعدة العراق في مواجهة داعش — بينما توجد وثائق متعددة تُثبت أن الميليشيات الموالية لإيران حرقت السفارات وكسرت الجسور الدبلوماسية.[5]
أيّ منطق يجمع بين هذه الوقائع وبين رواية "لم يساعدنا أحد سوى إيران"؟ إنه النوع من المنطق الذي يعمل فقط في غياب الجمهور الذي يقرأ.
خاتمة: السقف المنخفض
يقول المتفائل: "المشكلة الحقيقية ليست في مَن لم يساعد — بل في مَن جعل المساعدة مستحيلة ثم اتّكل على ذاكرتك القصيرة لتنسى." لقد بنت إيران سقفاً منخفضاً فوق رأس العراق: سقفاً من الميليشيات والأحزاب والمراجع والقنصليات الموازية — سقفاً يمنعك من رؤية السماء العربية الواسعة فوقك. ثم وقفت خلفك تهمس في أذنك: "انظر، لا أحد هناك فوق. لا يوجد سواي."
والحقيقة؟ السماء كانت ممتلئة بطيران التحالف. لكن يصعب عليك أن تراها حين يُمسك أحدهم برأسك للأسفل.
الهوامش والمراجع
[1] وزارة الخارجية الأمريكية — التحالف الدولي للعمل على هزيمة داعش: أرقام رسمية حول عدد الدول الأعضاء وعدد الغارات الجوية وحجم المساعدات المقدمة.
https://2017-2021.state.gov/the-global-coalition-working-to-defeat-isis-2/
[2] EBSCO Research — التحالف الأمريكي ضد داعش: توثيق مشاركة الدول العربية في الضربات الجوية ضد التنظيم منذ سبتمبر 2014.
https://www.ebsco.com/research-starters/ethnic-and-cultural-studies/us-coalition-against-isis
[3] CBS News — الملك عبدالله الثاني يُشدّد على الحاجة إلى عمل سريع ضد داعش: تصريحات الملك وتعهداته بالحرب المستمرة ضد التنظيم.
https://www.cbsnews.com/video/jordans-king-stresses-swift-action-against-the-isis-threat/
[4] مجلة السياسة الشرق أوسطية (MEPC) — إيران والعراق والتقارب مع مجلس التعاون الخليجي: تحليل يوثق المساعي الإيرانية لعرقلة أي تطبيع عربي-عراقي.
https://mepc.org/journal/iran-and-iraq-gcc-rapprochement
[5] مؤسسة الخليج للسياسات — قوات الحشد الشعبي وصراع الشرعية في العراق: يتضمن توثيق حوادث استهداف الوجود الدبلوماسي العربي في بغداد.
https://gulfif.org/the-pmfs-fight-for-legitimacy-in-iraq/
[6] The National Interest — كيف حوّلت إيران العراق ضد اتفاقيات إبراهيم: تحليل يوثق دور الأحزاب الموالية لإيران في إقرار قانون تجريم التطبيع وعزل العراق عن مسارات التطبيع الخليجي.
https://nationalinterest.org/feature/how-iran-turned-iraq-against-abraham-accords-203040
[7] eismena — المصالحة السعودية الإيرانية وتأثيرها على العراق: تحليل يوثق كيف جعلت إيران من العراق ساحة نفوذ مغلقة على حساب علاقاته مع الجوار العربي.
https://eismena.com/en/article/saudi-iranian-reconciliation-and-its-impact-on-iraq-2023-05-19
[8] المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) — ما يمكن لدول الخليج تعلمه من النهج الإيراني في العراق: تقرير يقارن النهج الاستراتيجي الإيراني المتواصل بالنهج الخليجي المتقطع تجاه بغداد.
https://ecfr.eu/wp-content/uploads/The-gulf-between-them-What-Gulf-countries-can-learn-from-Irans-approach-to-Iraq.pdf
[9] رويترز — خامنئي يُحذّر العراق من إضعاف ميليشيات الحشد الشعبي: تقرير يوثق التصريح الإيراني الرسمي المباشر بالتدخل في الشأن العراقي للحفاظ على الميليشيات أداةً للنفوذ.
https://www.reuters.com/article/world/irans-leader-warns-iraq-not-to-weaken-shiite-militias-idUSKBN19B2WM/
[10] معهد دراسة الحرب (ISW) — داعش والميليشيات الموالية لإيران تتنافس على السيطرة في منطقة بغداد: تقرير يوثق عمليات التهجير الديموغرافي وإعادة رسم الخرائط التي نفّذتها الميليشيات بعد تحرير المناطق من داعش.
https://www.understandingwar.org/backgrounder/isis-and-iranian-backed-militias-compete-control-baghdad-region
تعليقات
إرسال تعليق