أبو رعد العراقي العراقي ٢
جواب لأبو رعد: أو كيف تُفسّر الظلام وأنت تنام في الكهرباء الإيرانية
إعداد: المتفائل
جلس أبو حسين مقابل أبو رعد في المقهى نفسه، وضع كوب الشاي جانباً بهدوء جرّاح، ثم نظر إليه بتلك النظرة التي يُطلقها المعلم حين يكتشف أن التلميذ قضى الفصل كله يرسم طائرات في الكراس. وقال:
"يا أبا رعد، سأتكلم ببطء لأن الكلام عندك يحتاج وقتاً حتى يصل."
أولاً: الانتحاريون السعوديون
نعم، يا أبا رعد، بعض الانتحاريين كانوا من الجنسية السعودية في سنوات الجحيم. لكن السؤال الذي نسيتَ أن تسأله — لأن الأسئلة الصعبة عدوّ القناعات المريحة — هو: من أرسلهم؟
لم ترسلهم الحكومة السعودية في باصات مكيّفة مع وجبة غداء. أرسلتهم تنظيمات متطرفة كالقاعدة وداعش، الذين كانوا يُجنّدون الشباب من كل البلدان.[1] وبالمناسبة، هؤلاء التنظيمات نفسها كانت تُفجّر مساجد الشيعة والسنة معاً، ولم تكن تستشير الرياض قبل كل عملية.
أما اليوم، فالسعودية هي ثاني أكبر مصدر للبضائع إلى العراق، وتجارتهما البينية قفزت 35% في عام 2024 لتبلغ 1.8 مليار دولار،[2] وفتحت معبر عرعر الذي أغلق ثلاثين عاماً.[3] لكن لا بأس، استمر في نظرية الانتحاريين، إنها أكثر إثارة من الإحصاءات.
ثانياً: إيران "المنقذة"
هنا، يا أبا رعد، أتوقف لأشكرك. لأنك ذكّرتني بسؤال مُلحّ: إذا كانت إيران منقذتنا، فلماذا قطعت عنّا الكهرباء مرات عديدة، وكانت تبتزّ الحكومة العراقية بديون تتجاوز ستة مليارات دولار؟[4]
وإذا كانت إيران تُحبّنا، لماذا تدعم ميليشيات تُفجّر محطات الكهرباء نفسها لإجبار الحكومة على الخضوع لأوامر طهران؟[5]
وإذا كان الوجود الإيراني نعمة، لماذا أصبح العراق يملك كهرباء أقل من دول أفريقيا، بعد أن أنفق أكثر من خمسين مليار دولار على قطاع الطاقة منذ 2003؟[6]
الجواب البسيط: الميليشيات المرتبطة بإيران لا تريد عراقاً قوياً، تريد عراقاً محتاجاً — محتاجاً للكهرباء الإيرانية، وللغاز الإيراني، وللقرار الإيراني.[5] دولة جائعة أسهل في القيادة من دولة شبعانة.
ثالثاً: من أوصلنا إلى هنا فعلاً؟
المسؤول الأمريكي مارك سافايا قال صراحةً عام 2026: إن الفساد في العراق هو الوقود الذي تحرق به الميليشيات المدعومة إيرانياً بقايا الدولة.[7] الشركات الغربية تغادر لأن الميليشيات تبتزّها، ومحلّها يأتي من يغضّ الطرف عن الفساد.[5]
الكهرباء تنقطع، والفساد يزدهر، والمليارات تختفي، والبنية التحتية تتآكل. هذا ليس من فعل الرياض التي تبعد عنّا ألف كيلومتر. هذا يحدث داخل بيتنا، على يد من يسكن معنا.
خاتمة أبو حسين
رفع أبو حسين كوب شايه وشرب رشفة أخيرة، ثم قال بهدوء:
"يا أبا رعد، مشكلتك ليست في السعودية ولا في إيران. مشكلتك أنك تبحث عن عدو بعيد كي لا ترى العدو القريب. والعدو القريب أخطر، لأنه يعرف عنوان بيتك."
صمت أبو رعد. وللمرة الأولى في تاريخ المقهى، لم يُسوِّ عقاله.
"إن أخطر الجهل ليس الجهل بما لا تعرفه، بل الجهل بما تظن أنك تعرفه."
— المتفائل
الهوامش والمصادر
[1] معظم الانتحاريين في العراق كانوا من جنسيات أجنبية تُجنّدهم تنظيمات متطرفة مستقلة عن أي حكومة. انظر: NBC News — Most suicide bombers in Iraq are foreigners
[2] التبادل التجاري العراقي السعودي قفز 35% في عام 2024 ليبلغ 1.8 مليار دولار. انظر: Shafaq News — Iraq–Saudi trade jumps 35% in 2024
[3] العلاقات العراقية السعودية وانفتاح معبر عرعر وعودة العراق إلى الحضن العربي. انظر: Shafaq News — Iraq-Saudi engagement weathers tumultuous regional climate
[4] إيران قطعت الكهرباء عن محافظة عراقية عام 2025 مما أثار انقطاعات واسعة. انظر: Iran International — Iran cuts power to Iraqi province, sparking blackouts
[5] العراقيون يُلقّون باللوم على الميليشيات المرتبطة بإيران في تدهور الخدمات العامة. انظر: Al Mashareq — Iraqis blame Iran-aligned militias for erosion of public services
[6] أزمة الكهرباء في العراق انعكاس لحجم الفساد المستشري في مفاصل الدولة. انظر: Middle East Monitor — The electricity crisis in Iraq is a microcosm of the corruption
[7] المبعوث الأمريكي مارك سافايا يؤكد أن الفساد هو الوقود الذي تحرق به الميليشيات نفوذها في العراق. انظر: The New Arab — US envoy Mark Savaya says corruption fuels Iraq militia power
تعليقات
إرسال تعليق