القصة الكاملة لـ "داعش"
القصة الكاملة لـ "داعش": من البذرة إلى الانهيار
تشريح تاريخي لتقاطع الطائفية، وسجون أمريكا، والتدخل الإيراني في صناعة الوحش
هذه قصة متشعّبة تمتد عبر عشرين عاماً وتتقاطع فيها خيوط كثيرة — إليك التشريح الكامل:
الجذور: قبل أن يكون لداعش اسم (1999 – 2003)
القصة لا تبدأ في العراق، بل في الأردن. رجل اسمه أحمد فضيل الخلايلة، المعروف بـأبو مصعب الزرقاوي، خرج من سجون الأردن عام 1999 بعد محكومية بالإرهاب وعاد أكثر تطرفاً وأشد تنظيماً. توجّه إلى أفغانستان حيث أسّس معسكر تدريب خاص به مستقلاً عن بن لادن، لأنه كان أكثر منه تطرفاً في موضوع واحد بالذات: تكفير الشيعة وضرورة إشعال حرب طائفية[1]. كان هاجسه الأكبر ليس أمريكا، بل إشعال الفتنة بين المسلمين أنفسهم.
المرحلة الأولى: بذرة الوحش (2003 – 2006)
حين سقطت بغداد عام 2003، كان الزرقاوي أول من وصل تقريباً. أسّس "جماعة التوحيد والجهاد" في العراق واستغل فراغ السلطة المتشكّل بعد الغزو الأمريكي[2]. لكن عمله تغيّر جوهرياً عام 2004 حين بايع بن لادن وأعاد تسمية المجموعة "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" — وإن ظلّت العلاقة متوترة لأن بن لادن نفسه كان يعترض على مجازر الشيعة التي ينفذها الزرقاوي[1][3].
استراتيجية الزرقاوي كانت شيطانية الذكاء ومبنية على عنصرين:
- ◆ إثارة الحرب الطائفية بضرب المزارات الشيعية وتفجير أسواقهم، مما يدفعهم للانتقام من السنة، مما يدفع السنة للاحتماء بالتنظيم.
- ◆ استهداف البنية التحتية العراقية لإفشال أي مشروع للدولة الجديدة وإثبات أن الأمريكيين عاجزون.
مفصل حاسم: سامراء 2006
في فبراير 2006، فجّر التنظيم مرقد الإمامين العسكريين في سامراء — أحد أقدس المواقع الشيعية في العالم — بعملية دقيقة لم تُسفر عن ضحايا كثر لكنها أشعلت موجة من الانتقام الطائفي بالغة الأثر[4]. كان الزرقاوي يريد حرباً أهلية وكاد يحصل عليها. بعد أربعة أشهر فقط، قُتل في غارة جوية أمريكية في يونيو 2006[5].
الحضّانة الأمريكية: سجن بوكا
هنا أغرب فصول القصة. معسكر بوكا في محافظة البصرة — الذي أنشأته القوات الأمريكية لاحتجاز المعتقلين العراقيين — تحوّل من سجن إلى جامعة للإرهاب[6]:
- ◆ احتُجز فيه في أوقات مختلفة ما يزيد على 100 ألف معتقل عراقي، كثيرون منهم أُودعوا السجن بلا أدلة كافية.
- ◆ وضع الأمريكيون المتطرفين الأيديولوجيين جنباً إلى جنب مع ضباط الجيش البعثي السابقين المُحتقنين بالظلم والإهانة.
- ◆ داخل بوكا، تشكّلت الشبكات وتبادلت الخبرات وتوحّدت الرغبة في الانتقام[6].
- ◆ أبو بكر البغدادي نفسه اعتُقل في بوكا عام 2004، وحين أُفرج عنه بعد عشرة أشهر، كان يحمل في جيبه أرقام هواتف قيادة جديدة وشبكة علاقات ستُصبح لاحقاً عمود داعش الفقري[7].
المرحلة الثانية: "الدولة الإسلامية في العراق" (2006 – 2010)
بعد مقتل الزرقاوي، اندمجت عدة فصائل جهادية وأعلنت في أكتوبر 2006 "الدولة الإسلامية في العراق (ISI)" — وكان هذا أول استخدام لكلمة "دولة" وليس مجرد تنظيم[3]. قيادتها الجديدة: أبو عمر البغدادي، وأبو أيوب المصري، وكلاهما قُتل لاحقاً في عملية أمريكية-عراقية مشتركة عام 2010[9].
الصحوات: كاد التنظيم أن يموت
بين 2007 و2009، صدر أهم قرار أمريكي في الحرب على التنظيم: استراتيجية الصحوات أو "أبناء العراق". قرّرت أمريكا دفع رواتب لزعماء القبائل السنية مقابل قتالهم للتنظيم، فانقلبت القبائل على من كانوا يؤوونه[10]. في أقل من سنتين، خسر التنظيم 80% من سيطرته وتراجع إلى خلايا صغيرة مبعثرة وكاد يختفي تماماً. لو أُكمل هذا المسار لكانت القصة انتهت هنا.
المرحلة الثالثة: عودة الشبح (2010 – 2013)
البغدادي: الزعيم الخفي
في أبريل 2010، تولّى إبراهيم عواد البدري، المعروف بـ"أبو بكر البغدادي"، قيادة التنظيم بعد مقتل سابقيه[9]. رجل مختلف تماماً: أكاديمي حاصل على دكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة بغداد، هادئ الطباع، لا يُصوَّر ولا يُقابَل، يعمل من الظل. حوّل التنظيم المنهك إلى آلة منظّمة بهيكل عسكري دقيق وجناح استخباراتي يُسجّل معلومات كل منطقة يدخلها[11].
المالكي يُقدّم الهدية
هنا يدخل نوري المالكي رئيس الوزراء كمحرّك أساسي في عودة التنظيم. بعد انسحاب الأمريكيين عام 2011، تصرّف المالكي — بدعم إيراني — بمنطق الانتقام الطائفي[12][13]:
- ◆ حلّ قوات الصحوة وأوقف رواتب مقاتليها الذين قاتلوا التنظيم، وأعادهم إلى الفقر والبطالة والمرارة.
- ◆ ملاحقة القيادات السنية قضائياً بتهم الإرهاب: اعتُقل نائب الرئيس طارق الهاشمي وصدر بحقه حكم الإعدام غيابياً.
- ◆ تهميش منهجي للمحافظات السنية في التوظيف الحكومي والميزانيات وإعادة الإعمار.
- ◆ اعتقال المحتجين السنة بالقوة حين خرجوا في مظاهرات سلمية عام 2012-2013 في الفلوجة والرمادي وتكريت.
النتيجة المنطقية كانت حتمية: عودة البيئة الحاضنة. السني الذي حارب التنظيم بالأمس أصبح يرى فيه اليوم حامياً محتملاً من دولة تراه عدواً[12].
الشرارة السورية
عام 2011، انفجرت الثورة السورية، ففتح ذلك للتنظيم عمقاً جغرافياً وبشرياً لم يكن يحلم به. أرسل البغدادي مجموعة بقيادة أبي محمد الجولاني لتأسيس "جبهة النصرة" في سوريا، لكن الجولاني رفض لاحقاً الانصياع لبغدادي مما أدى إلى قطيعة مع القاعدة وإعلان تنظيم جديد هو "داعش" أو "الدولة الإسلامية في العراق والشام" عام 2013[14].
المرحلة الرابعة: الخلافة والتمدد (2014)
يناير 2014: الفلوجة أولاً
قبل الموصل بستة أشهر، سيطر داعش على الفلوجة والرمادي في يناير 2014. الحكومة العراقية ردّت بقصف عشوائي على المدنيين، ما عزّز النقمة السنية وصعّب تحرير المدينة[9].
يونيو 2014: الموصل ولحظة الكاليفات
في 9 يونيو 2014، اجتاح داعش الموصل ثاني أكبر مدن العراق. 1500 مقاتل يهزمون 60 ألف جندي نظامي في 48 ساعة. غنائم المعركة كانت خرافية: أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات، سيارات عسكرية مدرّعة، ذخائر تكفي لسنوات، وبنك الموصل المركزي بـ429 مليون دولار نقداً[15].
في 29 يونيو 2014، وقف البغدادي في جامع النوري الكبير في الموصل وأعلن "الخلافة الإسلامية" ونصّب نفسه خليفة للمسلمين — مطالباً كل مسلم في العالم بالبيعة له. كانت أكبر صدمة دينية-سياسية في العصر الحديث[3].
في ذروته: خريطة الخوف
| المنطقة | ما سيطر عليه داعش |
|---|---|
| العراق | الموصل، الرمادي، الفلوجة، تكريت، سنجار، أجزاء من صلاح الدين وديالى والأنبار — نحو 40% من مساحة العراق |
| سوريا | الرقة، دير الزور، أجزاء من حلب وحمص — نحو ثلث سوريا |
| المساحة الكلية | أكبر من المملكة المتحدة، يحكم نحو 8 ملايين شخص |
إيران وداعش: التحالف الموضوعي الأكثر إثارة للجدل
هذه أكثر نقاط القصة إثارة للجدل ولها ثلاثة وجوه متداخلة:
الوجه الأول: إيران زرعت التربة
كما وثّق معهد واشنطن وصحيفة الشرق الأوسط، السياسات الطائفية لإيران والمالكي خلقت البيئة الحاضنة لداعش[16][17]. تهميش السنة وسحق الصحوات واضطهاد المحتجين كانت قرارات إيرانية الإلهام مالكية التنفيذ. كتب المحلل فاروق يوسف في الشرق الأوسط: "إيران قدّمت لداعش خدمات موضوعية ثمينة جداً"[16].
الوجه الثاني: الصفقات المباشرة
وثّق معهد واشنطن أن إيران وفيلق القدس أبرما صفقات مع داعش في مناطق بعينها: داعش لا يتعرض للمزارات الشيعية ولا لمراكز إيران في العراق، وإيران لا توجّه قواتها ضده في تلك المناطق[17]. أي أن الوحش كان مُقنَّن الحركة جزئياً بما يخدم الأجندة الإيرانية.
الوجه الثالث: داعش الذريعة
الأهم من كل ذلك: المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية — وهو معارضة إيرانية — وثّق أن وكلاء إيران كانوا يخططون لانتشارات داعش ويوفرون له الملاذات الآمنة لأن إبقاءه تهديداً ناشطاً يضمن الحاجة المستمرة للحشد الشعبي ويبرر الوجود الإيراني في العراق وسوريا إلى أجل غير مسمى[17][18]. ببساطة: داعش كان الذريعة الحية لبقاء الحرس الثوري في المنطقة.
المرحلة الخامسة: التحالف الدولي والسقوط (2014 – 2019)
سبتمبر 2014: التحالف الدولي
أعلنت أمريكا تشكيل تحالف دولي من 65 دولة لمحاربة داعش، وبدأت الضربات الجوية في العراق وسوريا[9]. لكن القتال البري بقي عراقياً وكردياً في معظمه.
المعارك الكبرى
- ◆ تكريت (مارس 2015): أول معركة تحرير كبرى، قادها الحشد الشعبي بشكل رئيسي مع إشراف ميداني مباشر من سليماني. أمريكا رفضت المشاركة في البداية لأن الحشد كان قائداً، ثم وافقت على دعم جوي محدود. نجحت المعركة لكنها صاحبتها انتهاكات موثّقة بحق المدنيين السنة[19].
- ◆ الرمادي (ديسمبر 2015): سقطت الرمادي في يد داعش مايو 2015 مما سبّب إحراجاً بالغاً لأمريكا التي كانت تؤكد تقدّم العمليات. استُعيدت في ديسمبر بعملية عراقية-أمريكية مشتركة نادراً ما تكررت[9].
- ◆ الفلوجة (يونيو 2016): حرّرتها قوات مشتركة لكن الحشد الشعبي بارز فيها، وتكرّرت انتهاكات ضد المدنيين السنة وثّقتها منظمات حقوق الإنسان.
- ◆ الموصل (أكتوبر 2016 – يوليو 2017): الأم الكبرى لكل المعارك. 9 أشهر من القتال الضاري في مدينة عمرانها مئات الآلاف. الجانب الأيمن تحرّر في يناير، والجانب الأيسر وخاصة الحي القديم تحرّر في يوليو 2017 بعد معارك منزل بمنزل وشارع بشارع[4]. الثمن: مئات آلاف النازحين ومدينة نصفها أنقاض.
- ◆ الحويجة وآخر معاقل العراق (أكتوبر 2017): في ديسمبر 2017 أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي انتهاء داعش عراقياً رسمياً[9].
- ◆ الباغوز آخر معاقل سوريا (مارس 2019): في قرية الباغوز على الحدود السورية-العراقية، أسقطت قوات سوريا الديمقراطية الكردية آخر موقع لداعش وأُعلنت هزيمته التنظيمية الكاملة[5].
✦ الخاتمة: ماذا بقي؟
البغدادي قُتل في غارة أمريكية شمال سوريا في أكتوبر 2019 حين فجّر نفسه[20]. لكن التنظيم لم يمت، بل تحوّل إلى خلايا نائمة منتشرة تنفّذ عمليات متقطعة في صحراء الأنبار ومناطق ديالى حتى اليوم.
المفارقة الكبرى التي يمكن قراءتها من كل هذه القصة: كل من ساهم في صنع داعش — الغزو الأمريكي، وسجن بوكا، وسياسات المالكي الطائفية المدعومة إيرانياً، والانسحاب الأمريكي المبكر — خرج من المعركة ضده وهو يحمل مكاسب مختلفة. أمريكا أعادت بناء وجودها العسكري. وإيران أسّست جيشاً موازياً. والعراقيون العاديون دفعوا الفاتورة وحدهم، بالجثث والدم والمدن المهدّمة.
الهوامش والمصادر
[1] مغرس: من الزرقاوي إلى البغدادي
[2] وكالة الأناضول: نشأة داعش ومسيرته
[3] Britannica: ISIS in Iraq and Syria
[4] Al Jazeera: The rise and fall of ISIL
[5] المركز الكردي للدراسات: كيف نشأ داعش
[6] المركز الإقليمي: صناعة الرعب سجن بوكا
[7] Lawfare: ISIS Was Born In An American Facility
[8] Mother Jones: Camp Bucca
[9] Wilson Center: Timeline of Islamic State
[10] PBS: Sunnis on Their Treatment in Maliki's Iraq
[11] صحيفة العرب: تجربة داعش
[12] Rowaq: Sectarianism and Rise of ISIS
[13] Libra ETD: Nouri al-Maliki and ISIS
[14] Vox: ISIS history
[15] The National: Rise and fall of ISIS
[16] الشرق الأوسط: سياسات إيران الطائفية
[17] معهد واشنطن: الصفقات مع داعش نهج إيراني
[18] المقاومة الإيرانية: حقائق عن فيلق القدس
[19] PBS NewsHour: Iran-backed militia
[20] المركز العربي لدراسات التطرف: أبو بكر البغدادي
تعليقات
إرسال تعليق