عراقي يشمت بدول الخليج !

"المتفائل يُقدّم: صاحبنا العراقي وفرحته الكُبرى"

أو: كيف يُغنّي المرء على ليلى ويليلى على غيره

إعداد: المتفائل

مقدمة في علم السعادة المُضلِّلة

يقول العلماء — وهم قومٌ طالما قيل وطالما أخطأوا — إنّ السعادة حالةٌ نفسية لا علاقة لها بالمنطق. وهذا كلامٌ صحيح تماماً، إذ لو كانت السعادة تحتاج إلى منطق لما وُجد في الدنيا سعيدٌ واحد. وفي هذه القاعدة العلمية الراسخة كان صاحبنا أبو كريم العراقي — دامت أيامه ودام تفاؤله — نموذجاً فريداً تُدرَّسُ حالته في أقسام علم النفس السريري تحت عنوان: "الفرح الانتقائي أو: كيف ترى ما تريد أن تراه وتعمى عمّا لا يُريحك".

وُلد أبو كريم في زمنٍ لم يُحدِّده بدقة، وعاش في مدينةٍ استهدفتها الصواريخ الإيرانية من قبل، بل واستهدفتها مرةً أخرى، ثم مرةً ثالثة — وكأن طهران تمتلك تقويماً خاصاً تُعلَّق فيه مواعيد "الزيارات الودية" للعراق — غير أن أبا كريم كان في كلّ مرة مشغولاً. مشغولٌ بالاحتفال بضرب جارته الكويت. مشغولٌ بالشماتة في منشآت الإمارات. مشغولٌ بتوزيع الحلوى على أطفال الحي حين سقطت صواريخُ على مطار دبي وأُصيب مدنيون أبرياء ليس لهم ذنبٌ في الدنيا إلا أنهم أقاموا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ1.

فرحةٌ لا حدود لها... إلا حدود العقل

كان أبو كريم يجلس أمام شاشته كل صباح، وفي كل مرة ترِد فيها أنباءُ استهداف إيراني جديد لدول الخليج — سواء بالصاروخ الباليستي أو المسيّرة الحارقة أو بقية اختراعات محور المقاومة الحضارية — كان يقفز من كرسيه بحيوية لا يُبديها حتى حين تدعوه زوجته لتناول العشاء.

"يستحقون!"، كان يصرخ بصوتٍ يكاد يُسمع في الطابق العلوي.

"لماذا يستحقون؟"، تسأله زوجته من المطبخ.

"لأن عندهم قواعد أمريكية!"، يُجيب بثقة العارف.

"وعندنا في العراق قواعد أمريكية أيضاً"، تقول الزوجة بحكمة المرأة التي رأت أكثر مما قرأ.

ويصمت أبو كريم، لكنه صمتٌ إجرائي فقط — من النوع الذي لا يعني الاقتناع بل يعني أنه لم يجد ردّاً مناسباً بعد — ثم يعود فوراً إلى الشاشة مواصلاً فرحته الكبرى كأن شيئاً لم يكن.

وهنا تتجلّى عبقرية أبي كريم في الانتقائية الإدراكية — وهو مصطلحٌ أكاديمي فخم معناه: نرى ما نُريد أن نراه ونتجاهل ما يُفسد علينا سردياتنا. وقد أثبت علماء الأعصاب أن الدماغ البشري حين يتبنّى فكرةً محدّدة يبدأ حرفياً بتصفية المعلومات المخالفة لها كما يُصفّي الكُلى الفضلات. والفارق الوحيد أن الكُلى لا تصرخ "يستحقون!".

القاعدة الأمريكية وحجة الثقب الأسود

دعونا نتوقف لحظة لنعالج هذه الحجة الرائعة بما تستحقه من تشريح علمي دقيق.

تقول الرواية الإيرانية الرسمية — وعلى دربها مشى أبو كريم وملايين أمثاله — إن إيران تستهدف دول الخليج لأنها تؤوي قواعد عسكرية أمريكية. وهذا استدلالٌ منطقي بديع يصلح لتوفير غطاء نظري لأي عملية عسكرية إذا أردتَ تبريرها. غير أن العقل الحرّ يميل في مثل هذه الأحوال إلى السؤال الفاضح: إذا كانت القواعد الأمريكية هي السبب، فلماذا إذن لم تستهدف إيران باكستان؟

باكستان، تلك الدولة التي تحتضن قواعد أمريكية وعلاقات وثيقة مع واشنطن، وتحدّ إيران من الشرق بحدودٍ طويلة. لماذا لا تقصف طهران كراتشي أو إسلام آباد؟ لماذا لا تُرسل مسيّراتها إلى قواعد أمريكية في آسيا الوسطى؟ لماذا لا تُطلق صواريخها نحو جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي حيث يتمركز الأسطول الأمريكي بهدوء تام وبُعدٍ مريح عن أعين إيران؟2

الجواب يا سادة بسيطٌ كالنور وكاشفٌ كالمصباح في الغرفة المظلمة: ليس الأمر أمريكا يا أبا كريم، الأمر هو الجوار العربي. الأمر هو أن دول الخليج عربيةٌ وسنية في معظمها، وأن إيران — بصرف النظر عن كل خطاب المقاومة والممانعة — تمتلك أجندةً إقليمية لا تُريد لهذه الدول أن تزدهر أو تتمدد أو تُؤثّر. القاعدة الأمريكية مجرد عذرٌ ملائم، كالطالب الكسول الذي لم يذاكر ويقول للمدرس إن الشمس كانت في عينيه.

العراق يُضرب... وأبو كريم لا يعلم أو يتجاهل

في يناير 2024، أطلقت إيران صواريخ باليستية نحو أربيل في كردستان العراق، فقتلت أربعة مدنيين وجرحت ستة آخرين، وأُسقطت طائرات مسيّرة فوق مطار أربيل الدولي3. لم يكن الضحايا جنوداً أمريكيين، ولا حتى عملاء — فقد ادّعت إيران استهداف "مركز تجسس إسرائيلي" وهو ادعاءٌ لم يُوثَّق بشيء سوى الإعلان الإيراني المعتاد — بل كانوا مدنيين عراقيين في منازلهم.

فأين كان أبو كريم يوم جاءت الصواريخ إلى بلده؟

كان مشغولاً بالتعليق على صفحات التواصل بأن "المقاومة تُشكّل ضغطاً حقيقياً على الأعداء".

وقد يسأل القارئ: هل غاب أبو كريم عن أنباء استهداف العراق؟ الجواب: لا. بل إنه يعلم، لكنه يرتدي في تلك اللحظات نظّاراتٍ تصفية خاصة، معدّة بتقنية عالية لمحو كل خبرٍ يخصّ العراق وإبقاء كل خبر يخص الخليج. وهذه التقنية لا تبيعها المحلات لكنها مُزرَّعة في أدمغة كثير من البشر بشكل مجاني تماماً — إنها نعمة العقل الأيديولوجي.

إيران والطاقة: حين تتحول الحروب إلى خطوط أنابيب

وهنا نصل إلى طبقة أعمق من هذا الملف، الطبقة التي لا يراها أبو كريم لأن رؤيتها تستلزم الخروج من دائرة العاطفة إلى فضاء الاقتصاد السياسي الدولي.

الهجمات الإيرانية على دول الخليج أسفرت عن أضرار في مطار دبي الدولي ومطار زايد الدولي، وحريق في ميناء جبل علي، وإغلاق موانئ وتعطيل حركة الطيران وصدمة في الأسواق المالية الخليجية14. هذا ليس مجرد ضرب عسكري يا أبا كريم، هذا استهدافٌ ممنهج لأسواق الطاقة والتجارة العالمية.

فهم الأمر يتطلب معرفة بسيطة بالجغرافيا الاقتصادية: الخليج العربي هو شريان النفط العالمي، ومضيق هرمز هو الوريد الذي يضخّ قرابة 20% من نفط العالم يومياً. وحين تُعطَّل موانئ دبي وأبوظبي، وحين تُغلَق الأجواء، وحين تهبط الأسواق الخليجية، فإن الأثر لا يقف عند حدود الخليج بل يمتد إلى بورصات نيويورك ولندن وطوكيو. إيران تعرف هذا تماماً.

إيران التي يخنقها الحصار الاقتصادي الأمريكي منذ عقود تُدرك أن أقصر طريق لإيلام واشنطن ليس ضرب قواعدها مباشرة — وهو ما يعني الحرب الشاملة وهي لا تريدها — بل تعطيل أسواق الطاقة لرفع أسعار الطاقة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي وإيجاد ورقة ضغط دبلوماسية. هذا ما يُسميه علماء الاقتصاد السياسي استراتيجية الحرب الاقتصادية غير المباشرة، وما يُسمّيه أبو كريم "المقاومة الباسلة".

والفارق بين التسميتين هو أن الأولى تُفسّر لماذا يدفع أبو كريم نفسه ثمناً أغلى لسلة البقالة في نهاية كل أسبوع.

علم الأنثروبولوجيا يتدخّل: إيران والعرب

الآن ننتقل إلى الطبقة التي يُتجنَّب الحديث عنها عادةً خشية "الطائفية" — وهو تهربٌ فكري يُسمح به لمن يريد أن يفهم بنصف عقله فقط.

إيران لا تمتلك مشكلة مع الوجود الأمريكي كمبدأ كوني. إيران تمتلك مشكلة مع القوى السنية العربية التي تنظر إليها كمنافسٍ حضاري وديني في المنطقة. التاريخ لا يكذب: الدول التي نالت النصيب الأكبر من الاستهداف الإيراني — سواء بالوكالة عبر الحوثيين في اليمن، أو الميليشيات في العراق وسوريا، أو الصواريخ المباشرة الأخيرة — هي بالضبط الدول ذات الأغلبية السنية العربية في الجوار56.

هذا لا يعني أن إيران تُعلن عن هذا في نشراتها الرسمية — فلا أحد يُعلن عن دوافعه الحقيقية علناً — لكنه يعني أن من يُريد أن يفهم الأنماط السلوكية يجب أن يقرأ الخريطة لا البيانات. فالبيانات تقول "ردٌّ على العدوان"، والخريطة تقول شيئاً آخر تماماً.

وهنا يجد أبو كريم نفسه في موقف الباحث الذي اشترى خريطةً غلطت في الجهات الأربع، لكنه يُصرّ على استخدامها لأنها كانت مجانية.

ختامٌ في علم ما لا نراه

قال المتفائل يوماً ما — ولا أعلم إن كان هو أم أحدٌ نسبه إليه — إن "الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل يراه كما يُريحه أن يكون". وأبو كريم خير تجسيدٍ لهذه المقولة.

هو لا يُريد أن يرى أن إيران ضربت العراق. لا يُريد أن يرى أن القواعد الأمريكية في باكستان وآسيا الوسطى آمنةٌ تماماً من الصواريخ الإيرانية. لا يُريد أن يعرف أن مطار دبي الذي اشتعل فيه حريق كان يستخدمه ملايين العرب، منهم عراقيون، لزيارة أقاربهم أو علاجهم أو مباشرة أعمالهم. لا يُريد أن يفهم أن تعطيل أسواق الطاقة يعني في نهاية الأمر فاتورة كهرباء أعلى في بيته هو.

لكنّه في المقابل يُريد — بكل تفانٍ واجتهاد — أن يكون سعيداً بما يحدث، لأن السعادة على حساب الآخرين هي أسهل أنواع السعادة وأرخصها ثمناً على الورق.

لكنها الأغلى في الواقع.

لأنه حين تسقط المنطقة كلها في الفوضى، ويتوقف النفط عن التدفق، وتغلق المطارات أبوابها، وتنهار الأسواق، وتُقطع خطوط التجارة — فإن الجغرافيا لا تعرف أن أبا كريم كان يحتفل. الجغرافيا فقط تعرف أنه جارٌ للنار. وجار النار يحترق معها سواءٌ أحبّها أم كرهها.

وقد يُقال: ولكن ألا تستحق دول الخليج النقد على سياساتها؟ وهذا سؤالٌ مشروع تماماً، لكنه سؤالٌ آخر يُناقَش في مقال آخر، بأدواتٍ مختلفة، وبعقلٍ غير مشغول بتوزيع الشماتة على الفرحانين.

أما أبو كريم، فقد انتهى من احتفاله وعاد إلى بيته ليجد فاتورة الغاز ارتفعت مرة أخرى، فأطفأ الشاشة، وتمتم بشيءٍ لم نسمعه جيداً.

لكننا نظنّ أنه لم يقل "يستحقون".

المتفائل — مارس 2026

ملاحظة تحريرية: أي تشابه بين شخصية "أبو كريم" وأشخاص حقيقيين هو تشابهٌ مقصود تماماً ومبنيٌّ على الملاحظة الدقيقة للواقع الذي لا يستطيع أحدٌ منّا أن يدّعي أنه لم يُقابل فيه نسخةً من أبي كريم، وإن اختلفت الجنسية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي