لماذا سمحت أمريكا لإيران بالتغلغل في العراق؟
لماذا سمحت أمريكا لإيران بالتغلغل في العراق؟
تشريح الكارثة الاستراتيجية الأمريكية الكبرى في المنطقة
هذا السؤال يكشف عن واحدة من أكبر الكوارث الاستراتيجية في التاريخ الأمريكي المعاصر، والإجابة الحقيقية مركّبة من طبقات متداخلة بين الغباء والتناقض والتواطؤ المتعمد أحياناً.
أولاً: الغباء الاستراتيجي — لم يكن هناك "اليوم التالي"
الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، اعترف صراحةً: "لم يكن لدى أمريكا خطة واضحة لليوم التالي للغزو، وإيران استغلت هذا الفراغ بسرعة فائقة"[1].
قرّر المحافظون الجدد في إدارة بوش أن إسقاط صدام يعني تلقائياً ولادة ديمقراطية تُصدَّر للشرق الأوسط بأكمله، بما فيها إيران نفسها[2]. كان تفكيرهم رومانسياً وساذجاً كمن يُفجّر جداراً ويتوقع أن يخرج من ورائه بستان.
ثانياً: قراران بريمر — الجريمتان اللتان لا تُغتفران
كل ما حدث بعده يعود إلى قرارين أصدرهما بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي عام 2003، واعترف هو شخصياً لاحقاً بأنهما كانا "خطأين فادحين"[3]:
- ◆ قرار اجتثاث البعث: أقصى 500 ألف موظف وضابط وخبير إداري من الدولة، معظمهم سنة، ودفعهم نحو المقاومة المسلحة، وفتح الباب أمام قيادات شيعية كانت في المنفى الإيراني لتملأ الفراغ[4].
- ◆ قرار حل الجيش: وضع 400 ألف جندي مسلح ومُدرَّب في الشارع بلا رواتب ولا مستقبل، وكان سليماني ينتظرهم بالأحضان[1].
ثم جاء الأعجب: القرار رقم 91 الذي أصدره بريمر نفسه قُبيل مغادرته بأسابيع، والذي أمر بدمج ميليشيات فيلق بدر الإيرانية في الجيش العراقي الجديد! وهكذا أدخل الأمريكيون بأيديهم الجنود الإيرانيين إلى المؤسسة العسكرية العراقية[5].
ثالثاً: التواطؤ المبكر — التنسيق السري مع طهران
هذه هي النقطة التي لا يُحب أحد الحديث عنها بصراحة. قبيل الغزو عام 2003، تنسّقت واشنطن مع الأحزاب الشيعية المنفية في إيران — حزب الدعوة، المجلس الأعلى، فيلق بدر — لأنها كانت تحتاج أدلة على أن "الشعب العراقي سيرحب بالمحتل"[6].
أمريكا احتاجت تلك الأحزاب واجهةً سياسية، ففتحت لها الباب، وجاءت معها بحقائبها الإيرانية. بريمر نفسه ذكر أنه نسّق مع عبد العزيز الحكيم وإبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي — وكلهم كانوا مرتبطين بطهران[3].
رابعاً: الانسحاب عام 2011 — الهديّة الثانية لطهران
حين قرّر أوباما الانسحاب الكامل عام 2011 تحت ضغط الرأي العام الأمريكي المتعب من الحرب، تركت أمريكا العراق بلا شبكة أمان[1]. كانت إيران تنتظر على الرصيف حقائبها معبّأة.
تقول الباحثة كاثرين زيمرمان من معهد المشروع الأمريكي: "رفض أمريكا البقاء مستثمرةً في مستقبل العراق هو الذي رجّح الميزان لصالح طهران"[1]. أمريكا تعبت وأرادت الخروج، وإيران لم تتعب لأن العراق بالنسبة لها ليس مغامرة بعيدة بل جار يُشاركها الحدود والمذهب والتاريخ.
خامساً: داعش 2014 — الهديّة الثالثة
حين ظهر داعش واجتاح ثلث العراق، وانهار الجيش العراقي، احتاجت بغداد من يُنقذها. أمريكا ترددت، وإيران لم تتردد ثانية واحدة[7]. قدّم سليماني نفسه منقذاً، وأسّس الحشد الشعبي بغطاء ديني من السيستاني لكن بقيادة فعلية إيرانية.
وللمفارقة الصارخة: في المعارك ضد داعش كان الجنود الأمريكيون والميليشيات الإيرانية يُقاتلان على الجبهة ذاتها أحياناً[5]! وقد أعطى ذلك الحشدَ الشرعيةَ الرسمية التي كان يحتاجها.
سادساً: عامل أوباما — التنسيق المعلن
إدارة أوباما تحديداً تحمل مسؤولية خاصة. تكشف الدراسات أن أوباما رحّب ضمنياً بالدور الإيراني في العراق لأنه رأى فيه عاملاً لاستقرار الدولة العراقية وشريكاً ضد السنة المتطرفين[8].
السعيُ للاتفاق النووي 2015 جعل واشنطن تتجنّب الاصطدام مع طهران في العراق حتى لا تُعقّد المفاوضات[5]. أي أن العراق دُفع ثمناً ضمنياً للاتفاق النووي.
✦ المعادلة الكاملة في سطر واحد
أمريكا لم "تسمح" لإيران بالدخول بقرار واعٍ، لكنها ارتكبت أخطاء كارثية متتالية، وتواطأت أحياناً بحسابات ضيقة الأفق، ثم انسحبت قبل إتمام البناء — فكان حضور إيران هو الفراغ الذي ملأ الفراغ الذي تركته أمريكا[2].
الفارق الجوهري بين الطرفين هو أن أمريكا دخلت العراق بمشروع مؤقت تحكمه دورات انتخابية وضغط الرأي العام، بينما دخلت إيران بمشروع وجودي أبدي تحكمه عقيدة لا تتغير بتغيير الرؤساء. ومن يريد البقاء للأبد سينتصر دائماً على من يريد العودة إلى البيت.
الهوامش والمصادر
[1] Stars and Stripes — Iraq War went from US invasion to ongoing invitation for Iran (2023). stripes.com — Iraq War Legacy
[2] Stimson Center — Retrospective: US Invasion of Iraq was a Mixed Blessing for Iran (2023). stimson.org — US Invasion Mixed Blessing
[3] Asharq Al-Awsat — Bremer Acknowledges 'Mistakes' in Disbanding Ba'ath Party and Iraqi Army (2023). aawsat.com — Bremer Mistakes
[4] POMEPS — Institutionalizing Exclusion: De-Ba'thification in post-2003 Iraq (2019). pomeps.org — De-Baathification
[5] مركز الجزيرة للدراسات — العراق وحدود التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران (2018). studies.aljazeera.net — العراق والتصعيد
[6] صحيفة البيان — العراق... نقطة تبادل الضغوط والمصالح بين إيران وأمريكا (2021). albayan.co.uk — العراق والمصالح
[7] معهد واشنطن — إيران والعراق: التداعيات والخيارات الأمريكية. washingtoninstitute.org — إيران والعراق
[8] مجلة الدراسات الجزائرية ASJP — النفوذ الإيراني في العراق بعد 2003: الدوافع والانعكاسات (2021). asjp.cerist.dz — النفوذ الإيراني
تعليقات
إرسال تعليق