إيران تحتل العراق !

"مدلل البيت وسادته الفُرس.. أو: كيف تُربَّى بقرة لا تعلم من يحلّبها"

إعداد: المتفائل

مدخل: تشريح نوع بشري نادر

في كل بيت من بيوت الشرق الكبيرة ثمة طفل لا يكبر. يُدعى "مدلّل البيت". تُطعمه الأم، وتُلبسه الخالة، وتُدفع عنه الريح، ويكبر مُعتقداً أن العالم مكرّس لخدمته، وأن من يُطعمه هو بالضرورة مَن يُحبه، ولا يخطر بباله قط أن من يُطعمك يملكك.

هذا الصنف — ويا لكثرته في العراق لأسباب تستحق دراسة أنثروبولوجية مستقلة — هو الذي يجلس الآن أمامنا مُنفوشاً كديك مُخصيّ، يُدافع عن إيران بحرارة من لا يعلم أنه يُدافع عن السجّان من خلف قضبان القفص.

فلنتحدث، إذن، بالأرقام والوثائق، وبالمنطق الذي يكره مدلّل البيت رائحته.

الفصل الأول: الهيمنة السياسية، أو "عندما تُصبح الدولة قِسْماً في شركة أجنبية"

السياسة في العراق، يا عزيزي القارئ، ليست شأناً عراقياً منذ عام 2003. هي أشبه بمسرحية يكتب نصّها في طهران، ويؤدّيها ممثلون ببغداديون يظنون أنهم من اخترعوا الحوار.

تعمل إيران على إيجاد نُخب سياسية تدين بالولاء والطاعة لها، وتضمن بقاء الحكومات العراقية ضعيفة ومحتاجة1. والمنطق بسيط: بقدر ضعف الحكومة العراقية وحاجتها لإيران، بقدر ما تحقق طهران مصالحها2.

قادة ميليشيات كاملون — فالح الفياض، هادي العامري، قيس الخزعلي، أحمد الأسدي — تحوّلوا إلى سياسيين يخوضون الانتخابات بلوائح رسمية بعد أن كانوا يحملون السلاح تحت الرعاية الإيرانية المباشرة3. وانتخابات 2025 العراقية شهدت بُعداً إيرانياً واضحاً في محاولة إعادة ترتيب الأوراق والسيطرة على مجرياتها4.

أما التمويل، فله وجهان: الأول دعم مالي مباشر للأحزاب والتيارات والميليشيات، والثاني وضع أموال في خدمة رجال الدين بغرض التأثير الفكري والديني على المجتمع العراقي12.

لكن مدلّل البيت لا يرى هذا. فهو منشغل بالكولونيا التي أهدتها إيران له.

الفصل الثاني: الهيمنة الغذائية، أو "أكل الملح عند إيران وكسر عصاها معصية"

ها نحن نصل إلى المطبخ، ذلك الفضاء المقدّس الذي يُدار منه أكبر مشاريع السيطرة على الشعوب عبر التاريخ.

يستورد العراق من إيران ما لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً من السلع غير النفطية5. وتُشير بيانات الجمارك الإيرانية إلى أن واردات العراق من إيران بلغت 1.5 مليار دولار في شهرين فقط — مارس ومايو 20255.

عبر معبر مهران وحده — منفذ واحد من منافذ عديدة — صدّرت إيران أكثر من 1.425 مليون طن من البضائع بقيمة 866 مليون دولار في عام واحد6. وتمرّ 500 إلى 600 شاحنة إيرانية يومياً عبر هذا المعبر الواحد محملة بالأغذية والمواد الزراعية والأجهزة المنزلية6.

الطماطم والتفاح والبطيخ على موائد العراقيين؟ إيرانية. وتشكّل أحياناً أكثر من 30% من صادرات إيران الزراعية الكاملة5.

والأجمل في القصة: حين حاول العراق رفع الرسوم الجمركية لحماية منتجه المحلي، ردّت غرفة التجارة الإيرانية-العراقية المشتركة بجملة تستحق أن تُنقش على جدران كل وزارة عراقية: "تهريب البضائع إلى العراق ليس بالمهمة الصعبة"7.

وهذا، يا مدلّل البيت، ما يُسمّى في لغة الاقتصاد السياسي: التبعية الغذائية المُسلَّحة بالتهريب.

الفصل الثالث: الهيمنة على الطاقة، أو "البيت الذي مفتاحه عند الجار"

دعونا الآن ندخل إلى غرفة المولّد الكهربائي، تلك الغرفة التي يقف أمامها العراقي كل صيف يحتضر في 50 درجة مئوية بينما يتفرّج مدلّل البيت على دراما إيرانية مُترجمة.

في مارس 2024 وقّع العراق اتفاقية لمدة 5 سنوات تمنح إيران الحق بتزويد العراق حتى 50 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، بكلفة سنوية تتراوح بين 4 إلى 5 مليارات دولار5. وهذه الصفقة، بحسب المحللين، لم تُساعد العراق على بناء بنيته التحتية، بل وضعت أمنه الطاقي تحت رحمة أزمات إقليمية خارجة عن إرادته5.

وكلما أرادت إيران الضغط على بغداد، فعلت ذلك ببساطة مُذهلة: في مارس ومايو 2025 خفّضت إيران الإمداد إلى نحو 20 مليون متر مكعب يومياً فقط — أي أقل من النصف — ما أسفر عن خسارة 5500 ميغاواط في توليد الكهرباء الوطني، وأظلمت بغداد والفرات الأوسط5.

إذن، إيران تملك مفتاح الكهرباء العراقية. وهي تستخدمه متى تشاء. هذا ليس تحالفاً. هذا وضع يد على مفتاح الحياة.

لكن مدلّل البيت يتصبّب عرقاً في الظلام ويتفنّن في تبرير انقطاع التيار.

الفصل الرابع: الهيمنة الأمنية والعسكرية، أو "الدولة التي لها جيشان"

دولة بجيشين. هذه معادلة لم يعرفها التاريخ كثيراً. الجيش العراقي الرسمي المرتبط بالحكومة، والحشد الشعبي المرتبط بطهران. وفي اللحظات الفارقة، حين تتعارض الأوامر، لا تحتاج أن تكون عبقرياً لتتوقع من سيطيع من.

تمثّل الدعم الإيراني المالي للميليشيات في دفع رواتب القادة والأعضاء مباشرة، مع توجيه فكري وديني متوازٍ عبر رجال دين تموّلهم طهران1. والهدف الاستراتيجي لطهران واضح في الوثائق: استبعاد القوى ذات التوجهات الوطنية التي تعارض الدور الإيراني2.

وهنا يجب أن نُثمّن صراحة مسؤول إيراني رفيع — حين سأله مذيع CNN لماذا تقصفون الخليج — إذ ردّ بثقة المالك لا بتردد المستأجر8. إيران لا تُخفي أجندتها، وهذا على الأقل خُلق لا يملكه مدلّل البيت الذي يخفي تبعيته خلف خطاب "المقاومة".

الفصل الخامس: الهيمنة الثقافية، أو "استعمار المخيّلة قبل الأرض"

يقول علماء الاستعمار إن أصعب أنواعه ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل. والمستعمَر الأكثر طواعية هو من يُدافع عن مستعمِره بحرارة أكثر من دفاع المستعمِر عن نفسه.

ها هو مدلّل البيت، عراقي يُدافع عن إيران بلغة فارسية الروح وعربية اللسان، شاهداً حيّاً على نجاح مشروع إيران في العراق: مدارس دينية مُموَّلة إيرانياً، حسينيات بمحتوى إيراني، تلفزيونات تُبثّ من طهران وتُشاهَد في البيوت العراقية، ومراجع دينية تتلقى تمويلاً إيرانياً مباشراً للتأثير الفكري12.

الفريد في الظاهرة الثقافية الإيرانية أنها لا تأتي على هيئة دبابات، بل على هيئة مسلسلات وأشرطة دينية وخطباء ممولين. وهذا — بشهادة الباحثين في الاستعمار الناعم — أكثر فاعلية على المدى البعيد من أي احتلال عسكري.

الفصل السادس: ربط الخيوط بالأحداث الراهنة

الآن، بعد أن أطلقت إيران صواريخها نحو الإمارات والبحرين والكويت وقطر والسعودية910 في الأيام الأخيرة من فبراير 2026 ومطلع مارس، تظهر حقيقة الورقة العراقية في الحسابات الإيرانية بشكل جليّ:

العراق ليس حليفاً. العراق ورقة ضغط وورقة عبور وورقة تمويل في آنٍ واحد.

  • يمرّ عبره الغاز والبضائع الإيرانية نحو الأسواق الإقليمية.
  • تُحوَّل من خلاله الأموال الإيرانية المُراوِغة للعقوبات الأمريكية.
  • يُستخدم فضاؤه الجوي وأراضيه لتحريك الميليشيات الإقليمية.

وحين تتصاعد الضربات الإيرانية على الخليج وتصعيد التوتر الإقليمي1112، يجد العراق نفسه في موقع الأكثر هشاشة: هو ليس طرفاً في الحرب رسمياً، لكنه يتحمّل تبعاتها الاقتصادية والأمنية كاملة، وسط صمت مدلّل البيت المنشغل بتبرير من يحلبه.

خلاصة علمية: المعادلة الكاملة

المجال الحقيقة الموثّقة
السياسة أحزاب ممولة إيرانياً، ميليشيات تُشكّل "دولة داخل الدولة"12
الغذاء 20 مليار دولار واردات إيرانية سنوياً، 30% من إنتاجها الزراعي يذهب للعراق5
الطاقة 5 سنوات عقد غاز بـ4-5 مليارات دولار سنوياً، مع قطع الإمداد للضغط5
الأمن تمويل مباشر للميليشيات وقادة الحشد، توجيه ديني وفكري1
الثقافة مدارس وحسينيات ومراجع دينية مُموَّلة إيرانياً2
التجارة 500-600 شاحنة يومياً عبر معبر واحد، والتهريب "ليس بالمهمة الصعبة"67

الكلمة الأخيرة: رسالة مفتوحة إلى مدلّل البيت

يا صاحبي المُدلَّل، المُرفَّه الحنون ذا الأعصاب المرهفة والمشاعر الجياشة تجاه كل شيء إيراني:

أنت تُدافع عن دولة تملك مفتاح كهربائك وثلاجتك ودوائك وزعيمك السياسي وخطيبك الديني — وتريدنا أن نسمي هذا "محوراً للمقاومة".

إيران لا تقصف الخليج دفاعاً عن فلسطين، ولا دفاعاً عنك. هي تضغط على أسواق الطاقة العالمية للحصول على مكاسب تفاوضية مع واشنطن13، بينما أنت تصفق في الظلام — الظلام الحرفي، في بلد لا تعمل فيه الكهرباء لأن إيران قطعت الغاز عن محطات التوليد5.

الفرق بينك وبين البقرة المُدلَّلة أن البقرة على الأقل لا تُدافع عن الحالبة.

المتفائل — كاتب يؤمن بأن السخرية أرحم بكثير من الصمت على الحقيقة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي