هل تتذكرون المبحوح؟!
في يناير 2010، دخل رجل اسمه محمود المبحوح غرفة رقم 207 في فندق البستان روتانا بدبي. كان قيادياً في حماس، وكان يثق بأن دبي — عاصمة التجارة والترف العربي — مكان آمن بما يكفي لرجل يحتاط. لم يخرج من تلك الغرفة.
أُعطي مادة مُخدِّرة، وخُنق حتى الموت، ورُتِّبت الغرفة كأن شيئاً لم يحدث. 26 عميلاً من الموساد نفّذوا العملية1 — دخلوا بجوازات أوروبية مزوّرة، وتحرّكوا بحرية تامة من المطار إلى الفندق وعادوا. كاميرات دبي رصدت كل شيء. قائد الشرطة ضاحي خلفان أعلن أن الموساد وراء الجريمة بنسبة "99% إن لم يكن 100%"2. ثم لم يُسلَّم أحد، ولم يُحاسَب أحد، ولم يتغير شيء.
قال المتفائل: "حين يقتل عدوك في بيتك ولا تفعل شيئاً، فأنت لا تتغاضى — أنت شريك."
الأعمق من الاغتيال ما كشفته التحقيقات اللاحقة: فلسطينيان من الضفة الغربية كانا يعملان عملاء للموساد هما من وفّرا معلومات تحركات المبحوح. اعتُقلا وجرت ملاحقتهما3 — أما الـ26 إسرائيلياً فسافروا بسلام. الإمارات تعاملت مع الجريمة انتقائياً تماماً: ملاحقة الفلسطيني الضعيف، وتجاهل الإسرائيلي القوي. وهذا ليس إهمالاً — هذا اختيار.
الاختيار نفسه كان يعمل بهدوء منذ 2008، حين وقّعت أبوظبي عقدها مع AGT الإسرائيلية بـ816 مليون دولار. نظام Falcon Eye4 — كاميرات في كل شارع تديرها شركة إسرائيلية — أصبح يعرف كل تحرك لكل مقيم. والفلسطيني المقيم في الإمارات وجد نفسه يعيش في مدينة تراقبه بعيون خصمه دون أن يعلم.
بعد 7 أكتوبر 2023 سقطت آخر الأقنعة. أطلقت الإمارات حملة اعتقالات منهجية طالت كل من يُبدي تضامناً مع غزة5: مقيمة فلسطينية استُدعيت بسبب مجموعة واتساب، وأردني اعتُقل سبعة أيام بسبب تغريدة، ومقاول استُجوب ثلاثة أيام بسبب منشور على فيسبوك. شهادات تحدثت عن إخفاء قسري وتعذيب نفسي. الجريمة في كل هذه الحالات كانت واحدة: الشعور بشيء يُسمّى الانتماء العربي.
ما بدأ بعقد أمني عام 2008، ومرّ باغتيال في غرفة فندقية عام 2010، وتوّج بحملة اعتقالات عام 2023، ليس سلسلة صدف — إنه مسار واحد يسير بثبات: الإمارات تحوّلت تدريجياً من دولة تتغاضى عن وجود إسرائيل في ساحتها، إلى دولة تحمي هذا الوجود، إلى دولة تُنفّذ بنفسها ما كان يطلبه هذا الوجود منها.
والمفارقة المرّة أن المبحوح جاء إلى دبي لأن فيها عرباً — ومات لأن فيها شيئاً آخر لم يكن أحد يُعلنه بعد. أما اليوم فالشيء الآخر بات يملك عنواناً ومكتباً وعلماً على باب السفارة.
1
تفاصيل عملية اغتيال المبحوح في دبي يناير 2010: توثيق كامل للعملية وأعداد المنفّذين وأساليب التنفيذ.
https://ar.wikipedia.org/wiki/اغتيال_المبحوح
https://www.alriyadh.com/500931
2
تصريح ضاحي خلفان واتهام الموساد: تغطية BBC العربية لتصريحات قائد شرطة دبي.
https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2010/02/100226_dubai_killings_mossad_tc2
https://www.aljazeera.com/news/2010/2/24/dubai-murder-strains-israel-ties
3
اعتقال العملاء الفلسطينيين الذين وفّروا معلومات للموساد:
https://www.worldjewishcongress.org/en/news/mossad-accused-of-assassinating-hamas-operative-in-dubai
4
نظام Falcon Eye — المراقبة الشاملة الإسرائيلية في أبوظبي:
https://www.eanlibya.com — فالكون آي: نظام مراقبة متطور إسرائيلي في الإمارات
https://www.dohainstitute.org — اتفاق أبراهام: تطبيع أم إعلان تحالف قائم؟
5
حملة اعتقال وترحيل المتضامنين مع غزة في الإمارات 2023–2025:
https://www.alestiklal.net — بين اعتقال وترحيل: هكذا تُعامل الإمارات المتضامنين مع غزة
https://www.youtube.com/watch?v=9sdaDWjpGsU — الإمارات تشن حملات اعتقال بحق مؤيدي فلسطين
https://www.uae71.info — فلسطينيون مقيمون في الإمارات يكشفون تعرضهم لمضايقات
تعليقات
إرسال تعليق