تونسية تسأل أين أموال الحج؟! ١
مقال تحليلي
🖊️ ثلاثمئة دولار وأسئلة بالجملة: رحلة الصحفية التي اكتشفت الفقر في مكة
إعداد: المتفائل
## أولاً: الجريمة
جاءت فتاتنا التونسية — وهي لا شك شخصية إعلامية بامتياز، تمتلك هاتفاً وجرأةً وفضولاً لا يُقهر — إلى أم القرى أداءً للعمرة. وهذا شيء جميل تُثاب عليه. لكنها، وبعد أن انتهت من مناسكها الروحانية، قرّرت أن تمارس هواية ثانية لا علاقة لها بالطواف: السياحة الاستنكارية. فزارت بعض الأحياء الشعبية، وفتحت كاميرا هاتفها على الشوارع المزدحمة والبيوت المتهالكة، ثم أطلقت سؤالها التاريخي الذي يستحق أن يُنقش على باب البيت الحرام:
ثلاثمئة دولار. والحساب مفتوح.
"أين تذهب المليارات التي يدفعها الحجاج؟!"
ثم أضافت، بلهجة من يكشف مؤامرة كونية: "أنا دفعتُ ثلاثمئة دولار للتأشيرة!"
ثلاثمئة دولار. والحساب مفتوح.
## ثانياً: التحليل بالأرقام — إذا كانت الأرقام لا تُفسد التغريدة
دعونا نكون منصفين. السيدة لم تُخطئ في أنها رأت أحياء شعبية بمكة. هذا صحيح. مكة — كباقي مدن العالم من القاهرة إلى نيويورك — تحوي أحياء ثرية وأخرى شعبية. والأحياء الشعبية في مكة لها قصة مختلفة تمامًا عما تتصوره فتاتنا الباحثة: كثيرٌ منها يسكنها عمالة مخالفة ومتخلفون عن العمرة رفضوا المغادرة وهم ينتظرون موسم الحج بطريقة غير نظامية1. هؤلاء لم يدفعوا شيئاً للدولة، بل هم على العكس يُكلّفونها جهداً أمنياً. فهل يُعقل أن تُبنى لهم فندق بخمسة نجوم؟
أما المليارات التي تسأل عنها فتاتنا، فلو تفضّلت بالبحث قبل البث، لعلمت أن المملكة العربية السعودية تنفّذ مخططاً تطويرياً شاملاً لمكة المكرمة بتكلفة 723 مليار ريال2، وأن هناك مشروع "مسار مكة" وحده بقيمة 26 مليار دولار لتحويل طريق الحرم إلى ممشى حضاري متكامل من فنادق ومتنزهات وأسواق3. وأن المملكة تُنفق على خدمة الحجاج أضعاف ما تجنيه من موسم الحج، وأن ما يُجنى أصلاً يذهب في معظمه إلى شركات القطاع الخاص من فنادق ونقل وتموين، ولا يدخل خزينة الدولة شيء يُذكر4.
بمعنى آخر: المليارات موجودة. والمليارات تُصرف. لكنها ذهبت إلى مشاريع لا يمكن رؤيتها من زاوية هاتف تلفزيوني مُصوَّب نحو أقرب حارة شعبية.
أما المليارات التي تسأل عنها فتاتنا، فلو تفضّلت بالبحث قبل البث، لعلمت أن المملكة العربية السعودية تنفّذ مخططاً تطويرياً شاملاً لمكة المكرمة بتكلفة 723 مليار ريال2، وأن هناك مشروع "مسار مكة" وحده بقيمة 26 مليار دولار لتحويل طريق الحرم إلى ممشى حضاري متكامل من فنادق ومتنزهات وأسواق3. وأن المملكة تُنفق على خدمة الحجاج أضعاف ما تجنيه من موسم الحج، وأن ما يُجنى أصلاً يذهب في معظمه إلى شركات القطاع الخاص من فنادق ونقل وتموين، ولا يدخل خزينة الدولة شيء يُذكر4.
بمعنى آخر: المليارات موجودة. والمليارات تُصرف. لكنها ذهبت إلى مشاريع لا يمكن رؤيتها من زاوية هاتف تلفزيوني مُصوَّب نحو أقرب حارة شعبية.
## ثالثاً: المتفائل يتدخل
قال المتفائل ذات يوم: "إن أسهل طريقة للتشكيك في الإجابة، أن تُصيغ السؤال بشكل يستحيل معه أي جواب مُقنع."
وهذا بالضبط ما فعلته فتاتنا. إذ قدّمت مشهداً انتقائياً ـ حارة شعبية مُختارة بعناية ـ وطرحت سؤالاً مُحمّلاً بالاتهام المسبق، في حين كانت على بُعد كيلومترات قليلة من أحد أضخم مشاريع البنية التحتية الدينية في تاريخ البشرية. كان يكفي أن ترفع عينها عن الشارع الضيق وتنظر نحو المسجد الحرام لترى قِبلة المسلمين محاطة بأبراج وفنادق وجسور ومترو أنفاق، كلّها بُنيت من الأموال التي تسأل عنها.
لكن — وهنا يضحك المتفائل من قبره — لقطة الفندق الفارهة لا تحصد "لايكات"، أما لقطة الحارة المتهالكة فتحصد آلاف المتابعين.
وهذا بالضبط ما فعلته فتاتنا. إذ قدّمت مشهداً انتقائياً ـ حارة شعبية مُختارة بعناية ـ وطرحت سؤالاً مُحمّلاً بالاتهام المسبق، في حين كانت على بُعد كيلومترات قليلة من أحد أضخم مشاريع البنية التحتية الدينية في تاريخ البشرية. كان يكفي أن ترفع عينها عن الشارع الضيق وتنظر نحو المسجد الحرام لترى قِبلة المسلمين محاطة بأبراج وفنادق وجسور ومترو أنفاق، كلّها بُنيت من الأموال التي تسأل عنها.
لكن — وهنا يضحك المتفائل من قبره — لقطة الفندق الفارهة لا تحصد "لايكات"، أما لقطة الحارة المتهالكة فتحصد آلاف المتابعين.
## رابعاً: الثلاثمئة دولار والقضية الكبرى
ثلاثمئة دولار للتأشيرة. هذا هو الجرح النازف. هذه هي الجريمة بحق الحضارة الإسلامية.
لنتأمل قليلاً: تأشيرة الولايات المتحدة تكلّف نحو 185 دولاراً، وقد ترفض طلبك بعدها دون إبداء أسباب. تأشيرة شنغن الأوروبية تكلّف 80 يورو، وتشترط عليك إثبات حسابك البنكي وتأمين سفرك وفندقك وسيرتك الذاتية. أما تأشيرة العمرة السعودية البالغة 300 دولار، فهي تفتح لك أبواب المدينة الأقدس على وجه الأرض، مع خدمات أمنية ولوجستية تُدار لخمسة وعشرين مليون زائر سنوياً. بالمقارنة، 300 دولار تبدو كصدقة جارية لا كرسوم دخول.
لكن — ولا بأس بالصراحة — لو كانت التأشيرة مجانية، لكان السؤال: "لماذا لا تُنفقون على تجميل الأحياء الشعبية؟!"
المنطق الاستنكاري لا يحتاج إلى أرقام؛ يحتاج فقط إلى كاميرا وجرأة على الاستنكار.
لنتأمل قليلاً: تأشيرة الولايات المتحدة تكلّف نحو 185 دولاراً، وقد ترفض طلبك بعدها دون إبداء أسباب. تأشيرة شنغن الأوروبية تكلّف 80 يورو، وتشترط عليك إثبات حسابك البنكي وتأمين سفرك وفندقك وسيرتك الذاتية. أما تأشيرة العمرة السعودية البالغة 300 دولار، فهي تفتح لك أبواب المدينة الأقدس على وجه الأرض، مع خدمات أمنية ولوجستية تُدار لخمسة وعشرين مليون زائر سنوياً. بالمقارنة، 300 دولار تبدو كصدقة جارية لا كرسوم دخول.
لكن — ولا بأس بالصراحة — لو كانت التأشيرة مجانية، لكان السؤال: "لماذا لا تُنفقون على تجميل الأحياء الشعبية؟!"
المنطق الاستنكاري لا يحتاج إلى أرقام؛ يحتاج فقط إلى كاميرا وجرأة على الاستنكار.
## خامساً: الرد الذي لا يحتاج إلى تأشيرة
أيتها الزائرة الكريمة من تونس، دعينا نُبادلك الصراحة بالصراحة:
أولاً: أنتِ لم تدفعي "للحج". دفعتِ لـ"العمرة" وهي شعيرة مستقلة تمامًا، ومليارات الحج شيء آخر. هذا خلط مفاهيمي لا يُعفى منه.
ثانياً: الحارة الشعبية التي زرتِها ليست ممثّلةً للمشروع التطويري لمكة، تماماً كما أن حارة بولاق في القاهرة ليست ممثّلةً لعقود الناتو مع مصر.
ثالثاً: الاستنكار عبر التيك توك ليس صحافةً استقصائية. الصحافة الاستقصائية تبدأ بالرقم، ثم تسأل عن المسار، ثم تُقارن، ثم تستنتج. أما التوقف أمام حارة وقول "أين المليارات" فهو — بتعبير المتفائل — كالرجل الذي يزور مستشفى ويُصوّر غرفة التنظيف ثم يسأل: "أين جهاز الأشعة؟"
رابعاً: إن كنتِ قلقةً حقاً على أموال المسلمين، فابحثي عن البنية التحتية لمكة بالأرقام: 723 مليار ريال في مشاريع إعمار شامل2، و100 مليار دولار في أحدث مشروع للتوسعة4، و26 مليار دولار في مشروع مسار مكة وحده3. ثم اسأل نفسك: هل كان يُمكن بناء ذلك كله من ثلاثمئة دولار مضروبة في عدد المعتمرين؟
## خاتمة: حكمة المتفائل الأخيرة
قال المتفائل: "من الأسهل أن تُخدع الناس، من أن تُقنعهم بأنهم خُدعوا."
لكنني أُضيف: ومن الأصعب على كاميرا الهاتف أن ترصد 723 مليار ريال من المشاريع، بينما هي ماهرة جداً في رصد الشارع الضيق الذي يبدأ وينتهي في نفس اللحظة التي تنتهي فيها البطارية.
اذهبي بسلام أيتها السائحة الغاضبة، وارجعي لتتأملي برج ساعة مكة الأعلى في العالم، ومترو مكة الذي لا نظير له، والمسجد الحرام الذي يتسع لملايين في آنٍ واحد. كلّ هذا بُني لكِ ولأمثالك.
وإن لم تُعجبك الأحياء الشعبية، فاعلمي أن الحضارات لا تُبنى بالتأشيرات؛ بل تُبنى بالصبر — وهو ما يُمارسه ضيوف الرحمن منذ أربعة عشر قرناً.
لكنني أُضيف: ومن الأصعب على كاميرا الهاتف أن ترصد 723 مليار ريال من المشاريع، بينما هي ماهرة جداً في رصد الشارع الضيق الذي يبدأ وينتهي في نفس اللحظة التي تنتهي فيها البطارية.
اذهبي بسلام أيتها السائحة الغاضبة، وارجعي لتتأملي برج ساعة مكة الأعلى في العالم، ومترو مكة الذي لا نظير له، والمسجد الحرام الذي يتسع لملايين في آنٍ واحد. كلّ هذا بُني لكِ ولأمثالك.
وإن لم تُعجبك الأحياء الشعبية، فاعلمي أن الحضارات لا تُبنى بالتأشيرات؛ بل تُبنى بالصبر — وهو ما يُمارسه ضيوف الرحمن منذ أربعة عشر قرناً.
— مقال من إعداد المتفائل
📌 الأرقام التي لم تبحث عنها
| المشروع | التكلفة |
|---|---|
| المخطط الشامل لمكة المكرمة2 | 723 مليار ريال |
| مشروع مسار مكة (Masar Makkah)3 | 26 مليار دولار |
| آخر توسعة للمشاعر المقدسة4 | أكثر من 100 مليار دولار |
| تكلفة النقل العام بمكة وحده5 | 62 مليار ريال |
| هدف عدد الزوار 20303 | 30 مليون حاج ومعتمر سنوياً |
الهوامش والمراجع
1
تقارير عن الأحياء العشوائية في مكة وارتباط بعضها بالعمالة المخالفة والمتخلفين عن العمرة، مع مادة إضافية عن تسويق تأشيرات الزيارة والعمرة لأداء الحج:
https://www.alriyadh.com/228036
https://alriyadh.com/2075298
https://www.alriyadh.com/228036
https://alriyadh.com/2075298
2
تقارير عن تكلفة المخطط الشامل لمكة المكرمة البالغة 723 مليار ريال:
https://www.aleqt.com/2012/08/16/article_683737.html
رابط تقرير جريدة الآن
https://www.aleqt.com/2012/08/16/article_683737.html
رابط تقرير جريدة الآن
3
تقارير عن مشروع "مسار مكة" وتقدير قيمته بـ 26 مليار دولار، مع الإشارة إلى أهداف رفع الطاقة الاستيعابية والزوار:
https://finance-commerce.com/2023/07/saudi-arabia-plans-26b-infrastructure-project-to-boost-tourism-to-mecca/
https://saudi.tpg.media/26-billion-infrastructure-project-to-boost-tourism-to-makkah/
https://finance-commerce.com/2023/07/saudi-arabia-plans-26b-infrastructure-project-to-boost-tourism-to-mecca/
https://saudi.tpg.media/26-billion-infrastructure-project-to-boost-tourism-to-makkah/
4
مواد إعلامية تناولت حجم الإنفاق والمشروعات الكبرى المرتبطة بخدمة الحجاج والمعتمرين:
https://www.youtube.com/watch?v=xk12wDPzDA4
https://www.youtube.com/watch?v=BqsEYqOdPEQ
https://www.youtube.com/watch?v=xk12wDPzDA4
https://www.youtube.com/watch?v=BqsEYqOdPEQ
5
تقرير عن إعمار مكة المكرمة ومشروعات النقل العام، ومن بينها رقم 62 مليار ريال:
https://www.alwatan.com.sa/article/224273
https://www.alwatan.com.sa/article/224273
تعليقات
إرسال تعليق