من صنع داعش في العراق؟!
داعش والسعودية: كذبة تحتاج جرأة غير عادية
تفنيد موثّق للأسطورة الأكثر تداولاً في مصنع الخطاب الإيراني
بقلم: المتفائل
ثمة كذبة تُتداول في أروقة الخطاب الإيراني وأبواق وكلائه بانتظام رهيب، كأنها راتب شهري لا يتأخر: "السعودية هي من أرسلت داعش وموّلتها وصنعتها." تُقال هذه الجملة بنبرة المُتيقِّن، وتُشاع بحرارة المُوقِن، وتُردَّد بثقة مَن يعلم أن جمهوره لن يسأل، ولن يبحث، ولن يتعب نفسه بمراجعة سجلات التاريخ.
لكن التاريخ — خلافاً لما يظن مُطلقو هذه الكذبة — لا يُحرق. يُدفن أحياناً، ويُغطّى بطبقات من الضجيج الإعلامي، لكنه يبقى في الأرض ينتظر أول مَن يحمل مسحاة ويجرؤ على الحفر. وهذا ما سنفعله هنا، بهدوء وبدقة وبلا رحمة.
أولاً: السعودية ضحيّة داعش — لا صانعتها
لنبدأ من حيث يبدأ المنطق: هل يُرسل العاقل مَن يُفجّر مساجده؟ ففي الثاني والعشرين من مايو 2015، فجّر تنظيم داعش مسجداً شيعياً في القطيف بالمنطقة الشرقية للسعودية، فقتل 21 شخصاً وجرح أكثر من خمسين.[1] وبعد أسبوع واحد فقط، فجّر التنظيم ذاته مسجداً آخر في الدمام، وفي أغسطس من العام نفسه استهدف مسجداً في أبها لجنود قوات الأمن السعودية، فقتل 15 شخصاً.[2]
وفي المقابل، لم تقف السعودية مكتوفة الأيدي. فقد اعتقلت أكثر من 1,600 مشتبه بهم من عناصر التنظيم داخل المملكة،[3] وشنّت حملات تطهير ضد رجال دين رفضوا إدانة التنظيم علناً، وأصدرت أحكاماً بالسجن على مواطنين سافروا للقتال معه.[4] وفي أغسطس 2014، تبرّعت السعودية بـ100 مليون دولار للمركز الأممي لمكافحة الإرهاب — في اللحظة التي كان التنظيم فيها يُحقّق مكاسب جغرافية واسعة شمال المملكة.[4]
وفي ديسمبر 2015، شكّلت السعودية تحالفاً إسلامياً لمكافحة الإرهاب ضمّ 34 دولة ذات أغلبية مسلمة — وكان لافتاً للنظر أن هذا التحالف استثنى إيران والعراق صراحةً.[5] وكما قال المتفائل ذات يوم: "حين يُشكّل الشخص تحالفاً ضد تنظيم ويضرب مساجده الدماء، يصبح اتهامه بأنه صانع ذلك التنظيم أمراً يحتاج إلى جرأة نادرة أو غباء أنادر."
ثانياً: المؤسّس عراقي — من سامراء لا من الرياض
إبراهيم عوّاد إبراهيم علي البدري — الذي عرفه العالم لاحقاً بـ"أبو بكر البغدادي" — وُلد في مدينة سامراء شمال بغداد في الثامن والعشرين من يوليو 1971.[6] درس في جامعة بغداد، وحصل على شهاداته في الدراسات الإسلامية من جامعة صدام للدراسات الإسلامية في العاصمة العراقية ذاتها.[7] رجل عراقي، نشأ في عراق، تعلّم في عراق، تطرّف في عراق — ولم يطأ قدمه أرض السعودية في أي محطة من محطات صعوده المرعبة.
وحين يقول المرء إن البغدادي عراقي فهو لا يتهم العراقيين — فالعراقي الحقيقي هو الضحية الأولى لهذا التنظيم — بل يُثبت أن الجذر كان عراقياً وليس سعودياً. فقد التحق البغدادي بجماعات مسلحة فور الغزو الأمريكي عام 2003، واعتُقل في مدينة الفلوجة في فبراير 2004 وأُودع معسكر بوكا الأمريكي جنوب العراق.[8] وبعد عشرة أشهر أُطلق سراحه — وكان قد دخل سجيناً مغموراً وخرج بشبكة علاقات ستُعيد رسم خريطة المنطقة.
ثالثاً: المعسكر الأمريكي — المدرسة التي لم يبنِها أحد بالقصد
معسكر بوكا، هذا المجمع الأمريكي الضخم على الحدود الكويتية-العراقية، لم يكن سجناً عادياً. كان "جامعة" بامتياز، ولكن لمادة واحدة فقط: التطرف العملي. احتضن المعسكر قيادات تنظيم القاعدة في العراق والمئات من العناصر المتشددة، وجمع بينهم في مهاجع مشتركة لسنوات طوال.[8] وقد وصفه المعتقلون السابقون لقناة الجزيرة بأنه "مدرسة للقاعدة" حيث كان المتطرفون يُلقون دروساً على السبورة في صناعة المتفجرات وأساليب التفجير الانتحاري على المعتقلين الأصغر سناً.[9]
جيمس سكايلار جيروند، الضابط الأمريكي الذي خدم في بوكا بين 2006 و2007، قال صراحةً: "كثيرون منّا في معسكر بوكا كنا قلقين من أننا لم نكن نحتجز المعتقلين فحسب، بل كنا نصنع غلاية ضغط للتطرف."[9] البغدادي دخل بوكا شخصاً لا يبدو متورطاً في التمرد المسلح، وخرج منها بالاتصالات والنفوذ اللذين مكّناه من تأسيس داعش.[10]
الموقع الذي وُلد فيه داعش، إذن، هو أرض عراقية، في سجن أمريكي، بين معتقلين عراقيين — لا في الرياض، ولا في أي مدينة سعودية على وجه الأرض.
رابعاً: القيادة عراقية — والبعثيون في القلب
لو فتحت هيكل قيادة تنظيم داعش ونظرت في أعماقه، لوجدت وجهاً عراقياً بامتياز. فقد وثّق تقرير أمريكي شامل نشرته صحيفة واشنطن بوست أن "كاد جميع قادة التنظيم كانوا ضباطاً عراقيين سابقين، بمن فيهم أعضاء لجانه العسكرية والأمنية المجهولة، وغالبية أمرائه وولاته".[11]
نائب البغدادي المسؤول عن العمليات في العراق كان "أبو مسلم العفاري التركماني"، وهو ضابط قوات خاصة سابق وعضو في الاستخبارات العسكرية لجيش صدام حسين. ونائبه الثاني المسؤول عن سوريا "أبو علي الأنباري" كان ضابطاً بعثياً آخر.[12] أما الرجل الذي يُنسب إليه الفضل في اختيار البغدادي أصلاً لقيادة التنظيم عام 2010، فهو "حاجي بكر"، عقيد سابق في الحرس الجمهوري لصدام حسين.[12]
بمعنى آخر: داعش لم يكن تنظيماً دينياً متشدداً أصابه حظ عاثر وقاده إلى التطرف، بل كان في جوهره مشروعاً عسكرياً يقوده منظّمون محترفون من خريجي مدارس البعث وأجهزته الاستخباراتية — ورثوا المهارات العملياتية من الجيش العراقي القديم، وألبسوها عباءة دينية لتسهيل التجنيد.
خامساً: الطائفية الإيرانية — المحضن الحقيقي للتطرف
إن كنت تريد فهم لماذا وجد داعش قبولاً شعبياً في بعض المناطق العراقية، فلا تبحث في الصحاري السعودية — ابحث في السجون العراقية الممتلئة بالسنّة، وفي المناطق المحاصرة بالميليشيات، وفي السجل الطويل للإذلال المنظَّم الذي مارسه نظام أيران الطائفي وأذرعه العراقية بعد 2003.
دراسة أكاديمية محكّمة نشرتها مجلة "Journal of Political Science" عام 2025 وثّقت أن "سقوط نظام صدام أدى إلى تفكيك هياكل الدولة، مما أوجد فراغاً في السلطة ضخّم الانقسامات الطائفية والعرقية بين السنّة والشيعة والأكراد، وأجّج العنف الداخلي وأسهم في صعود الجماعات المتطرفة كداعش."[13] وأشارت الدراسة ذاتها إلى أن "دور إيران في العراق تصاعد بشكل ملحوظ بعد 2003، إذ سعت إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي من خلال دعمها للميليشيات الشيعية والأحزاب السياسية، مما أدى إلى تفاقم التوترات الطائفية والإسهام في عدم استقرار البلاد."[13]
ومركز كارنيغي للسلام الدولي وثّق أن الإقصاء السياسي والاقتصادي للسنّة، وقمع احتجاجاتهم السلمية، وحلّ قوات "الصحوة" التي قاتلت ضد القاعدة بالأمس — كانت جميعها المحرّكات الرئيسية لإحياء التطرف من رماده.[14] والمفارقة الكبرى هنا تستحق وقفة: رجال الصحوة — أبناء القبائل السنية الذين تحالفوا مع الأمريكان وقاتلوا القاعدة وأسهموا في هزيمتها عام 2007 — قوبلوا من حكومة المالكي الموالية لإيران بالإهمال أولاً، ثم بالملاحقة الأمنية وتوجيه التهم لهم.[14]
تخيّل أنك ساعدت القوى الأمنية في تطهير حيّك من المجرمين، ثم جاءت تلك القوى واعتقلتك بتهمة الإرهاب — فأي خيار يتبقى أمامك؟ هذا ليس تبريراً لداعش، بل هو شرح علمي لكيفية تصنيع المتطرف في مختبر السياسة الطائفية.
سادساً: الأقليات — الشاهد الصامت الذي يُفنّد الرواية
الطائفية الإيرانية في العراق لم تستهدف السنّة وحدهم. الإيزيديون والمسيحيون والتركمان والشبك والصابئة المندائيون — جميعهم ذاقوا طعم الاضطهاد تحت مشاريع الهيمنة الطائفية. وحين جاء داعش، كان هؤلاء الأقليات منهكين أصلاً من سنوات طويلة من التهميش والإقصاء والترهيب. وما داعش إلا الموجة الثانية من طوفان بدأ في الواقع حين بدأت الميليشيات المدعومة إيرانياً تُقرّر من يستحق البقاء في "العراق الجديد" ومن لا يستحق.
إن سألت مسيحياً عراقياً لماذا هجر بلده، فلن يذكر لك السعودية ولن يذكر لك التمويل الخليجي. سيذكر لك الميليشيات المجهولة التي طرقت بابه ليلاً وأعطته أربعاً وعشرين ساعة للمغادرة أو الدفع أو الموت — وهذه الميليشيات كانت ترفع صور قاسم سليماني، لا صور الملك سلمان.
سابعاً: تركيب الكذبة — أو كيف تُبنى الأسطورة من لا شيء
الكذبة القائلة "السعودية صنعت داعش" تعمل بطريقة معروفة في علم النفس الإعلامي: تأخذ حقيقة جزئية وتُضخّمها حتى تغطي الصورة كاملة. الحقيقة الجزئية هي أن بعض الأفراد السعوديين انضموا للتنظيم — وهذا صحيح، كما انضم أفراد من 80 دولة أخرى، من بلجيكا إلى إندونيسيا.[6] لكن الكذبة تقفز من "بعض السعوديين انضموا" إلى "السعودية حكومةً أرسلتهم" — وهذه القفزة لا تحتاج إلى دليل، بل تحتاج فقط إلى تكرار.
والحقائق الموثقة تقول عكس ذلك تماماً:
- مؤسس التنظيم عراقي، وُلد في سامراء وتعلّم في بغداد.[6]
- قيادته الفعلية كانت من ضباط الجيش العراقي البعثي السابق.[12]
- مهده الذي وُلد فيه كان معسكراً أمريكياً على أرض عراقية.[8]
- البيئة الحاضنة له كانت الطائفية الإيرانية وإقصاء السنّة.[13]
- السعودية استُهدفت بتفجيرات متعددة داخل أراضيها نفّذها التنظيم.[1]
- السعودية اعتقلت أكثر من 1,600 عنصر منه وشكّلت تحالفاً من 34 دولة لمحاربته.[3]
أيّ منطق يجمع بين هذه الوقائع وبين الادعاء بأن السعودية "صنعت" من يفجّر مساجدها ويقتل جنودها؟ إنه النوع من المنطق الذي يعمل فقط في غياب الجمهور الذي يقرأ.
خاتمة: الكذبة المريحة والحقيقة الصعبة
الكذبة مريحة لأنها تعطي جواباً جاهزاً بلا تفكير: "المشكلة ليست فينا، المشكلة في السعودية." وهذا الجواب مفيد لكل من يريد صرف الأنظار عن السؤال الحقيقي: من حوّل العراق بعد 2003 إلى مختبر للطائفية؟ من أقصى السنّة وسجنهم وأذلّهم حتى وجدوا في داعش ملاذاً مقابل لا ملاذ؟ من استثمر في الفوضى وباع الحلول بعد أن صنع المشكلة؟
الأجوبة ليست في الرياض. الأجوبة في طهران وفي المنطقة الخضراء ببغداد، وفي سجلات الميليشيات التي كانت تُصفّي الخصوم باسم "مكافحة الإرهاب" قبل أن يوجد داعش بسنوات طويلة.
وكما قال المتفائل: "الكذبة الكبيرة لا تُعاش في الظلام — بل تعيش في الضوضاء. وأفضل رد على الضوضاء ليس ضوضاءً مضادة، بل صمت الوثيقة ووضوح الدليل."
الهوامش والمراجع
[1] ويكيبيديا — تفجيرات مساجد القطيف والدمام 2015: هجمات داعش المتعددة على الأراضي السعودية.
https://en.wikipedia.org/wiki/Qatif_and_Dammam_mosque_bombings
[2] ويكيبيديا — تفجيرات السعودية 2016: سرد كامل لهجمات التنظيم على الأراضي السعودية بين 2015 و2016.
https://en.wikipedia.org/wiki/2016_Saudi_Arabia_bombings
[3] معهد بروكينغز — العلاقة الأمريكية السعودية في مكافحة الإرهاب: تقرير يوثق اعتقال 1,600+ مشتبه به وتجميد خلايا التنظيم داخل المملكة.
https://www.brookings.edu/articles/the-u-s-saudi-arabia-counterterrorism-relationship/
[4] معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى — الحرب السعودية المتطورة على الإرهاب: يوثق التبرع بـ100 مليون دولار للأمم المتحدة وملاحقة العلماء الذين رفضوا إدانة التنظيم.
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/saudi-arabias-shifting-war-terror
[5] الجزيرة الإنجليزية — السعودية تشكّل تحالفاً إسلامياً لمكافحة الإرهاب: تقرير يوثق إطلاق تحالف الـ34 دولة في ديسمبر 2015 واستثناء إيران والعراق منه.
https://www.aljazeera.com/news/2015/12/15/saudi-arabia-forms-muslim-anti-terrorism-coalition
[6] موسوعة بريتانيكا — أبو بكر البغدادي: السيرة الكاملة لمؤسس داعش، مولده في سامراء 1971 ودراسته في بغداد.
https://www.britannica.com/biography/Abu-Bakr-al-Baghdadi
[7] مركز ويلسون — الجدول الزمني لحياة ووفاة أبو بكر البغدادي: تسلسل زمني دقيق لمراحل تطرفه من الدراسة في بغداد حتى إعلان "الخلافة".
https://www.wilsoncenter.org/article/timeline-the-life-and-death-abu-bakr-al-baghdadi
[8] موقع Lawfare — داعش وُلد في منشأة احتجاز أمريكية: تقرير معمّق حول دور معسكر بوكا في تشكّل شبكة قيادة التنظيم.
https://www.lawfaremedia.org/article/isis-was-born-american-detention-facility-and-it-wasnt-gitmo
[9] Mother Jones — هل جرى تطرف زعيم داعش في سجن أمريكي؟: شهادة ضابط أمريكي سابق في بوكا وتصريحاته الموثقة عن "غلاية الضغط".
https://www.motherjones.com/politics/2014/07/was-camp-bucca-pressure-cooker-extremism/
[10] مركز سوفان — تفادي معسكر بوكا التالي: تقرير تحليلي حول آليات التطرف داخل مرافق الاحتجاز الجماعي.
https://thesoufancenter.org/intelbrief-avoiding-the-next-camp-bucca/
[11] صحيفة واشنطن بوست — ضباط بعثيون عراقيون في قلب داعش: تحقيق معمّق يكشف أن جميع قادة التنظيم تقريباً كانوا ضباطاً عراقيين سابقين.
http://warincontext.org/2015/04/05/the-iraqi-former-baathist-army-officers-at-the-core-of-isis/
[12] معهد الدراسات الكردية — كيف يُغذّي جنود صدام السابقون صعود داعش: تقرير يوثق أدوار حاجي بكر والنائبين البعثيين في الهيكل القيادي للتنظيم.
https://www.institutkurde.org/info/how-saddamss-former-soldiers-are-fueling-the-rise-of-isis-1232550835
[13] مجلة علوم سياسية محكّمة 2025 — الطائفية والصراع العرقي في العراق: علاقات إيران والعراق بعد 2003. دراسة أكاديمية توثق كيف أشعل الدعم الإيراني للميليشيات فتيل التوترات الطائفية.
https://www.journalofpoliticalscience.com/archives/2025.v7.i10.C.732
[14] مركز كارنيغي للسلام الدولي — الأزمة الطائفية في العراق: إرث الإقصاء. يوثق تفصيلياً كيف أدى حلّ الصحوة وملاحقة السنّة إلى إحياء التطرف.
https://carnegieendowment.org/research/2014/04/iraqs-sectarian-crisis-a-legacy-of-exclusion
تعليقات
إرسال تعليق