مصري يشمت بدول الخليج

نحن حُمَاة الخليج... بعد سقوط أمريكا... وبعد الغداء

تحليلٌ نفسيٌّ واستراتيجيٌّ في ظاهرة الشماتة المُعلَّبة

إعداد: المتفائل


وصلني بالأمس خبرٌ يستحق أن يُنقَش في الرخام، بل أن يُحفَر في جبهة التاريخ حتى لا تنساه الأجيال: أن ثمّة مواطناً مصرياً شريفاً، مطّلعاً على خرائط الحضارة ومسارات السياسة الكونية، صرّح بكل ثقةِ من يملك الحقيقة ومفاتيحها أن انهيار أمريكا سيُفسح المجال لمصر كي تعود إلى دورها الطبيعي في إدارة دول الخليج وحمايتها.

توقّفتُ عند هذه الجملة طويلاً. ليس لأنها خاطئة فحسب، بل لأنها تعكس جمالاً فكرياً نادراً: أن يُحلّل المرء المستقبل بعقلٍ مرتهنٌ في الحاضر بالديون، مشغولٌ في الماضي بالأمجاد. إنه فنٌّ لا يُتقنه إلا خبراء التريندات.

الحليف الذي لا يُعلَن عنه

لنبدأ بما لا يُروَى في التريندات: منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979، تتلقّى مصر معونةً عسكريةً أمريكية ثابتة لا تنقطع ولا تتأخر، تبلغ 1.3 مليار دولار سنوياً، مضافاً إليها 815 مليون دولار مساعداتٍ اقتصادية، أي ما يزيد على 2.1 مليار دولار في العام الواحد [1]. وعلى مدى أربعة عقود، تجاوز مجموع ما حصلت عليه مصر من المساعدات العسكرية الأمريكية وحدها 40 مليار دولار [2]. والأجمل من كل ذلك، أن هذه المساعدات تُموّل 80% من ميزانية مصر السنوية للتسليح [2].

أعيد الجملة الأخيرة برفقٍ حتى تصل: 80% من قدرة الجيش المصري على شراء الأسلحة تأتي من جيب واشنطن. أي أن ذلك الجيش الذي سيحمي الخليج بعد سقوط أمريكا، لا يستطيع الشراءَ من السوبرماركت العسكري دون فيزا أمريكية.

وفي عام 2024 وحده، وافقت الخارجية الأمريكية على صفقات تسليح لمصر بلغت 5.35 مليار دولار [3]. هذا يعني أن المنظومة العسكرية المصرية مصنوعةٌ في أمريكا، مُموَّلة من أمريكا، ومُصانة بتكنيكيّين أمريكيين. حين تنهار أمريكا — وهو افتراضٌ أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى التحليل السياسي — فإن الطائرات المصرية لن تجد قطعَ غيارها، ولن تجد التمويلَ لاستبدالها. ولكنْ لا بأس، ربما يُطلق الجيشُ المصري صواريخَ من الفول.

التحالف السري الذي يُصفَّق له في الخفاء

ننتقل الآن إلى ما هو أشدّ إحراجاً: العلاقة مع إسرائيل.

ليست هذه مجرد "معاهدة سلامٍ باردة" كما يُوصَف الأمر رسميًا. فمنذ وصول الرئيس السيسي إلى السلطة عام 2013، تحوّلت العلاقات المصرية الإسرائيلية إلى تعاونٍ أمنيٍّ واستخباراتي موصوف بأنه "دافئ" بامتياز [4]. إسرائيل تُساعد مصر في مكافحة الجماعات الجهادية في سيناء، واستخدمت طائراتها في مهماتٍ داخل الأراضي المصرية بموافقةٍ مصرية كاملة. والأجمل؟ أن اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس الأمريكي يضغط كل عامٍ للحفاظ على المساعدات العسكرية لمصر وعدم تعليقها [4].

بمعنىً أوضح: إسرائيل تُدافع عن استمرار تمويل أمريكا للجيش المصري. أو كما يقول المنطق الصريح: مصر تعيش في ظلّ اتفاقٍ ثلاثي؛ تموّله أمريكا، وتُبقيه إسرائيل، ويُزيّنه الخطابُ القومي للاستهلاك المحلي.

أما على صعيد التجارة والاقتصاد والتواصل السياسي، فالعلاقات المصرية الإسرائيلية تكفلها اتفاقية كامب ديفيد نصًا صريحًا يشمل: "علاقاتٍ دبلوماسية واقتصادية وثقافية كاملة، وإنهاء المقاطعة الاقتصادية، وحرية حركة البضائع والأشخاص" [5]. ومع ذلك يُغرّد أصحابُ التريند عن عار التطبيع الخليجي ويشمتون في من يستهدفه الصواريخ.

التحليل النفسي: لماذا الشماتة؟

أولاً: جرح النرجسية الجماعية

يُعرّف علماء النفس الاجتماعي الشماتة (Schadenfreude) بأنها تتصاعد حين يشعر الفرد أو المجموعة بتفاوتٍ مؤلم بين صورتهم عن أنفسهم وواقعهم الفعلي. مصرُ العائشةُ في ذاكرة الناصرية ترى نفسَها "القائدة التاريخية" للعالم العربي. لكن الواقع يقول إنها تعتمد على تحويلات العمّال من الخليج لتُوازن ميزانيتها، وعلى أمريكا لتُسلّح جيشها، وعلى صندوق النقد الدولي لتُغطّي ديونها. هذا التناقض المؤلم بين الصورة والواقع يخلق جرحاً نرجسياً مزمناً يبحث عن متنفّسٍ في الشماتة بالآخرين.

ثانياً: الإسقاط الدفاعي

الإسقاط النفسي هو نقلُ ما يُزعج الفرد في نفسه إلى الآخر واتهامه به. الشعبُ الذي يحمله جيشُه بقواعد أمريكية في سيناء، ويعيش تحت حمايةٍ ضمنية لمعاهدة شاركت إسرائيل في صياغتها، لا يستطيع نفسياً احتمال هذه الحقيقة، فيُسقطها على جارٍ آخر ويصرخ: "قواعد أمريكية! عار!" ... بينما القاعدة في بلده منذ 1982 [6].

ثالثاً: وهم استعادة المجد

هذا هو ما يسميه علماء النفس السياسي "الحنين السياسي الانتقائي" — الميل إلى تصوير الماضي بشكل أجمل مما كان. الشخص الذي قال "إذا انهزمت أمريكا ستعود مصر لإدارة الخليج" يعيش في وهم **"الفراغ الذهبي"**: يرى سقوط القوة الكبرى، وينسى أنه هو الحلقة الضعيفة في المعادلة.

رابعاً: الغيرة الاقتصادية المقنّعة

ملايين المصريين يعملون في الخليج ويُرسلون أموالهم إلى بيوتهم، وهم يعيشون تجربة يومية من رؤية الثروة دون امتلاكها. هذا الوضع يُولّد في علم الاجتماع ما يُسمّى "التوتر الحرماني النسبي": الغيرة التي تُغلف بالسخرية لتصبح شماتة. الفول والطعمية هنا مجرد آلية دفاعية ضد الشعور بالعجز الاقتصادي.

حلم "الجيش الحامي"

مصر هي أقوى جيشٍ في أفريقيا وتحتل مرتبة بين أفضل 15 جيشاً عالمياً [7]. لكن هذه القوة قائمة على التمويل الأمريكي الذي يُغطي 80% من تسليحها [2]. الجيش الذي يحمي الخليج يحتاج أولاً استقلالاً مالياً وتسليحاً ذاتياً. جيشٌ تُقرّر واشنطن متى تُرسل له الطائرات ومتى توقف الصيانة لا يُسمى "حامياً"، بل "ملحقاً بالهيكل الأمريكي".

أما الحديث عن "إدارة الخليج"، فهو تجاهل للواقع الاقتصادي: الناتج المحلي للسعودية وحدها يعادل ثلاثة أضعاف نظيره المصري، ودول الخليج تملك احتياطيات واستثمارات تفوق الاقتصاد المصري بعشرات الأضعاف. الإدارة تكون لمن يملك الموارد، لا لمن يعيش على تحويلاتها [8].

خاتمة من المتفائل

كتب المتفائل يوماً: "من الأسهل خداعُ الناس من إقناعهم بأنهم قد خُدعوا." وهذا هو جوهرُ المأساة: حين تشمت بمن يُموّلك وتُسلّح جيشك بماله وتتعاون استخباراتياً مع خصومه ثم ترفع راية السيادة فوق طبق فول.

الشماتة في دول الخليج من قِبَلِ من يعيش على تحويلاتها [8]، ويُسلّح جيشه بأموال أمريكا [1]، ويتعاون استخباراتياً مع إسرائيل [4]، ويستضيف قواتٍ أمريكية [6]، ثم يهتف "فول وطعمية أحسن من قواعد أمريكية" — ليست بطولةً وطنية، بل إنكارٌ مضاعفٌ مغلفٌ بالحماس.

والشعوبُ كالأفراد تماماً: لا تُشفى من جروحها حين تشمت في غيرها، بل حين تنظر في المرآة بلا تزييف وتقرر البناء لا الادعاء. وأما الفول والطعمية، فهما بريئان من هذا كله، وقد كانا يستحقان مقالاً أفضل.


"إن كنتَ ستنتقد الآخرين، فافعل ذلك وأنت واقفٌ على أرضٍ أكثر صلابةً مما تقف عليه." — المتفائل


الهوامش والمراجع

  1. BBC Arabic – المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر (2024)
  2. Washington Institute – U.S. Military Assistance to Egypt
  3. Militarnyi – U.S. to Cut Military Aid to Egypt (2025)
  4. Mitvim Institute – Israel-Egypt Cooperation and Aid Lobby
  5. الجزيرة نت – نص اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل
  6. مجلة البيان – تأثير اتفاقية كامب ديفيد على السيادة المصرية
  7. WarpowerEgypt (2026) – ترتيب الجيش المصري
  8. CNN Arabic – تحويلات المصريين بالخارج تقترب من 30 مليار دولار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي