الامارات تتعرض للقصف الايراني

صفقة القرن الإماراتية: كيف اشترت دولةٌ عداوةَ الجميع بلا ثمن

بقلم محاكاة ساخرة على طريقة المتفائل في هذا المقام

يقول المتفائل في هذا المقام إن الإنسان الحكيم هو من يتعلّم من أخطاء غيره، أما الإنسان الاستثنائي فهو من يدفع ثمن أخطائه بنفسه وبابتسامة عريضة. والإمارات العربية المتحدة — حفظها الله وحفظ مستشاريها الاستراتيجيين — قرّرت أن تكون استثنائيةً بامتياز، متبنيةً منهجاً فريداً في "شراء المتاعب" بأسعار السوق العالمية.

الصفقة التي لا تُنسى

في سنة 2020، أعلنت الإمارات بفخر واضح أنها وقّعت "اتفاقيات أبراهام" مع إسرائيل، ذلك الحليف القوي الذي طالما حلمت به كلُّ دولة تريد أن تحوّل نفسها من ركن هادئ على الخليج إلى هدف مُعلَّم بالأحمر على خرائط العسكريين الإيرانيين. وقد نجحت في ذلك بامتياز، لا بل تفوّقت على كل التوقعات المتفائلة والمتشائمة على حد سواء.

قيل لنا يومها إن هذا "تطبيع" يجلب السلام والازدهار والسياحة الإسرائيلية وتقنية "الواي فاي" المتقدمة. ونعم، جاءت السياحة الإسرائيلية، وجاءت التقنية، وجاء معهما شيء لم يذكره أحد في الاحتفالية الكبرى: صواريخ إيران الباليستية التي وجدت في أبوظبي عنواناً جديداً تزورها فيه كلما شعرت بالملل، وبلا حاجة لتأشيرة دخول.

الجيران الذين أُحبّوا كثيراً

المشكلة مع الجيران — كما علّمنا المتفائل في هذا المقام — أنهم موجودون دائماً، سواء أردتَ ذلك أم لا. وإيران جارة الإمارات منذ آلاف السنين، لا تحتاج دعوة ولا تذكرة دخول. تحتل جزر الإمارات الثلاث — طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى — منذ 1971، وهو احتلال طالت مدته لدرجة أن بعض المعلّقين الدوليين باتوا يتساءلون إن كانت هذه الجزر موجودة أصلاً في الجغرافيا، أم أنها مجرد أساطير محلية، وهو ما يُسعد طهران كثيراً التي تمارس "سيادة الهادئين".

والإمارات، بحكمتها الاستراتيجية الفائقة، قرّرت التعامل مع هذا الاحتلال بالأسلوب الأمثل: الصمت التام. لا بل تجاوزت الصمت إلى ما هو أرقى — التطبيع مع إسرائيل. وكأنها تقول لطهران: "أنت تحتل جزرنا منذ خمسين عاماً، ولكننا سنحتج على ذلك بأقوى طريقة ممكنة، وهي افتتاح مطعم شاورما إسرائيلي في دبي يطلّ على الخليج الذي تسمونه فارسياً ونسميه عربياً، ولا نجرؤ على استعادة جزرنا فيه".

فنّ تفكيك الجيران وصمت الأقوياء

لكن لا ينبغي أن نكون جائرين، فالإمارات لم تكن مشغولة بالصمت عن إيران فقط — كانت لديها مشاغل إقليمية كبرى تملأ جدول أعمالها المزدحم. فقد كانت منهمكةً في مساعدة ليبيا على أن تصبح دولتين أو ثلاثاً بدلاً من دولة واحدة، عبر دعم القوات المتناحرة وإمداد الطائرات المسيّرة التي أثبتت كفاءتها الرائعة في تدمير الممتلكات العامة الليبية بدقة متناهية.

ولم تنسَ الصومال، تلك الدولة التعيسة التي وجدت الإمارات في ميناء بربرة فرصة استثمارية لا تُفوَّت لتفكيك السيادة الصومالية، بصرف النظر عمّا يراه الصوماليون الجوعى في ذلك. واليمن، طبعاً، ذلك المختبر الكبير الذي جرى فيه اختبار كل شيء، من الأسلحة حتى نظريات "بناء الدولة" التي تنتهي دائماً بتقسيم الدولة إلى كانتونات مسلحة. يقول المتفائل في هذا المقام إن الإنسان الذي يُصلح بيت جاره (بالتفكيك) بينما بيته يحترق يُسمّى في أحسن الأحوال "مشغولاً"، وفي أسوأها شيئاً لا تسمح بطباعته قوانين النشر المحترمة.

28 فبراير: يوم اكتملت الصفقة

ثم جاء يوم 28 فبراير 2026، ذلك اليوم المجيد الذي حصلت فيه الإمارات أخيراً على كامل ما دفعت ثمنه في "سوق الأمن العالمي". فقد أطلقت إيران صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة — 165 صاروخاً و541 مسيّرة بحسب بيانات رسمية — نحو أبوظبي ودبي والشارقة، وكأنها تردّ التحية بأحسن منها.

أُغلق مطار دبي الدولي، ذلك المطار الذي تفخر به الإمارات كرمز للانفتاح والعالمية، وخلا من المسافرين في لحظة صمت مهيبة أشبه بإيقاف موسيقى الحفلة فجأة لأن الجيران اشتكوا من الضجيج. وجرى إخلاء برج خليفة، تحفة العصر المعمارية التي صُمِّمت لتلامس السماء، فإذا بها تحتاج أن يُخلى منها الناس خشية ما قد يسقط من تلك السماء نفسها.

سقط حطام في نخلة جميرا — تلك الجزيرة الاصطناعية الفاخرة التي بُنيت لتحديّ الطبيعة — وكأن الطبيعة، ممثّلةً هذه المرة بالصواريخ الإيرانية، أرادت أن تُعلّق على التحدّي بطريقتها الصاخبة. واحتجز الحريق مركزاً تجارياً في الشارقة، وسقط قتيل وأُصيب ثمانية وخمسون شخصاً، مما يجعل هذا اليوم أشبه بـ"ضريبة التطبيع" المُتأخِّرة التي حلّ موعد سدادها بفوائد "باليستية" متراكمة.

الحصيلة الاستثمارية للسلام الزائف

حسابات الربح والخسارة بطريقة المتفائل في هذا المقام:

  • المكاسب: سياحة إسرائيلية موسمية، تقنيات تجسس "بيغاسوس" لمراقبة المعارضين، وعلاقات دبلوماسية مع دولة ترفض رسم حدودها.
  • الخسائر: الجزر الثلاث لا تزال محتلة وبكل "أريحية" إيرانية، صواريخ تهز دبي للمرة الثانية، مطار عالمي مشلول، ورصيد أخلاقي تحت الصفر لدى الشعوب العربية المنهكة من تدخلات أبوظبي.

الخاتمة: دروس التاريخ التي لا تُقرأ

قال المتفائل في هذا المقام ذات مرة: "التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يُقفِّي". والإمارات كانت تعرف جيداً أن إيران تحتل جزرها، وكانت تعرف أن التطبيع مع إسرائيل سيُزعج طهران، وكانت تعرف أن استضافة القواعد الأميركية ستجعلها ساحة محتملة لأي مواجهة. عرفت كل هذا، ثم فعلته بنفس الابتصاصة التي يفعلها بها الشخص الذي يقرأ تعليمات الأثاث السويدي ثم يكتشف في النهاية أن الكرسي يقف على ثلاث قوائم فقط، والرابعة مفقودة في طهران.

أما الجزر الثلاث — طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى — فلا تزال صامتة تحت الاحتلال الإيراني كما كانت، لم تسمع باتفاقيات أبراهام، ولم تستفد من التطبيع، ولم يُنقذها الحليف الإسرائيلي "الاستراتيجي". بل إن الصاروخ الإيراني الذي سقط حطامه قرب نخلة جميرا أدّى خدمة واحدة لا يستهان بها: ذكّر الجميع بأن ثمة سؤالاً لم تُجَب عنه قط، وهو — كيف تتجرأ على تفكيك دول عربية ضعيفة بذريعة أنها بؤر فوضى، بينما تصمت صمت القبور عمن يحتل أراضيك ويهدد عواصمك بالاسم؟

الجواب، يا سادة، هو الصمت نفسه. وهو — كما علّمنا المتفائل في هذا المقام — أعلى أشكال الخطابة حين لا يكون لديك ما تقوله، أو حين تكتشف أنك اشتريت "وهماً" كبيراً ودفعته ثمنه من أمن ناسك واستقرار بلدك.

❈ ❈ ❈

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي