كيف صنعت ايران داعش 2014 ؟
داعش وإيران: حين يُصبح الإرهاب هديةً استراتيجية
كيف حوّل تنظيم داعش النفوذَ الإيرانيَّ في العراق من ظاهرة سياسية إلى مؤسسة عسكرية دائمة
هذا الفصل من التاريخ هو الأكثر تعقيداً والأشد خطورة في فهم المشهد العراقي-الإيراني، لأنه الفصل الذي حوّل النفوذ الإيراني من ظاهرة سياسية إلى مؤسسة عسكرية دائمة داخل الدولة العراقية.
المشهد قبل يونيو 2014
بعد الانسحاب الأمريكي الكامل عام 2011، بقي الجيش العراقي ضعيفاً مُفككاً يعاني من ثلاث مشكلات متراكمة[1]:
- ◆ الفساد البنيوي: رواتب مئة ألف "جندي وهمي" تُسرق شهرياً، والوحدات على الورق لا على الأرض.
- ◆ الإقصاء الطائفي: ضباط سنة ذوو خبرة مُطردون بسبب اجتثاث البعث، وتعيين ضباط شيعة بالولاء لا بالكفاءة.
- ◆ انعدام الروح القتالية: جيش يُقاتل لأجل حكومة طائفية لا يثق بها نصف المواطنين.
سقوط الموصل — اللغز الكبير
في يونيو 2014، اجتاحت قوات داعش — لا يتجاوز عددها 1500 مقاتل — مدينة الموصل التي كان يحميها 60 ألف جندي عراقي نظامي فانهاروا في ساعات، وتركوا خلفهم أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات[2]. طرح هذا السقوطُ المثيرُ للريبة تساؤلات ضخمة لم تُجَب عنها حتى اليوم:
الباحثون في معهد UANI وثّقوا لاحقاً أن إيران كانت على علم مسبق بمخطط سقوط الموصل، وأن بعض الضباط الموالين لها في الجيش العراقي تعمّدوا الانسحاب لإفساح المجال أمام الأزمة التي ستُعطي إيران مبرراً للتدخل العسكري الكامل[3].
ساعات قليلة بعد السقوط: سليماني يصل قبل الجميع
حين لم تتعافَ بعد صدمة سقوط الموصل، كان قاسم سليماني قد وصل بالفعل إلى بغداد وبدأ اجتماعاته مع المسؤولين العراقيين[4]. لم يكن ذلك ارتجالاً، بل كانت الخطة جاهزة:
- ◆ أصدر مرجع الدين علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي التي دعت العراقيين للتطوع، وكانت إيران تعرف مضمونها قبل إعلانها[5].
- ◆ في ساعات قليلة، استدعى سليماني الميليشيات الإيرانية الموجودة في سوريا وأعاد توجيهها نحو العراق فوراً[6].
- ◆ أُعلن تأسيس الحشد الشعبي رسمياً بغطاء ديني من السيستاني، لكن بقيادة ميدانية إيرانية مباشرة.
هيكل الحشد: الغطاء الوطني والجوهر الإيراني
أعلن الحشد الشعبي رسمياً أنه مؤسسة وطنية عراقية، والحقيقة أكثر تعقيداً[3][7]:
| الطبقة | التوصيف |
|---|---|
| الطبقة الأولى | فصائل إيرانية بالكامل: كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق، كتائب سيد الشهداء — تأتمر بأوامر طهران مباشرة |
| الطبقة الثانية | فصائل ذات ولاء مزدوج للحكومة العراقية وإيران معاً، كفيلق بدر |
| الطبقة الثالثة | فصائل وطنية حقيقية تحت مظلة السيستاني، لكنها الأقل عدداً وتسليحاً |
سليماني نفسه كان يحضر اجتماعات القيادة الميدانية علناً، وتُنشر صوره مع قادة الحشد في معارك تكريت وجرف الصخر والفلوجة والموصل[4].
المفارقة التاريخية: أمريكا وإيران على جبهة واحدة
الموقف الأكثر إحراجاً في تاريخ العلاقة الأمريكية-الإيرانية وقع في الفترة بين 2014 و2017[4][5]:
- ◆ الطيران الحربي الأمريكي يُنفذ غارات جوية.
- ◆ الميليشيات الإيرانية تزحف برياً.
- ◆ كلاهما يُقاتل داعش في الوقت ذاته على الأرض ذاتها.
- ◆ وكلاهما يتظاهر بأنه لا يرى الآخر!
هذا "التنسيق الضمني" أعطى الميليشيات الإيرانية شرعيةً ميدانية لم تكن لتحصل عليها في ظروف أخرى، وحين انتهت معارك داعش عام 2017، كان الحشد قد تحوّل إلى جيش موازٍ رسمي بميزانية من الخزينة العراقية[8].
ما بعد داعش: من الجبهة إلى الدولة
بعد هزيمة داعش عام 2017، كانت المهمة قد انتهت لكن الحشد لم ينتهِ[7]. بدأت مرحلة جديدة أكثر خطورة:
- ◆ اقتصادياً: سيطر الحشد على المنافذ الحدودية وعمليات التهريب ومشاريع إعادة الإعمار.
- ◆ سياسياً: دخل قادته الانتخابات البرلمانية وحصلوا على حقائب وزارية.
- ◆ أمنياً: بدأت فصائله باستهداف القواعد الأمريكية في العراق بطائرات مسيّرة متجاوزةً قرارات الحكومة العراقية.
- ◆ ملاحقة المعارضين: وثّق مركز الرصد الأمني عمليات اغتيال ناشطين عراقيين خرجوا في احتجاجات أكتوبر 2019 بأيدي فصائل الحشد[8].
✦ الخلاصة التحليلية
داعش أعطى إيران ما عجزت عن تحقيقه في عشر سنوات من السياسة والمال: شرعية دينية شعبية، وترخيصاً رسمياً بالتسليح، وتمويلاً من خزينة الدولة العراقية، ووجوداً عسكرياً منتشراً في كامل التراب العراقي — كل ذلك تحت عنوان "محاربة الإرهاب" الذي لا يمكن لأحد أن يعترض عليه علناً[3].
وحين أعلن الحشد الشعبي عام 2016 اندماجه الرسمي في المنظومة الأمنية العراقية بمرسوم حكومي، كانت إيران قد أنجزت ما لم تُنجزه ثماني سنوات من حرب مع صدام: جيشٌ إيراني الولاء يحمل راتبه من بغداد ويتلقى أوامره من طهران.
الهوامش والمصادر
[1] GSDRC — Factors behind the fall of Mosul to ISIL (Daesh) in 2014. gsdrc.org — سقوط الموصل
[2] العين الإخبارية — ما هو الحشد الشعبي وقادته وعلاقته بداعش؟ (2017). al-ain.com — الحشد الشعبي وداعش
[3] UANI — Qassem Soleimani: Tenure as IRGC-Quds Force Commander. unitedagainstnucleariran.com — سليماني وفيلق القدس
[4] ويكيبيديا العربية — التدخل الإيراني في العراق (2014 – الآن). ar.wikipedia.org — التدخل الإيراني في العراق
[5] PBS NewsHour — This Iran-backed militia helped save Iraq from ISIS. Now Washington wants them to disband (2017). pbs.org — الميليشيات الإيرانية وداعش
[6] مركز روابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية — إيران ومليشيات الحشد الشعبي في العراق (2015). rawabetcenter.com — إيران والحشد الشعبي
[7] Just Security — After Soleimani Strike, Iran-Backed Militias Threaten Iraq's Stability (2020). justsecurity.org — الميليشيات بعد سليماني
[8] CTC Sentinel — Soleimani Is Dead: The Road Ahead for Iranian-Backed Militias in Iraq (2020). ctc.westpoint.edu — مستقبل الميليشيات بعد سليماني
تعليقات
إرسال تعليق