تاريخ ما بعد 2003 في العراق

حكاية مدلَّل البيت السحيق

رواية ساخرة من كتاب التاريخ الذي لا يُباع في المكتبات الرسمية

بقلم: المتفائل

تنبيه تحريري: ما يلي ليس افتراءً على التاريخ، بل هو التاريخ نفسه يمشي حافياً بلا خجل. كل ما ستقرأه مدعوم بوثائق وأقوال رسمية — وإن بدا لك الأمر رواية هزلية، فاعلم أن الهزل أحياناً هو الشكل الوحيد الذي يتحمله الواقع.

الفصل الأول: المُدلَّل يُقدِّم خدماته

كان يُمكن لأي قارئ ذكي في التاريخ أن يضع يده على قلبه عام 2003 ويقول: "أيّها العالم، انتظر. شيئاً ما لا يُضحك ويُبكي في الوقت ذاته على وشك الحدوث." لكن العالم — كعادته — كان مشغولاً بمشاهدة الدبابات وهي تدخل بغداد بثقة المُدعوّ الذي أكّد حضوره مسبقاً.

فبينما كانت الدبابات الأمريكية تُجري تمريناً عملياً في التوجّه نحو العراق، كان "مدلَّل البيت السحيق" — ذاك الذي تربّى في أحضان طهران وترعرع على حليب الولاية — يُرتّب أمتعته بهدوء ليكون في استقبال الضيوف القادمين. وليس استقبالاً بالورود فحسب، بل استقبالاً بالخرائط والمعلومات الميدانية وما يستلزمه حفل الترحيب من مساعدة لوجستية.

الحقيقة الموثقة — تلك الفاضحة التي لا يُحبّ أصحابها تناولها على الإفطار — أن الميليشيات المدرَّبة إيرانياً، وفي مقدمتها "فيلق بدر"، عبرت الحدود الإيرانية عام 2003 وأقامت خطوط تواصل مباشرة مع قوات التحالف.[1] وكان قائدها هادي العامري — الرجل الذي يتكلم الفارسية بطلاقة، وهي مهارة نادراً ما يحتاجها القادة العراقيون "الوطنيون" — يعمل وسيطاً رسمياً بين المحتلّ الأمريكي وطهران.[1] وقد جاء في وثائق منشورة أن هذا التعاون لم يكن مفاجئاً، بل خُطِّط له مسبقاً قبل أكثر من عام من الغزو، حين أدرك فيلق بدر وإيران أن عليهم "التعايش مع القوات الأمريكية" داخل العراق ما بعد صدام.[2]

أليست هذه سمة المُدلَّل المُحنَّك؟ أن يعرف متى يُقبِّل يد مَن يكره، ومتى يُصفّق لمَن يشتم علناً. فنّ الإدارة بالوجهين، وهو فنٌّ ارتقى فيه النظام الإيراني إلى مراتب الإعجاز.

الفصل الثاني: المُفتي المُطمئِن — أو كيف تُنزع فتيل المقاومة بالدين

لا يكتمل أي مشروع احتلال ناجح دون غطاء ديني محترم. وهنا يبرز دور المرجع الديني الأعلى للشيعة، السيستاني، الرجل الذي يُقيم في النجف لكنّ خيوطه الأيديولوجية تمتد شرقاً نحو قم.

ففي أبريل 2003، حين كان الجندي العراقي يحك رأسه ويتساءل "هل أُقاتل أم لا؟"، جاءته الإجابة الدينية الحاسمة: لا تُقاتل الأمريكان.[3] وبهذه الفتوى الذهبية التي أتت في توقيت أدقّ من ساعة سويسرية، تحوّلت قوة الاحتلال الأمريكي من غازٍ محتمل المقاومة إلى ضيف يُعامَل بـ"سلام نسبي" من أكبر مكوّن ديموغرافي في العراق.

قال أحدهم في ذلك الوقت إن هذه الفتوى "مُطمئِنة للجميع" لأنها أزالت الالتباس عن مواقف الشيعة[3] — وهي جملة تستحق أن تُحفر في جدران قاعة التاريخ، إذ نادراً ما تجتمع "الطمأنينة" و"الاحتلال الأجنبي" في جملة واحدة دون سابق إنذار.

الفصل الثالث: الشيطان يكنس البيت بعد رحيل الضيوف

حين انتهى الغزو وبدأ "الحكم الذاتي" في العراق، وجد الشعب العراقي نفسه أمام واقع جديد مدهش: الاحتلال الأجنبي ذهب، لكنّ الطائفية جاءت محمولة على أكتاف الوكلاء.

رئيس الوزراء نوري المالكي — ذلك الرجل الذي جُبل على مبدأ "الدولة للطائفة والسجون للبقية" — راح يُحكم قبضته على مفاصل الدولة بأسلوب ما مزج بين بارانويا ستالين وحساسية قبلية مُتضخّمة. فبدأ باعتقال السياسيين السنّة وتوجيه تهم الإرهاب لهم بالجملة دون محاكمات، وأرسل قوات الجيش إلى المناطق السنّية كـ"قوات إعادة نظام" بالمعنى الذي يفهمه فقط مَن أمر بإرسالها.[4] وفي الفترة بين 2011 و2014، اعتُقل آلاف السنّة وقُتل المئات منهم في إعدامات خارج نطاق القضاء على أيدي الميليشيات الشيعية.[5]

يقول المتفائل في مكان ما إنّ "التاريخ لا يُعيد نفسه لكنه يقفز على الإيقاع ذاته." وهنا كان الإيقاع المألوف: شعب مقهور، دولة تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وسجون ممتلئة عن آخرها — وهي الوصفة المُجرَّبة تاريخياً لإنتاج التطرف بالجملة والتجزئة.

الفصل الرابع: داعش — المولود الذي لم يُرِد أحد الاعتراف بأبوّته

من رحم الاضطهاد الطائفي وأرض المهانة المُمنهجة، خرج أبو بكر البغدادي وأعلن "الخلافة." وسارع كثيرون ممن أُعياهم الظلم والتهميش إلى الالتحاق به، ليس حباً في أيديولوجيته العدمية، بل لأن خيار التطرف — مهما بلغت مرارته — كان يبدو لهم أقل مرارة من خيار الاستسلام للإذلال المنظَّم.

صحيفة CBC الكندية كتبت ببساطة لافتة: إن "الحكم القمعي والانتقامي للمالكي، الذي همّش السنّة والأكراد، أدّى دوراً جوهرياً في تدهور الأوضاع الأمنية وصعود المتطرفين السنّة."[4] ووثّق مركز كارنيغي أن "الإقصاء السياسي والاقتصادي للسنّة، وقمع احتجاجاتهم، وحلّ قوات الصحوة" كانت المحرّكات الرئيسية لبعث داعش من رماده.[6]

بمعنى آخر: داعش لم تنزل من السماء، ولم "تُرسلها السعودية" كما يُروَّج في الخطاب المُدلَّلاتي — بل خرجت من مخابر السياسة الطائفية، التي كانت تعمل بتمويل إيراني وإشراف من مهندسي النفوذ في طهران.

الفصل الخامس: طوارئ! طوارئ! المنقذ قادم

حين اتّسعت رقعة داعش وأصبحت تُهدد ما بنته إيران في العراق، انطلقت ماكينة النجدة الإيرانية بسرعة مسرحية لافتة. وهنا نودّ الإشارة إلى أن "إيران المنقذ" كانت حتى ذلك الحين هي "إيران صانع المشكلة" — وهو نوع من الذكاء التجاري النادر الذي يبيع لك الحريق ويبيعك بعد ذلك خرطوم الإطفاء.

وبالفعل، راح المدلَّل يُردّد بشكل قصصي درامي مؤثر: "السعودية أرسلت داعش!"، و"الدول العربية تخلّت عنّا!"، و"لم يساعدنا غير إيران!"[1] وهو خطاب يكتمل حلقاته الدرامية حين تعرف أن الطائرات الأمريكية كانت تُقصف من الجوّ في حين تتقدّم الميليشيات الإيرانية من البرّ — في عملية مشتركة أدّت، في مدينة الموصل وحدها، إلى مقتل ما لا يقل عن 40,000 مدني تحت شعار "تحرير المدن من داعش."[7]

تحرير ينتهي بـ40,000 ضحية مدنية هو نوع من التحرير يحتاج إلى معجم جديد.

الفصل السادس: "الموت لأمريكا" — أو التعويذة التي لها طابقان

والآن نصل إلى قطعة الفسيفساء الأجمل في هذه اللوحة الكاملة: شعار "الموت لأمريكا."

هذا الشعار الذي أطلقه الخميني ورفعه خامنئي أمام جماهير النوروز عام 2015،[8] والذي بات يُرفع في كل مناسبة كأنه نشيد وطني إيراني ثانٍ — هذا الشعار ذاته كانت ترفعه قيادات تتفاوض سراً مع واشنطن، وتُرسل وكلاءها ليعملوا "وسطاء" بين طهران والمحتل الأمريكي في العراق.[1][3]

وكما قال أحد المنتقدين الإيرانيين صراحة: "إذا اعترف النظام بأن شعار 'الموت لأمريكا' كان كذباً، فقد خسر شرعيته بأكملها."[8] فالشعار — بتحليل هادئ — لم يكن سياسة خارجية، بل كان دواءً للاستهلاك الداخلي: يُعطى للشعوب المغلوبة على أمرها لتشعر بأن "ثمة من يُقاوم"، فيما الوكلاء يُحكمون القبضة على دول جيرانهم.

خامنئي نفسه أوضح لاحقاً أن "الموت لأمريكا" يعني "الموت لسياسات أمريكا" لا للشعب الأمريكي.[8] وهو توضيح مُطمئن بلا شك، لكنه يطرح سؤالاً عفوياً: هل الشعار الذي يحتاج تفسيراً رسمياً في عمره الخامس والأربعين هو فعلاً شعار؟ أم أنه... شيء آخر؟

الفصل السابع: اتهام الخليج — أو فنّ إلقاء الحجر وإخفاء اليد

الفصل الأخير في هذه الرواية الكوميدية السوداء هو الأجرأ في اللامنطق: مدلَّل البيت السحيق، الذي رتّب خطوات الاحتلال، ووفّر الغطاء الديني للغازي، ومدّ جسور التواصل بين طهران وواشنطن، وأنتج — بسياساته الطائفية — الحاضنة البشرية لداعش... هذا المدلَّل ذاته يقف اليوم على المنابر يُحاضر في "العمالة" و"الخيانة" ويصف دول الخليج بأنها أدوات أمريكية!

وكما قال المتفائل ذات يوم بما معناه: "في كل مرة تشعر فيها بإغراء محاضرة شخص في أخلاقياته، اسأل نفسك أولاً: ماذا تفعل يداك خلف ظهرك؟"

الأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء: مَن تعاون مع الأمريكان لإسقاط نظام صدام، ومن وفّر لهم الغطاء الطائفي والميداني، هو آخر مَن يحق له استخدام لغة "المقاومة" و"الكرامة" — لأن هذه الكلمات لها معنى، وليست قطعة موسيقية يعزفها كل مَن أراد إلهاء الجمهور.

خاتمة: التاريخ كتبه المنتصرون، والهزل كتبه الشهود

في النهاية، ما هذه القصة إلا صفحة من كتاب طويل لم يُقرأ بعد بشكل كافٍ. كتاب عن دولة أتقنت تصدير الفوضى وبيع الحلول، وعن وكلاء أتقنوا ارتداء العباءات والتبديل بينها حسب المناسبة. كتاب عن شعوب دُفعت إلى الخيارات المستحيلة: إما احتلال أجنبي، وإما ظلم طائفي، وإما تطرف عدمي.

لا الجغرافيا تمحو هذا، ولا الشعارات تُنظّفه، ولا حتى السخرية — رغم أنها على الأقل تُتيح للقارئ أن يضحك قبل أن يبكي.

وكما كتب المتفائل في "سفر الحمقاء": "الفارق بين الحقيقة والخيال هو أن الخيال يحتاج إلى أن يكون مقنعاً."


الهوامش والمراجع

[1] ويكيبيديا — التدخل الإيراني في حرب العراق: الدور الذي اضطلع به فيلق بدر وهادي العامري في التنسيق مع قوات التحالف عام 2003.
https://en.wikipedia.org/wiki/Iranian_involvement_in_the_Iraq_War

[2] معهد هدسون — منظمة بدر: أقدم وكيل إيراني في العراق. تقرير يكشف التاريخ الممتد للتنسيق بين إيران وميليشياتها العراقية وقوات الاحتلال الأمريكي.
https://www.hudson.org/international-organizations/badr-organization-irans-oldest-proxy-iraq

[3] MEPANews — كيف تعاونت إيران مع الغزو الأمريكي: مقال موثق يتناول الدور الإيراني الميداني والديني خلال الغزو، بما فيه فتوى السيستاني بعدم مقاتلة الأمريكان.
https://www.mepanews.com/iran-us-coop-68922h.htm

[4] CBC News — كيف أسهم "القبضة الحديدية" لنوري المالكي في خلق الأزمة في العراق. تقرير صحفي يوثق السياسات الطائفية التي أفضت إلى صعود داعش.
https://www.cbc.ca/news/world/nouri-al-maliki-s-divisive-rule-helped-create-crisis-in-iraq-1.2678343

[5] مجلة رواق عربي (CIHRS) — الطائفية والسلطوية وصعود داعش في العراق. دراسة أكاديمية محكّمة تحلل الجذور البنيوية لظاهرة داعش في سياق الاضطهاد الممنهج.
https://cihrs-rowaq.org/views-sectarianism-authoritarianism-and-the-rise-of-isis-in-iraq/?lang=en

[6] مركز كارنيغي للسلام الدولي — الأزمة الطائفية في العراق: إرث الإقصاء. ورقة بحثية تحلل كيف أدى إقصاء السنّة وحلّ قوات الصحوة إلى إحياء التطرف.
https://carnegieendowment.org/research/2014/04/iraqs-sectarian-crisis-a-legacy-of-exclusion

[7] BBC — "مهمة أنجزت؟": مقال يستعرض النتائج الإنسانية لعمليات "التحرير" المشتركة في الموصل وغيرها.
https://www.bbc.com/news/articles/c1e9yy84we8o

[8] ويكيبيديا — "الموت لأمريكا": تأريخ الشعار ودلالاته وتفسيرات القيادة الإيرانية له على مدى عقود، بما فيها تصريح خامنئي عام 2015.
https://en.wikipedia.org/wiki/Death_to_America

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي