ما هو الدين الذي تدعو اليه الإمارات؟!

الله على الطريقة الإماراتية: كيف تُصنع الأديان في أبوظبي

إعداد: المتفائل


يقولون إن الدين أفيون الشعوب، لكن المتفائل يقول: في أبوظبي، الدين ليس أفيوناً فحسب، بل هو مصنع أدوية مرخَّص، تصنع فيه حكوماتٌ لها مصالح الحبوبَ التي تريد، وتسمّيها "الإسلام المعتدل"، وتوزّعها مجاناً على من يُريد أن يصدّق.

دعني أروي لك قصةً من النوع الذي لا تحتاج فيه إلى أن تكذب، لأن الحقيقة وحدها كافية لإبهارك وإزعاجك في آنٍ معاً.

أولاً: من أين جاءت الفكرة؟

كانت الإمارات قبل عام 2011 دولةً صغيرة تبني ناطحات سحاب وتستورد عمالة. ثم جاء "الربيع العربي" فأيقظ شبحاً في نفس محمد بن زايد: شبح "الإخوان المسلمين" [1].

المسألة ليست دينية في جوهرها، المتفائل يخبرك بصراحة، بل هي معادلة بسيطة: أي جماعة دينية تؤمن بالمشاركة السياسية، وتقول للناس إن لهم الحق في المطالبة بحكوماتهم، هي تهديد وجودي لنظامٍ ملكي لا يُؤمن بالانتخابات ولا بالشعب وهو يحكم [1].

لذلك، لم يكن القرار الإماراتي دينياً، بل أمنياً بالكامل: كيف تحارب الإسلام السياسي دون أن تبدو معادياً للإسلام؟ الحل الجهنمي كان: تصنع إسلاماً آخر.

ثانياً: الصوفية كسلاح

يقول الباحث البريطاني الأكاديمي: "الإمارات مثل القوى الأخرى تستخدم الدين لخدمة سياساتها، لكن فقط بتبنّي نسخة أخرى من الإسلام السياسي" [2].

لكن أيّ نسخة؟ إنها التصوف.

التصوف في تاريخه العريق هو طريق روحي عميق، طريق ابن عربي والجنيد والحلاج، طريق من يبحث عن الله في الداخل لا في السلطة. لكن الإمارات أدركت أن التصوف يحمل ميزةً استراتيجية ذهبية: إنه إسلام لا يسأل عن السياسة [3].

فمنذ عام 2011، انتهجت أبوظبي توظيف التصوف كجزء من الهوية الوطنية الإماراتية، وبدأت دعم الحركات الصوفية دولياً [4]. وكما يقول موقع "ميدل إيست آي" بصراحة مدهشة: "إن ترويج الإمارات للتصوف هو أبعد ما يكون عن العلمانية: إنه يخدم كأرضية أيديولوجية ودينية لسياستها الخارجية العدوانية في المنطقة" [3].

أبلغ من ذلك، يقول المركز العربي في واشنطن بوضوح: "الإمارات تبنّت عدداً من الشخصيات الصوفية وزعمائها، ودعمتهم مالياً، وروّجت لرسالتهم عالمياً" [5].

أما المفارقة الكبرى التي تُضحك المتفائل وتُبكيه معاً، فهي أن الإمارات التي تُروّج للتصوف "المسالم" داخلياً، كانت تُموّل في اليمن جماعات سلفية متشددة على الأرض لتقاتل عوضاً عنها! [6] الدروشة في القاهرة والتكفير في عدن، نعم هذا ممكن إذا كان الدين أداةً لا عقيدة.

ثالثاً: مصانع "الإسلام المعتدل"

لم تكتفِ أبوظبي بالكلام، بل بنت إمبراطورية مؤسسية كاملة لتصدير نسختها من الإسلام:

  • منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة: تأسس في أبوظبي ويعقد مؤتمرات سنوية بحضور علماء من كل أنحاء العالم الإسلامي [7].
  • مجلس حكماء المسلمين: تأسس 2014 في أبوظبي برئاسة شيخ الأزهر أحمد الطيب [8].
  • مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي: المرجعية الدينية الرسمية داخل الدولة [9].
  • وزارة التسامح والتعايش: أُسست عام 2016 ثم سُمّيت بالاسم الكامل عام 2020 [10].
  • مؤسسة طابة للبحث الإسلامي، المُموَّلة إماراتياً، وعضو فيها مفتٍ سابق مؤيد للسيسي [5].

كل هذا البنيان الضخم يخدم هدفاً واحداً: إنتاج إسلام يؤمن بأن مهمة المسلم في الحياة هي العبادة والسكوت، لا المشاركة السياسية والمطالبة بالحقوق [10].

كما تقول مجلة "فورين بوليسي" بصراحة: "مشروع الإسلام المعتدل هو أداة الأنظمة العربية الديكتاتورية للحفاظ على الوضع الراهن" [9][11].

رابعاً: "الوهابية" كلمة سحرية

هنا يصل المتفائل إلى الجوهر الحقيقي للخدعة. لاحظ معي هذه الحيلة اللغوية العبقرية:

الإمارات حين تريد أن تُهاجم أي تيار إسلامي يعارضها، سواء كان الإخوان المسلمين أو أي حركة ذات مرجعية دينية، لا تسمّيه بصراحة خصوماً سياسيين، فذلك سيُظهر وجهها الاستبدادي. بدلاً من ذلك، تُلصق بهم وصف "الوهابي" أو "السلفي المتشدد" أو "التكفيري" [1].

"الوهابية" في هذا السياق لم تعد وصفاً لتيار فكري بعينه، بل أصبحت ختماً مطاطياً يُلصق على كل معارضة دينية وسياسية. وهذا يخدم الإمارات في مستويين:

  • المستوى الأول: يُشوّه خصومها أمام الغرب الذي يرتعش حين يسمع "وهابية" منذ أحداث سبتمبر 2001.
  • المستوى الثاني: يُورّط السعودية، الجارة والمنافس التقليدي، في تهمة "نشر التطرف"، مما يُضعف مكانتها الإسلامية ويُقوّي الإمارات كبديل "المعتدل" [12].

يقول موقع "الواقت": "رغم مساعي الإمارات إلى الترويج لنفسها بأنها دولة علمانية تحارب التشدد على عكس السعودية، فإن الإعلام الغربي قرأ في الإجراءات الإماراتية شيئاً مختلفاً" [12].

خامساً: الدين الإبراهيمي وصفقة القرن

يصل المتفائل إلى ذروة القصة، المشهد الذي يجمع كل الخيوط.

في سبتمبر 2020، وقّعت الإمارات "اتفاقيات أبراهام" مع إسرائيل [13]. لم يكن هذا مجرد تطبيع دبلوماسي، بل كان مشفوعاً بـمشروع ديني-ثقافي يُسمى "الديانة الإبراهيمية" أو "بيت العائلة الإبراهيمية" الذي افتُتح في جزيرة السعديات في أبوظبي [11].

تقول الباحثة ومؤسسة دراسات فلسطين في تحليلها: "اتفاقيات إبراهيم ساهمت في شرعنة الوضع الراهن الذي تريده إسرائيل، حيث حصلت إسرائيل على مزايا التطبيع الاقتصادي والأمني في مقابل ما لم تقم به، لا في مقابل تنازلات للشعب الفلسطيني" [14].

والأخطر من ذلك ما يرصده المحللون في مجلة "البيان": "نحن أمام مشروع أكبر بكثير من سلام بين إسرائيل والإمارات: إنه مشروع لإعادة تعريف الهوية الدينية العربية بما يُزيل الفوارق العقائدية الأساسية بين الإسلام والمسيحية واليهودية" [15].

الإسلام الذي تروّج له الإمارات هو إسلام لا يعترض على التطبيع مع الاحتلال، ولا يرى في الهوية الدينية ما يمنعه من الإدماج مع إسرائيل، ولا يُعبّئ المسلمين دفاعاً عن المسجد الأقصى. أما الإسلام الذي يقول لا لذلك كله، فيسمّونه "وهابياً متطرفاً" [5][16].

سادساً: سجل الحرية الدينية في الداخل

كل هذا "التسامح" للتصدير فحسب. في الداخل، الصورة مختلفة.

منذ عام 2013، اعتُقل 60 عضواً من جمعية "الإصلاح" الإسلامية الإماراتية، ثم صُنّفت منظمة الإخوان المسلمين إرهابية عام 2014 [10]. كما تحظر الحكومة بشدة استغلال الدين في السياسة أو انتقاد النظام باسمه [1].

بعبارة أخرى: "التسامح" في مواجهة التدين المدني الهادئ قائم. لكن أي تدين يمس السياسة أو يشكّك في الحاكم، هو "تطرف" يستوجب السجن.

خاتمة المتفائل

يقول المتفائل: الأديان عميقة وراسخة في الروح الإنسانية. كانت هكذا قبل أبوظبي وستظل بعدها. لكن المؤسف أن دولاً صغيرة ذات ثروات ضخمة ومصالح استراتيجية مع إسرائيل والغرب اكتشفت أن الدين أسهل ما يمكن تشكيله إذا توفّر المال الكافي وأُغلقت السجون.

الإسلام الذي تريده أبوظبي هو إسلام بلا سياسة. والإسلام بلا سياسة، في دنيا اليوم، هو إسلام بلا قضية فلسطين. وهذا بالضبط ما يُريده من يشتري الإسلام بالمال.

"لا تؤاخذ رجلاً على قول ما يعلمه خطأً، لكن آخِذه حين يُزيّن الخطأ ليبيعه للآخرين." ـ المتفائل

الهوامش والمراجع

  1. مركز خليج الأمن: "ترويض العاصفة: لماذا تبنّت الإمارات نهجاً صارماً تجاه الإخوان". [رابط المصدر]
  2. الجزيرة نت: "أكاديمي بريطاني: الإمارات تستغل الصوفية لإيجاد قاعدة"، يناير 2020.
  3. ميدل إيست آي: "On the sinister objectives of Abu Dhabi's crusade against political Islam"، فبراير 2020. [رابط المصدر]
  4. معارف حكمية: "التوظيف السياسي للتصوف"، أبريل 2022.
  5. المركز العربي بواشنطن: "The UAE's Manipulative Utilization of Religion"، أبريل 2021. [رابط المصدر]
  6. الجنوب اليوم: "كيف تقاتل الإمارات بـ السلفيين وتقتلهم؟"، مايو 2018.
  7. منتدى الدراسات المستقبلية: "الإمارات والإسلام السياسي: أدوات النفوذ"، يناير 2026.
  8. ويكيبيديا: "مجلس حكماء المسلمين - أبوظبي".
  9. فورين بوليسي / ميديا 90: "مشروع الإسلام المعتدل أداة الأنظمة للحفاظ على الوضع الراهن"، أبريل 2023.
  10. مجلة منارة: "UAE Tolerance, Co-Existence and Multiculturalism"، ديسمبر 2023.
  11. القدس العربي: "تقرير فورين بوليسي حول مشروع الإسلام المعتدل"، 2023.
  12. موقع الواقت: "عيال زايد علمانية وتسامح أم محاربة للاسلام؟"، يناير 2018.
  13. ويكيبيديا: "اتفاقيات إبراهيم - التطبيع الإماراتي الإسرائيلي".
  14. مؤسسة دراسات فلسطين: "اتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع"، يناير 2021.
  15. مجلة البيان: "الإبراهيمية وآثارها على المجتمعات العربية"، سبتمبر 2022.
  16. فلسطيننا: "التجنيس الإسرائيلي في الإمارات وخطر الديانة الإبراهيمية"، أغسطس 2025.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي