إماراتي يقول رائحة السعوديين سيئة !

إماراتي يقول رائحة السعوديين سيئة !

أو: كيف تنسى رائحة فمك وتشتغل بروائح جيرانك

بقلم: رجل يشبه المتفائل


كان يجلس في غرفته المكيفة، محاطًا بعطور فرنسية باهظة الثمن، يمسك هاتفه بيدٍ ترتجف من الحماس لا من الشجاعة، وعلى شفتيه ابتسامة ذلك الرجل الذي اكتشف — أخيرًا — مهمةً نبيلةً في الحياة: أن يعلّق على روائح جيرانه.

ولنكن منصفين: إن الاهتمام بالروائح فضيلة إنسانية راقية. فالإنسان الذي يشتغل بروائح الآخرين هو إنسان حساس المشاعر، مرهف الحواس، عميق التفكير. غير أن ثمة تفصيلًا صغيرًا يتجاهله هذا المواطن الشامّ الكبير، تفصيلًا يعرفه كل من جلس بجانبه في اجتماع أو في سيارة أو على مائدة طعام — وهو أن رائحة الفم الإماراتية باتت من التراث الثقافي غير المادي الذي لم تسجّله اليونسكو بعد، ربما لأن المندوبين فقدوا وعيهم قبل أن يكملوا الاستمارة.

لكن لا تقلق، يا صديقي، فالعلم يقول إن الإنسان لا يشمّ نفسه. وهذه من حكم الخالق البالغة، أن يُعمي الإنسان عن عيوبه ليرى عيوب غيره بوضوح كريستالي ناصع. وهكذا يجلس مواطننا الفاحص، يشمّ الهواء من بُعد ألف كيلومتر، ويصدر أحكامًا بدقة طبيب شرعي، بينما لو جلست بجانبه دقيقتين لطلبت من الله العافية وتذكّرت أهمية الهواء النقي في حياة الإنسان.

المدينة التي تتكلم في أعراض النساء

ثم يأتي الفصل الأكثر فكاهةً في هذه الرواية العبقرية: الرجل الذي تحتضن مدينته سياحة العُهر الفاخرة، وتعلن عن نفسها وجهةً لـ"الترفيه" بكل ما في الكلمة من التباس مقصود — هذا الرجل بالذات يجلس ليبحث عن مقاطع تُسيء إلى المرأة السعودية.

تأمّل عظمة هذا التناقض: دبي، تلك المدينة التي يأتيها الناس من كل فج عميق لأغراض لا يذكرونها في سيرهم الذاتية، التي تجد فيها من كل الملل والنحل في الليل ما لا تجده في عواصم أوروبا — هذه المدينة بالذات تجد فيها رجلًا قلقًا على فضيلة المرأة السعودية، باحثًا عن مقطع مفبرك أو مقتَطع من سياقه، يتقلّب عليه كما يتقلّب الطاهي على الجمر.

لو كان أبو الشمقمق حيًا لتوقف عند هذه الفقرة وقال: "هنا لا أحتاج أن أكتب شيئًا. المشهد يكتب نفسه."

إن دبي — بكل محبة وموضوعية — هي المدينة الوحيدة في العالم التي تُسوّق لنفسها كعاصمة الأعمال والفن والثقافة، بينما صناعتها السياحية الأكثر رواجًا لا تُذكر في أدلة السفر الرسمية. وهذا ليس هجومًا، هذه مجرد جغرافيا اقتصادية. المشكلة ليست في دبي، المشكلة في ذلك النوع من البشر الذي يعيش في بيت زجاجي ويجمع الحجارة بعناية فائقة.

موسم الرياض وجلسة الشكوى

ثم يأتي موسم الرياض، فيجد مواطننا فيه مادةً للسخرية. وهنا يتوجب علينا التوقف باحترام وإجلال أمام هذا الإبداع التحليلي الرفيع.

موسم الرياض: مهرجان ترفيهي ضخم، حفلات عالمية، معارض، أنشطة، ملايين الزوار.

ردّ الفعل الإماراتي: استياء عميق يشبه استياء التاجر الذي اكتشف أن جاره فتح محلًا منافسًا.

وهنا تكمن الطرافة الحقيقية: الإمارات التي بنت نموذجها الاقتصادي بالكامل على الترفيه والسياحة والمهرجانات، تجد في نفسها حقًا أدبيًا وأخلاقيًا للاعتراض على دولة جارة قررت أن تُنوّع اقتصادها وتُرفّه عن مواطنيها. هذا كمن اخترع التلفاز وأصبح غاضبًا لأن الآخرين اشتروا شاشات.

الاقتصاد لا يعرف الحصرية يا صديقي، والناس لا يحتاجون إذنًا لينظموا مهرجاناتهم. لكن القلق مفهوم — فالمنافسة تُقلق دائمًا أصحاب الاحتكار.

فلسفة الهاتف: البطولة من وراء الشاشة

والآن نصل إلى أجمل فصول هذه الملحمة: فلسفة البطولة الرقمية.

لاحظ العلماء ظاهرة غريبة عبر التاريخ: الأسد يزأر في الغابة. الديك يصيح في الفناء. لكن مواطننا — وهو من أشجع الشجعان — يختار أن تكون مواجهاته عبر شاشة مضيئة، في غرفة مغلقة، بعيدًا عن أي احتمال للمواجهة الفعلية.

وهذا ليس جبنًا، لا تسيء الفهم. هذا تكتيك. الحرب الحديثة كلها إلكترونية. لكن الفارق أن المحارب الإلكتروني الحقيقي لا يتلعثم عند السؤال المباشر، لا يتراجع عند المواجهة، لا يُصرّح بعكس ما يفعل وكأنه يعتقد أن البشر لا يرون ما يدور أمامهم.

الإماراتي الذي يتحدث بجرأة من هاتفه عن كل شيء وكل أحد، هو نفسه الذي — في أي لقاء رسمي أو إعلامي — يتحدث باللغة الدبلوماسية الناعمة عن "الأخوة العربية" و"الوحدة الخليجية" و"التنسيق والتشاور". ثم يعود لهاتفه ليكمل مهمته النبيلة.

هذه الازدواجية أوصلتنا لاكتشاف قانون علمي جديد نقترح تسميته: “نظرية الشجاعة المشروطة” — وهي أن الشجاعة تتناسب طرديًا مع المسافة بين الشخص وموضوع شجاعته، وتتناسب عكسيًا مع احتمال المواجهة الحقيقية.

خاتمة المراقب المذهول

في النهاية، يجب أن نعترف: هذا النوع من البشر يؤدي خدمة جليلة للإنسانية. فهو يذكّرنا يوميًا بأن الانشغال بعيوب الآخرين هو آخر ملجأ لمن لا يستطيع النظر في مرآته. وأن الجرأة على الكلام لا تعني بالضرورة الجرأة على الفعل. وأن المدينة التي تريد أن تكون مركز العالم يجب أن تبدأ أولًا بأن تقرر ما الذي تريد أن تكونه — لا أن تكون كل شيء لكل أحد وتنتقد الجميع في نفس الوقت.

أما رائحة الفم، فتلك مسألة طبية لها حل. لكن رائحة النفاق — كما يقول أطباء النفس — فتلك لا تُعالج إلا بشيء واحد: الصدق مع النفس. وهذا للأسف لا يُباع في عطارات دبي الفاخرة.

— انتهى —

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي