كيف يعاني المواطن الإماراتي؟! - بالوثائق والأدلة
"وطنٌ بلا مواطنين"
مقالٌ في معاناة الإماراتي من نعمة أرهقته
من إعداد ونشر المتفائل
أولاً: غريبٌ في وطنه
تُعدّ الإمارات، بلا منازع، الدولة الأكثر استثناءً ديموغرافياً في العالم. ففي عام 2004، كانت نسبة المواطنين قد تدنّت إلى 38.1% فحسب من إجمالي السكان [1]، ثم واصلت الانخفاض حتى باتت اليوم تتراوح بين 10% و12% فقط من مجموع القاطنين [2]، في ظاهرة لا يشبههم فيها إلا مواطنو الفاتيكان المحاصَرون بالسياح الأبديين.
تخيّل أن تستيقظ صباحاً في بيتك لتجد تسعةً من كل عشرة جيران لا يحملون جنسيتك، ولا يتكلمون لغتك في غالب الأحيان، ولا يتشاركون ثقافتك — ثم يُطلب منك أن تتحدّث عن "الهوية الوطنية" بكل ثقة وانتماء! [3] يصف الباحثون هذا الواقع بـ"الخلل الديموغرافي" (Demographic Imbalance)، وقد رصدت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة الدراسات الاجتماعية أن التفاعل الاجتماعي المباشر بين المواطنين والمغتربين شبه معدوم، إذ يكتفي كلٌّ منهما بعلاقات وظيفية صارمة لا تتجاوز أروقة المكتب [3]. فالإماراتي يعيش في جزيرةٍ محاطة بأمواجٍ بشرية من كل صنف ولون، غير أنه لا يسبح معها بل يراقبها من الشاطئ.
ثانياً: بطالةٌ في دولة الفرص
هنا يبدأ المفارقة الكبرى التي تستحق وقفةً نقدية حقيقية. فبينما تُعلن الإمارات عن نفسها قبلةً للعمال والباحثين عن فرص من كل بقاع الأرض، وتستقطب الملايين يومياً، تشير التقارير إلى أن أكثر من 17,000 مواطن إماراتي كانوا عاطلين عن العمل في إمارة الشارقة وحدها [4]!
وأطلقت الحكومة، بين عامَي 2005 و2022، سلسلةً من البرامج والمعارض الوظيفية الطنّانة لمعالجة هذه الأزمة، بيد أن نسبة الموظفين المواطنين في القطاع الخاص ظلّت تتراجع بإصرار مدهش [5]. وقد بلغ الأمر حدّه الساخر حين كشف تقرير متخصص أن ما يزيد على 99.5% من عمالة القطاع الخاص من الأجانب، ما يعني أن المواطن الإماراتي بالكاد يُشاهَد في الشركات التي تعمل على أرضه [6].
وأجمع اقتصاديون إماراتيون على تحديد عشر علل رئيسية لهذه الظاهرة، أبرزها: "تقليص الصلاحيات، وحجب المهام، وعدم التحفيز المادي والمعنوي، وتجميد الترقيات"، فضلاً عن ظاهرة "البطالة المُقنّعة" حيث يجلس بعض المواطنين في مناصب شكلية كأثاثٍ وظيفي لا يُضيف ولا يُنتج، يتقاضون رواتب المُزيّنة بينما تدور عجلة الاقتصاد على يد موظف أجنبي في الغرفة المجاورة [5].
ثالثاً: "توطين" بلا توطين
لو سُئل المسؤول الإماراتي عن خطط التوطين لتدفّقت منه البيانات والأرقام والمبادرات والرؤى. ولو سألت المواطن الإماراتي العادي لأجابك بلسان الحال: "التوطين مشروع للبروشور لا للتوظيف". فقد كشفت الدراسات الأكاديمية أن مبادرات التوطين فشلت بشكل متكرر على مدى عقود لأن القطاع الخاص يُفضّل العمالة الأجنبية المرنة والرخيصة على حساب مواطن يطالب بظروف عمل تليق بكرامته [4][6].
وأشارت أبحاث جامعية إلى أن أبرز أسباب تراجع التوطين تشمل: غياب الخبرة العملية، وضعف اللغة الإنجليزية، وشحّ فرص الترقي، وطول ساعات العمل في عُرف القطاع الخاص [7]. والنتيجة؟ ما لا يقل عن عقد كامل من الخطط الحكومية المُتقَنة التي لم تترك في سوق العمل أثراً يُذكر، وكأن القانون ينصّ على التوطين والاقتصاد يرفضه في نفس اللحظة [4].
رابعاً: الأسرة الإماراتية... حروبٌ داخلية صامتة
كشفت دراسة أجرتها وزارة تنمية المجتمع الإماراتية عن 15 مشكلة رئيسية تُضرب فيها الأسرة الإماراتية بالعمق [8]، منها:
- المشكلات المالية وسوء إدارة الإنفاق — في دولة النفط والثروة!
- الانشغال عن العائلة بالأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي
- عدم تحمّل المسؤولية وإهمال الأزواج بعضهم لبعض
- التدخل المتبادل من الأهل في الحياة الزوجية (تدخل أم الزوج نموذجاً خالداً للأدب العالمي)
- الخيانات والهجر وما يترتب عليهما
وتزداد المشهدية سخريةً حين ترى أن صحيفة الإمارات اليوم وثّقت عام 2025-2026 تسجيل 14 حالة طلاق سريع دامت الزيجة فيها أقل من شهر، بل حالةً واحدةً لم تتجاوز مدّتها يوماً واحداً بعد عقد القران [9]. وكأن الزواج باتَ نوعاً من المغامرة الطارئة، لا ميثاقاً غليظاً.
وفي المقابل، تقع إشكالية تعدّد الزوجات بكل حمولتها القانونية والنفسية في صلب التوترات الأسرية [10]، في حين يصف الباحثون العقد الاجتماعي الإماراتي بأنه يمرّ بـ"تحولات مقلقة" تضرب صميم الاستقرار الأسري والمجتمعي [2].
خامساً: حين تُهدَّد الهوية بـ"التأشيرة الذهبية"
في مفارقة تستحق أن تُكتب على أبواب معهد التاريخ: بينما يشكو المواطن الإماراتي من تهميشه في سوق العمل وتقليص دوره في الاقتصاد، تُصدر الدولة قوانين لمنح التأشيرات الذهبية والإقامات الطويلة لملايين الأجانب! [2] تتحدّث وثيقة مؤسسة كارنيغي عن تحوّل عميق في العقد الاجتماعي، حيث باتت الدولة تُروّج لنموذج هوية وطنية يُحابي "المواطنة العالمية" على حساب المواطنة القومية [2]، في خطوة يصفها المواطنون بالمزاحمة المتعمّدة.
وقد وصل غضب المواطنين من تراجع التوطين وهيمنة الأجانب على المناصب العليا إلى ذروته علناً، لا سرّاً [4]، بينما تقول الأرقام إن نسبة الإماراتيين في "الإدارات العليا" بالقطاع الخاص بلغت 16.7% فقط [5]. وهنا يحق للمواطن أن يتساءل بأدب بالغ: مَن يملك هذا البلد فعلاً؟
سادساً: حريةُ التعبير... فنٌّ من الفنون المحفوفة بالمخاطر
لو أراد إماراتي نُبلاء النية أن يكتب مقالاً كهذا عن وطنه، لفكّر طويلاً. فوفقاً لتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش 2025، يُستخدم قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات الاتحادي لملاحقة كل من ينتقد الحكومة أو سياساتها أو مسؤوليها، سواء عبر الإنترنت أو في الفضاء العام [11]. وقد أشار التقرير ذاته إلى أن الفضاء المدني أُغلق بالكامل تقريباً، وأن بعض الأفراد يقضون سنوات خلف القضبان بسبب تغريدة عادية أو تعليق على فيسبوك [11].
وبلغت الحدّة ذروتها حين شهدت الإمارات عام 2013 أوّل محاكمة جماعية في تاريخها، إذ مَثَل 94 مواطناً إماراتياً من المتعلمين وأصحاب المناصب وأبناء القبائل الكبيرة أمام المحكمة بتهم سياسية [2]. والرسالة كانت صريحة: حتى الانتماء القبلي والمكانة الاجتماعية لن تحميك من الدولة حين تخرج عن الإجماع المُقرّر.
سابعاً: المواطن الإماراتي في مرآة الآخرين
تصف بعض التحليلات الاجتماعية ظاهرة "الانعزال الاجتماعي المتبادل" بين الإماراتيين والمقيمين الأجانب، حيث يمتنع كلٌّ منهما عن الاندماج، وقد وصفت إحدى المعلمات الإماراتيات في دراسة أكاديمية ظاهرة التنمّر والعنف في المدارس بوصفها ظاهرة "وافدة" أربكت السكينة الاجتماعية التقليدية [3]. وفي المنتديات الإلكترونية، تتصارع روايتان: رواية تصف بعض المواطنين بالغرور والنظرة الدونية تجاه العمال، ورواية أخرى تُشير إلى أن المغتربين يتحاشون حتى التحدّث مع المواطنين خشيةً من سمعة مبالغ فيها [12].
وهكذا يجد الإماراتي نفسه في دوامة غريبة: لا هو قادر على التواصل الحقيقي مع المقيمين الأجانب الذين يُشكّلون تسعة أعشار محيطه، ولا هو بمنأى عن الانتقادات والأحكام المسبقة التي تُصوّره إما صاحب ثروة طائرة أو مواطناً تلوح في سماء دولته سحابة تحولات لم يُشرك فيها.
خلاصة القول: حين تكون الجنّة مشكلة
لم تكن الإمارات لتواجه هذه التضاريس الاجتماعية المعقّدة لولا نموذج التنمية المتسارع الذي اختارته، القائم على الاستقدام الديموغرافي الهائل، وتقليص أدوار المواطن لصالح كفاءة الاقتصاد. ويصف بعض الباحثين هذا التعاقد بأنه كان دائماً قائماً على معادلة ضمنية: الثروة المادية مقابل الصمت السياسي [2] — والمعادلة اليوم باتت متوترة من كلا طرفيها.
فالمواطن الإماراتي يجد نفسه أمام أربعة جدران بلا باب واضح: بطالة تُضيّق خياراته، وهوية تتآكل بفعل الخلل الديموغرافي، وأسرة تتصدّع تحت ضغوط الحداثة والمادية، وفضاء عام لا يتّسع لمن يريد أن يعلو صوته. يعيش في دولةٍ يُشار إليها بالإنجاز والتقدّم، لكنّه يحمل في القلب سؤالاً لا تجيب عنه بيانات الحكومة: "ولي في هذا كله أيُّ دَور؟"
الهوامش والمراجع
-
[1] — الجزيرة نت: "إصلاح الخلل السكاني في الإمارات"، 2004.
https://www.aljazeera.net/2004/10/03/إصلاح-الخلل-السكاني -
[2] — مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: "الإمارات بين الهوية القومية والعقد الاجتماعي"، نوفمبر 2022.
https://carnegieendowment.org/sada/2022/11/uae-national-identity-and-the-social-contract -
[3] — مجلة RUDN الأكاديمية: "التنوع والتماسك الاجتماعي في الإمارات العربية المتحدة"، ديسمبر 2020.
https://journals.rudn.ru/sociology/article/view/25214 -
[4] — الميادين الاقتصادي: "مشاكل توطين العمالة في الإمارات تتفاقم وأزمة بطالة محلية"، يناير 2023.
https://www.almayadeen.net/news/economic/مشاكل-توطين-العمالة -
[5] — الإمارات 71: "الإمارات قبلة الباحثين عن أعمال... مواطنوها بلا عمل"، نوفمبر 2022.
https://www.uae71.com/posts/102429 -
[6] — دراسة جامعة بيبردين: "برنامج تطوير القوى العاملة الوطنية في الإمارات".
https://digitalcommons.pepperdine.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1222&context=etd -
[7] — ALALI & JASIM AHMED: "Emiratisation in the Local Labor Force of the UAE"، ANZAM Conference.
https://www.anzam.org/wp-content/uploads/pdf-manager/2044_ALALI_JASIMAHMED.PDF -
[8] — الإمارات اليوم: "15 مشكلة رئيسة تعانيها الأسرة في المجتمع الإماراتي"، يوليو 2018.
https://www.emaratalyoum.com/local-section/other/2018-07-18-1.1118811 -
[9] — الإمارات اليوم: "تسجيل 14 حالة طلاق سريع بين أزواج خلال 2025"، يناير 2026.
https://www.emaratalyoum.com/local-section/other/2026-02-01-1.2011423 -
[10] — خدمات قانونية الإمارات: "هل يمكن طلب الطلاق بسبب التعدد في الإمارات؟"، ديسمبر 2024.
https://legal-services-uae.com/ar/blog/طلب-الطلاق-بسبب-التعدد -
[11] — منظمة هيومن رايتس ووتش: "التقرير العالمي 2025 — الإمارات العربية المتحدة"، يناير 2025.
https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/united-arab-emirates -
[12] — Reddit / مجتمع الإمارات: نقاشات حول العلاقة بين المواطنين والمقيمين، 2025.
https://www.reddit.com/r/UAE/comments/1isc5lt/
تعليقات
إرسال تعليق