روائح الإماراتيين !

تأملات في رائحة الإنسان الحديث

بقلم: فيلسوف ضجر من مساحيق العطر


منذ أن اكتشف الإنسان المرآة، بات يملك شِقّين من الوعي: وعيًا يرى نفسه، ووعيًا يهرب منها. وبين الاثنين يعيش “مواطن” حديث يسكن برجًا زجاجيًا، يتنفس هواءً معطرًا بماركاتٍ أجنبية، ويقضي يومه في متابعة روائح الآخرين.

إنه ذلك النموذج المعاصر للكائن الذي فقد حسّ الشم الأخلاقي فاستعاض عنه بحاسة الشم الاجتماعي، فيَشتم لا ليستنشق، بل ليُعرّف نفسه من خلال أنف غيره.

هذه حالة يصفها علم النفس بوضوح: التحويل Projection، حين يقف الإنسان على قذارته النفسية فيسقطها على الآخرين كي يحافظ على وهم الطهارة الذاتية. ولهذا – يا للعجب – نرى من يمتلك مدينة جعلت من “الهوى” تجارةً ومن “الجسد” سلعةً، يقف على منصة هاتفية ليحاضر عن رائحة السعوديين. لست أدري هل هو يشم الهواء أم يشم عقدته.

دبي: الرائحة التي عطّرتها المثيرات

ليست المشكلة في دبي كمدينة – فهي رمز مذهل للحداثة الفارغة التي تلمع أكثر مما تضيء – بل في إنسانها الجديد الذي ظن أن الرفاه يغسل الذنب، وأن الثروة تعقيمٌ أخلاقي. إنها مدينة تبدو وكأنها تباع بالجرام: كل شيء فيها لامع، إلا الضمير. حتى الحياء فيها صار من “الأنشطة المحظورة”.

تكفيها دقيقة من التأمل لتدرك المفارقة الكبرى: أن من يعيش وسط مدن المجون صار يتحدث في أعراض من سترت نساءها.

ولو دخلت معجم الفساد الحضري لوجدت صورة برجٍ يتباهى بالضوء لأن ما تحته مظلم، ومدينةً تبني سمعتها على “الانفتاح” كي تغطي على فراغ المعنى. وهكذا، حين يهاجم هذا “الأنفيّ المثقف” المرأة السعودية، فإنه لا يهاجمها لشيء فيها، بل لشيء يفتقده في بيئته. فالدفاع عن الفضيلة في بيئة عارية يبدو ضربًا من الخيال، والغيرةُ من النقاء أشنع أشكال الغيرة.

سيكولوجيا التعويض

علم النفس يُخبرنا أن الإنسان الصغير لا يحتمل الشعور بالعجز، فيتعوّض بالتفخيم الزائف: سيارات، أبراج، أضواء، ومؤتمرات في “التسامح”. لكنك لو فتحت صدر هذا الإنسان الصغير لوجدت بداخله مخلوقًا مرتجفًا خائفًا من اللاشيء.

الخوفُ وراء كل تلك “الجرأة” على الكلام، والرعبُ وراء كل “افتتانٍ بالهجوم”. من يهاجم من خلف شاشة لا يحتاج إلى شجاعة، بل إلى طاقة بطارية وواي فاي جيد. إنه نموذج الإنسان الرقمي الجبان: يقاتل بأصابعه، ويرتجف حين يُطلب إلى المواجهة الفعلية.

وقد صاغ علماء السلوك هذا بمنتهى الطرافة: كلما قلّ الإحساس بالقدرة الواقعية، زاد الميل إلى العدوان اللفظي الافتراضي. إنه قانون نفسي بسيط: الجبان لا يصمت، بل يعوّض خوفه بالضجيج.

موسم الرياض: حين يغار الهاوي من المحترف

ثم يأتي الحديث عن موسم الرياض، ذلك الحدث الذي جمع بين الاقتصاد والثقافة والفرجة، فبدا لبعضهم تهديدًا وجوديًا. التاريخ يقول إن أكثر من يقلق من نجاح الجار هو من لا يملك شيئًا يقدمه سوى “الضوء بلا نار”. أن يتحول الترفيه السعودي إلى ظاهرة عالمية، فذلك يُصيب مواطن الأبراج الزجاجية بالدوار، لأنه كان يظن أن المتعة حكرٌ جغرافي تُصدّر من مطاراته فقط.

الحسد الاقتصادي هنا يتنكّر في ثياب الأخلاق. فيسخر من “الترفيه السعودي” بينما شعبه يصفق لعروضٍ لا تُعرض إلا خلف الأبواب المزدوجة.

علم الإنسان العاري

ولأن الكوميديا البشرية لا تكتمل بلا مشهدٍ بيولوجي، فدعنا نذكر أن من تصيبه الغيرة من الستر قد يعاني عقدة “العُري الموروث”. وربما لهذا السبب، لم يجد بعض القوم غضاضة في التخلي عن “السروال”، كأنما أرادوا إثبات ولائهم لعقيدة جسدية جديدة: أن العري رمزُ تحضّرٍ لا قلة أدب.

لكن لو قرأت في “الأنثروبولوجيا” ستدرك أن اللباس الأول للإنسان لم يكن من القماش بل من الإدراك؛ حين وُلد الضمير، وغطّى أول ندامة بالورق الأخضر. فمن فقد ستره المعنوي، لن يعوّضه سترٌ مادي.

بين اللسان والأنف

وللغرابة، فإن شعوب الأرض تقيس الكرامة بما يخرج من الفم، لا بما يدخل فيه. أما هنا، فقد اجتمع الفم والأنف في مأساة واحدة: رائحة تفضحها الجينات، وكلام يفضحه النفاق.

ولأن علم النفس السلوكي يربط بين الرائحة والانفعال، فإن من يكثر من رائحة الفم الكريهة يعيش غالبًا تحت ضغطٍ عالٍ أو توترٍ دائم. وهكذا يتضح أن رائحة المواطن ليست بيولوجية فحسب، بل نفسية أيضًا؛ إنها رائحة الخوف المكبوت الطويل، تلك التي لا يزيلها عطر ولو كان من باريس.

فيلسوف الأنف: حين يصبح الشم عقيدة

في النهاية، يثبت هذا “الأنفيّ الإماراتي” أنه أقرب إلى الكائنات الغريزية منه إلى البشر المفكرين. فبينما تتجه الأمم نحو ارتقاء العقل، اختار هو أن يرتقي أنفه، وأن يجعل حاسة الشم معيارًا للفضيلة. ناسٌ تقيس القيم بالعلم والعمل، وناسٌ تقيسها بالروائح. وقد كتب أحد علماء النفس – وهو يضحك – “كل من يجعل الرائحة مقياسًا للأخلاق، يعلن إفلاسه الأخلاقي”.

الفكرة الأخيرة

إن أشد ما يُضحك في هذه الكوميديا البشرية هو أن من يبني رجولته على الوهم، لا بد أن يتحدث عن غيره ليُثبت وجوده. ومن يفتش في أعراض الناس إنما يخفي عقدة نقصٍ في شرفه النفسي. وهذا الصنف من البشر يعيش في تناقض دائم بين الشعور بالدونية والرغبة في التفوق، بين الخوف من انكشافه واللذة في كشف غيره.

نهاية المطاف؟ أن تضحك من نفسك قبل أن يضحك منك الآخرون، فتستعيد إنسانيتك المفقودة. أما أولئك الذين لا يرون إلا عيوب غيرهم، فالعالم سيتركهم في زوايا التاريخ، يراقبون من النوافذ، يشتمون الهواء ويظنون أنهم يشمّون الحقيقة.

— انتهى —

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي