الصراعات الداخليه في الامارات - موثق بالادله
"معجزة الصحراء": دولة الإمارات بين الواجهة البراقة والجدران المتشققة
مقال من إعداد المتفائل
— وصفة نجاح الإمارات، المجربة منذ 1971
في البداية: كان النفط
دعونا نبدأ بما لم يقله أحدٌ في خطب التنمية المستدامة ومؤتمرات COP28 اللامعة: الإمارات لم تُبنَ بالإرادة والذكاء، بل بُنيت بالنفط وعمّال لا يملكون جوازات سفرهم. ما من "معجزة" هنا، بل ما من حاجة إلى معجزة حين يكون المال أسرع من أي سؤال.
تُقدّم دولة الإمارات نفسها للعالم بوصفها نموذجاً للحداثة العربية: أبراجٌ تخترق السحاب، مطاراتٌ تضجّ بالمسافرين، ومؤتمراتٌ تناقش مستقبل الإنسانية. لكنها، في الوقت ذاته، دولةٌ لا ينتخب فيها أحدٌ رئيسها، ولا يملك فيها العمال المهاجرون الذين يُشكّلون 189% من سكانها أي حقوق يُذكَر.[1] فمرحباً بكم في ديزني لاند الخليج، حيث الواجهة أفضل من أي مكان في العالم، والكواليس لا يُسمح بالتصوير فيها.
التاريخ المُبهِج: من الغزو والاغتيال إلى الاتحاد القسري
قبل أن يُضيء أول بئر نفط في الإمارات، كان التاريخ المحلي يُكتب بلغةٍ مختلفة تماماً عن لغة "رؤية 2071". ففي عام 1900، شهدت رأس الخيمة اغتيال الشيخ شخبوط بن سلطان القاسمي في صراعٍ دموي على السلطة داخل أسرة القواسم.[2] وفي عام 1929، قُتل حاكم أم القيوين الشيخ راشد بن أحمد المعلا في نزاعٍ عائلي–قبلي لم تُحلّه المفاوضات بل السيوف.[2] هذا التاريخ من الاغتيالات والانقلابات العائلية لن تجده في كتب المناهج الإماراتية الملوّنة.
ثم جاءت بريطانيا، تلك الأمّ الرحيمة، لتُعيد تشكيل الحكم بالقوة — ليس لتحرير شعوب المنطقة بطبيعة الحال، بل لضمان تدفق ما يحتاجه الأسطول الملكي.[2] وحين أُعلن الاتحاد عام 1971، لم يكن الأمر استفتاءً شعبياً رومانسياً، بل كان إعادة توزيعٍ للنفوذ بين سبع أسرٍ حاكمة لا تتفق دائماً، لكنها تتفق على شيءٍ واحد: ألا يتدخّل أحدٌ خارج الأسرة في قرارات الأسرة.
نظام الكفالة: العبودية التي تُلبَس بدلةً رسمية
إذا كانت دبي هي واجهة أفخم مشروع عقاري في التاريخ، فإن البنية التحتية لهذا المشروع تقوم على ظهور بشرٍ لا تكاد تراهم. منظمة هيومن رايتس ووتش وثّقت بالتفصيل كيف يستعبد نظام الكفالة الملايين من العمال، إذ يمنح أصحاب العمل سلطةً مطلقةً على وضع العامل الوظيفي والإقامي، بما يشمل مصادرة جوازات السفر — وهي جريمة في أي مكانٍ آخر من العالم.[3] "لقد اشتريتك مسبقاً" — هذا ليس استعارةً أدبية، بل هو عنوانٌ حرفي لتقريرٍ صدر عن هيومن رايتس ووتش عام 2014.[4]
وعلى جزيرة السعديات، تلك الواجهة الثقافية البراقة حيث يقع اللوفر أبوظبي والغوغنهايم، وثّقت هيومن رايتس ووتش استغلالاً فادحاً للعمال وصل في بعض حالاته إلى السخرة بمفهومها القانوني الدولي.[5] وبعد خمس سنوات من أول تقرير عام 2009، أصدرت المنظمة نفسها تقرير متابعة عام 2017 ليؤكد أن الانتهاكات مستمرة.[6] أي أن الإمارات أنجزت أبراجها وتفاخرت بمتاحف الفن العالمية، فيما ظلّ العمال الذين بنوها في الظل، بلا نقابات، بلا حقوق حقيقية، وبلا أي سبيل للانتصاف. هذا ما يُسمّى، بلغة المؤتمرات الدولية، "نموذجاً تنموياً متكاملاً".
وإن لم يكفِك ذلك، ففي عام 2021، وثّقت منظمة "يورو–ميد مونيتور" حملةً من السلطات الإماراتية اعتُقل فيها أكثر من 800 عامل مهاجر أفريقي في ليلتين، حيث تعرّضوا للتعذيب الجسدي والجنسي وإهاناتٍ عنصرية، قبل ترحيلهم قسراً رغم امتلاكهم إقامات وتصاريح عمل سارية.[7] "قالوا لنا إنهم يكرهون السود الأفارقة" — هذا أيضاً عنوانٌ حرفي لتقرير المنظمة.
قصر الزجاج: الصراع الخفي داخل آل نهيان
أما المشهد الأكثر إثارةً، فهو ما يجري خلف أبواب القصور في أبوظبي. فبينما تتحدث الإمارات عن "المجلس الرئاسي" و"الشورى" و"التوافق"، تشتعل خلف الكواليس معركةٌ على الوراثة والنفوذ تستحق سلسلة من أكثر مسلسلات نتفليكس تشويقاً.
المشهد الأول: طحنون وهزاع — حربٌ باردة بين أخوين
منذ وفاة الشيخ خليفة بن زايد عام 2022 وصعود أخيه محمد بن زايد إلى الرئاسة، دخلت الإمارات مرحلةً جديدةً من إعادة توزيع النفوذ.[8] وبحسب تقرير تحليلي مفصّل نشره "معهد الاستقلال" وغيره من المواقع البحثية، يتمحور الصراع الحالي حول شقيقين: طحنون بن زايد، الذي يمسك بخيوط الاستخبارات والاقتصاد والذكاء الاصطناعي، وهزاع بن زايد، الذي يُراهن على الشرعية القبلية والعلاقات المؤسسية التقليدية.[8] وقد لخّص أحد المحللين هذا التناقض بعبارةٍ لافتة: "طحنون يملك الأموال والتكنولوجيا والسايبر، أما هزاع فيملك القبائل والشرعية الاجتماعية التي لا يستطيع المال شراءها".[8]
المشهد الثاني: منصور بن زايد — الأخ الذي "فُتح ملفه"
في منتصف 2025، تناولت تقارير صحفية غربية، إلى جانب تحليلات عربية معارضة، ملف الشيخ منصور بن زايد، متطرّقةً إلى تورطه في صفقاتٍ مالية وسياسية حساسة تشمل علاقاته بالسودان وليبيا وفضيحة 1MDB الماليزية.[9] لكن المثير أن كثيراً من المراقبين لا يرون في هذه المواد مجرد صحافةٍ استقصائية موضوعية بقدر ما يرونها رسالةً من داخل القصر إلى خارجه: من محمد بن زايد إلى إخوته، مفادها "من يعترض على الخلافة يُفتح ملفّه".[9] وكما يُقال في أبوظبي، وفق تعبيرٍ يتداوله المحللون: "حين يُفتح ملف الأخ، فذلك لأن ملف الابن يُغلَق في مكانٍ آخر".[9]
المشهد الثالث: خالد بن محمد — الابن الذي يُعيد تشكيل القصر
في 2023–2024، أعلن محمد بن زايد ابنه خالد بن محمد ولياً للعهد، في محاولةٍ واضحة لإنهاء أي نزاعٍ على التوريث بين إخوته.[8] لكن، وبسخريةٍ التاريخ المعهودة، أدى هذا القرار إلى تقليص صلاحيات الأعمام بدلاً من إرضائهم. يصف أحد المحللين المشهد قائلاً: "ولي العهد خالد يمشي على حبل رفيع، يحاول أن يرث دولةً تبدو حديثةً من الخارج لكنها مشقوقةٌ من الداخل".[8] والأغرب أن التقارير أشارت إلى أن محمد بن زايد نفسه لجأ إلى محاصرة منازل إخوته في مرحلةٍ من مراحل تعزيز قبضته — وهي رواية تناولتها تقارير معارضة عربية لم تعلّق عليها وكالة أنباء الإمارات.[10]
الانقسام الأكبر: آل نهيان ضد آل مكتوم
ولا يقتصر الصراع على أسرة آل نهيان وحدها، إذ تفيد تقارير وتحليلات سياسية بأن الحرب في السودان وسّعت شقةَ الخلاف بين أسرتَي آل نهيان في أبوظبي وآل مكتوم في دبي، اللتين تتشاركان اسم "الإمارات" لكن لا تتشاركان دائماً رؤيةً واحدة للمصالح الاستراتيجية.[11]
دبي: واحةٌ للحرية المالية (لغسيل الأموال)
لا يكتمل أي مقالٍ جادٍ عن الإمارات من دون الحديث عن دبي بوصفها عاصمةً عالميةً لما يُعرف دبلوماسياً بـ"تدفق الأموال غير المشروعة". في يوليو 2020، أشار معهد كارنيغي للسلام الدولي وتقارير مرتبطة بمجموعة العمل المالي (فاتف) إلى أن الإمارات جزءٌ من منظومةٍ عالمية لغسيل الأموال، وأنها ارتبطت بفضائح فسادٍ عابرةٍ للحدود، وكانت مُهدَّدةً بالوقوع في "القائمة الرمادية" إلى جانب دولٍ مثل سوريا واليمن وباكستان.[12]
وفي عام 2018، كشفت تقارير إعلامية عربية وغربية عن ما أسمته "أوراق الإمارات": آلاف الوثائق تُشير إلى أن مؤسساتٍ إماراتية تدير شبكةً دوليةً للتهرب الضريبي وغسيل الأموال عبر قروضٍ وهمية وبطاقاتٍ بنكية "مجهولة الهوية" لإخفاء المستفيد الحقيقي.[13] ومعهد كارنيغي بدوره سلّط الضوء على دور دبي في دائرة الفساد المالي العالمي، بوصفها "مغناطيساً للأموال القذرة" بفضل مزيجها السحري من غياب الشفافية ووفرة الرفاهية.[12]
"عمليات الإنسانية": دعم الإبادة الجماعية في السودان
ربما كانت أكثر الصفحات المُثيرة للاشمئزاز في سجل الإمارات هي ما يجري في السودان. تقارير متعددة لمنظمات حقوقية وسياسية أشارت إلى أن مركباتٍ مدرعةً من تصنيع الإمارات تستخدمها قوات الدعم السريع (RSF) التي ترتكب جرائم حربٍ بحق المدنيين، مقابل روايةٍ رسمية إماراتية تنفي أي تورّط مباشر.[14] وفي سبتمبر 2025، نقل "ليبيا سيكيوريتي مونيتور" أن حكومة السودان قدّمت إلى مجلس الأمن الدولي أدلةً على تورط الإمارات في تجنيد مرتزقةٍ كولومبيين لمصلحة الدعم السريع، طيرانهم من الإمارات إلى ليبيا ثم تسليلهم إلى السودان.[15]
وتضيف تقارير منظمات بريطانية مثل "Campaign Against Arms Trade" أن تجارة الذهب السوداني تمرّ في جزءٍ كبيرٍ منها عبر دبي مباشرةً، وأن ذلك يسهم في تمويل آلة الحرب هناك.[16] وقد خلص تقريرٌ صدر عام 2024 عن "مركز رول ولنبرغ لحقوق الإنسان" إلى أن قوات الدعم السريع ترتكب إبادةً جماعية ضد شعب المساليت في دارفور.[16] وفي فبراير 2026، أكدت البعثة الأممية أن هذه الفظائع تحمل "سمات الإبادة الجماعية".[17] والإمارات، بطبيعة الحال، تنفي كل ذلك. طبعاً.
أحمد منصور: حين يُسجَن الهاتف مع صاحبه
في دولةٍ تُروّج لنفسها مركزاً عالمياً للابتكار الرقمي وتستضيف مؤتمراتٍ للذكاء الاصطناعي، يظل أحمد منصور الناشط الحقوقي الإماراتي محبوساً في زنزانةٍ انفراديةٍ لسنواتٍ، وقد وُثّق حرمانه من الرعاية الصحية ومن الزيارات العائلية، في انتهاكٍ صريحٍ لاتفاقية الأمم المتحدة ضد التعذيب التي صادقت عليها الإمارات عام 2012.[18] ومن المفارقات الكبرى أن طحنون بن زايد، أحد أقطاب الصراع الداخلي، هو المتهم برعاية استخدام برنامج التجسس "بيغاسوس" لمراقبة المعارضين — في دولةٍ تُصنّف نفسها مركزاً لتكنولوجيا المستقبل.[9] الفارق أن "تكنولوجيا المستقبل" في أبوظبي تُستخدم لمراقبة المعارضين أكثر من بناء الديمقراطيات.
خاتمة: حين تكون الواجهة هي كل شيء
يلخّص أحد المحللين السياسيين الذي نقلت عنه تقارير بحثية عربية المشهدَ بجلاء: "الإمارات تُسوّق نفسها قوةً حديثةً وتقدميةً، لكنها ما زالت تُحكَم بعقليةٍ أسريةٍ تحتكر فيها الاقتصاد والأمن والقرار السياسي في دواليب مغلقة".[8]
هذا هو المقالب الكبير:
– تبني ناطحات السحاب بأيدي العمال الذين لا يملكون جوازاتهم.[3][5][6]
– تستضيف مؤتمرات المناخ بينما تموّل مليشيات تحرق القرى.[14][15][16][17]
– تتحدث عن "رؤية 2071" بينما يتصارع إخوة رئيسها على مقاعد النفوذ.[8][9][10][11]
– تُقدّم نفسها ملاذاً للأعمال الحرة بينما تُتّهم بأنها ملاذٌ للأموال المشبوهة.[12][13]
وكما يقول المثل الإماراتي الجديد الذي اخترعه التاريخ للتو: "لا تنظر إلى البرج، انظر إلى من بناه، ومن يملكه، ومن يراقب من يسكنه".
الهوامش والمراجع
-
[1] DAWN – "UAE's Human Rights Record" (ملف حقوق الإنسان في الإمارات).
https://dawnmena.org/countries/uae/human-rights-record-uae/ -
[2] مقال: «صراعات الحكم في تاريخ الإمارات.. اغتيالات وانقلابات».
https://25-janaer.blogspot.com/2026/02/blog-post_76.html -
[3] Human Rights Watch – "Migrant Worker Abuses in the UAE and COP28".
https://www.hrw.org/news/2023/12/03/questions-and-answers-migrant-worker-abuses-uae-and-cop28 -
[4] Human Rights Watch – "I Already Bought You: Abuse and Exploitation of Female Migrant Domestic Workers in the UAE".
https://www.hrw.org/report/2014/10/22/i-already-bought-you/abuse-and-exploitation-female-migrant-domestic-workers -
[5] Human Rights Watch – "The Island of Happiness: Exploitation of Migrant Workers on Saadiyat Island, Abu Dhabi".
https://www.hrw.org/report/2009/05/19/island-happiness/exploitation-migrant-workers-saadiyat-island-abu-dhabi -
[6] Human Rights Watch – "Human Rights Watch Report Documents Continued Migrant Abuse on Saadiyat Island".
https://www.architecturalrecord.com/articles/3321-human-rights-watch-report-documents-continued-migrant-abuse-on-saadiyat-island -
[7] Euro-Med Monitor – "They told us they hated black Africans: UAE authorities detain, torture, and deport over 800 migrants".
https://euromedmonitor.org/en/article/4600 -
[8] Sons of Zayed: The Conflict Between Tahnoun and Hazza Reshapes Abu Dhabi's Power Map – Al Estiklal / مراكز أبحاث مختلفة عن صراع أبناء زايد.
https://www.alestiklal.net/en/article/sons-of-zayed-the-conflict-between-tahnoun-and-hazza-reshapes-abu-dhabi-s-power-map -
[9] تحليلات حول صراع العائلة الحاكمة في أبوظبي، بما في ذلك تقارير عن تراجع نفوذ منصور بن زايد وطحنون بن زايد.
https://www.watanserb.com/en/2025/07/06/power-struggle-behind-palace-walls-inside-the-fight-for-abu-dhabis-throne/ -
[10] تقرير عربي معارض: "خلافات غير مسبوقة داخل الاسرة الحاكمة الإماراتية".
https://sadaara.com/post/240980 -
[11] نقاشات حول اتساع الفجوة بين آل نهيان وآل مكتوم على خلفية الحرب في السودان (منشورات وتحليلات متداولة).
https://www.reddit.com/r/Sudan/comments/1h4l17t/the_war_in_sudan_has-supposedly-widened-the/ -
[12] Carnegie Endowment – تقارير عن دور دبي في الفساد وغسيل الأموال.
https://emirati-affairs.com/new/server.php/news/view/6538 -
[13] تقارير صحفية عربية عن "الإمارات تدير شبكة دولية لغسيل الأموال".
https://www.raya.com/2018/09/07/الإمارات-تدير-شبكة-دولية-لغسيل-الأموال/ -
[14] Amnesty International / تقارير عن دور الإمارات وتسليح أطراف النزاع في السودان.
https://www.amnestyusa.org/countries/uae/ -
[15] Libya Security Monitor – "Sudan submits evidence to UN of UAE sending mercenaries via Libya".
https://libyasecuritymonitor.com/sudan-submits-evidence-to-un-of-uae-sending-mercenaries-via-libya/ -
[16] Campaign Against Arms Trade – "Genocide in Sudan, the role of the UAE, and the complicity of the west".
https://caat.org.uk/news/genocide-in-sudan-the-role-of-the-uae-and-the-complicity-of-the-west/ -
[17] BBC – "Sudan civil war: UN says atrocities are 'hallmarks of genocide'".
https://www.bbc.com/news/articles/cpqw74d81jqo -
[18] Wikipedia – "Human rights in the United Arab Emirates" + تقارير عن حالة أحمد منصور.
https://en.wikipedia.org/wiki/Human_rights_in_the_United_Arab_Emirates
تعليقات
إرسال تعليق