من هو زعيم الشرق الأوسط؟!

من هو زعيم الشرق الأوسط؟!

إعداد: المتفائل


لقد وصلني، عبر الأثير الذي أصبح ينقل الحماقات أسرع مما ينقل البرقيات في زماني، قول أحد الأصدقاء من "الساحل المتصالح" بأن الشيخ محمد بن زايد قد أصبح، وبشكل لا يقبل الجدل، "زعيم الشرق الأوسط". عندما سمعت ذلك، تذكرتُ ضفدعاً في مقاطعة "كالافيراس" كان يظن أنه يملك المستنقع كله لمجرد أنه يجلس على الورقة الأكثر اخضراراً. الحقيقة يا بني، هي شيء عنيد، أكثر عناداً من بغلٍ في ميسوري، ولا يمكن للأمنيات -مهما كانت مُغلفة بالذهب- أن تغير جغرافية العالم أو حقائق التاريخ. دعنا نضع "السيجار" جانباً، وننظر إلى الخريطة والأرقام، فهي لا تعرف المجاملة، ولا تشرب القهوة في المجالس.

أولاً: كذبة "الحجم" الصامتة

يقولون إن الديناميت يأتي في عبوات صغيرة، وهذا صحيح، لكنك لا تبني سداً من الديناميت، بل تحتاج إلى الصخور. إذا نظرنا إلى العمق الاستراتيجي والديموغرافيا، فإن الإمارات – مع كامل الاحترام لطموحها – تشبه متجراً فاخراً للمجوهرات في حيّ يعج بالعمالقة.

* السكان: تتحدث الأرقام عن حوالي 9 إلى 10 ملايين نسمة في الإمارات، الغالبية العظمى منهم (أكثر من 85%) هم ضيوف كرام (وافدون). بينما "الزعيم" الحقيقي يحتاج إلى شعب يحمل البندقية والهوية. انظر إلى الجوار: المملكة العربية السعودية (36 مليوناً)، مصر (أكثر من 100 مليون)، تركيا (85 مليوناً). * الجغرافيا: الزعامة تتطلب ظهراً تستند إليه. مساحة الإمارات (83,600 كم²) هي مجرد "حديقة خلفية" إذا ما قورنت بمساحة السعودية (2.15 مليون كم²). عندما تعطس الرياض، تصاب المنطقة بالزكام؛ أما عندما تعطس أبو ظبي، فإنها ببساطة... تشتري مناديل أغلى ثمناً.

ثانياً: من يملك مفاتيح الخزنة ومن يملك مفاتيح "السماء"؟

صحيح أن صديقنا في أبو ظبي بارع في الصفقات، وقد حول بلاده إلى "اسبرطة صغيرة" (Little Sparta) كما يسميها جنرالات الغرب، لكن الزعامة في هذا الشرق البائس ليست مجرد حسابات بنكية.

* الاقتصاد (لغة المال): نعم، الإمارات ثرية، ناتجها المحلي يقارب 500 مليار دولار. لكن، دعنا ننظر إلى المملكة العربية السعودية، الأخ الأكبر الذي يحاول الجميع تجاهل ظله الثقيل. الناتج المحلي السعودي يتجاوز 1.1 تريليون دولار (وفقاً لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد لعام 2022-2023) [web:9][web:13]. السعودية هي العضو الوحيد في المنطقة في "مجموعة العشرين" (G20) [web:9]. أن تكون غنياً شيء، وأن تكون "محرك الاقتصاد العالمي للطاقة" شيء آخر تماماً. * الشرعية الدينية: يمكنك أن تبني "متحف اللوفر" في الصحراء، ويمكنك أن تبني أطول برج، لكن لا يمكنك أن تبني "كعبة" ولا "مسجداً نبوياً". الزعامة الروحية لمليار ونصف مسلم هي ورقة "الجوكر" التي تحتفظ بها الرياض، ولا يملكها غيرها. من يخدم الحرمين هو من يملك الكلمة الفصل في الوجدان الإسلامي، وليس من يبني المعابد الإبراهيمية الحديثة.

ثالثاً: الوثائق والملفات الساخنة (من يمسك العصا؟)

دعنا نتحدث عن الواقع السياسي، لا عن الأمنيات:

* منظمة أوبك (OPEC): عندما يقرر العالم خفض أو رفع إنتاج النفط، تتجه الأنظار إلى الرياض، لا إلى أبو ظبي، فالسعودية أكبر مصدر للنفط الخام في العالم ومن كبار المنتجين داخل أوبك [web:12]. الوثائق تثبت أن السعودية هي "المنتج المرجح" (Swing Producer). في اللحظات الحرجة، أبو ظبي تتبع القرار السعودي، حتى لو تذمرت قليلاً في الكواليس. * المصالحات الكبرى: انظر إلى الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية الصين. تلك كانت لحظة "زعامة". الرياض هي من تفاوض الخصم اللدود عن المنطقة. الإمارات سعت للتهدئة منفردة لحماية مصالحها التجارية، لكن "الهدنة الكبرى" لا يوقعها إلا الكبار.

الخلاصة: الزعامة عبء وليست نزهة

يا صديقي، إن القول بأن محمد بن زايد هو زعيم الشرق الأوسط هو كقولنا إن "نهر التايمز" هو أعظم أنهار العالم لأنه يمر بلندن، متجاهلين وجود "الامازون" أو "النيل". محمد بن زايد "داهية سياسية"، "رجل أعمال محنك"، وربما "صانع ملوك" في بعض الزوايا الضيقة، هذا لا شك فيه. ولكن "زعيم الشرق الأوسط"؟ هذا الكرسي محجوز، ومحفور عليه اسم المملكة العربية السعودية بحكم الجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والدين. الأرقام تقول إن الرياض هي "القلعة"، وأبو ظبي هي "الميناء" الجميل بجوارها. والقلعة هي التي تحمي الميناء، وليس العكس.

نصيحتي لك: لا تحسدوا الدب الكبير (السعودية) على فروه الثقيل ومسؤوليته عن حماية الغابة، واستمتعوا بكونكم "الثعلب الذكي" الذي يجمع الذهب بينما تتناطح الدببة. فالزعامة في الشرق الأوسط ليست تاجاً مرصعاً، بل هي طوق من الجمر، ولا أحد يملك "الجلد السميك" لتحمله سوى جيرانكم الكبار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي