إماراتي يتحدث عن الوهابية ٢
الإسلام الإماراتي: من خانقاه التصوف إلى صالة انتظار العلمانية
الإسلام الإماراتي اليوم يشبه لافتة ضخمة فوق مركز تجاري: كُتب عليها «زاوية صوفية»، لكنك ما إن تدخل حتى تجد نفسك في معرض للعلمانية المُكيّفة ومكتب مبيعات للتطبيع الشامل.
كان صاحبُنا الإماراتي، بطل الحكاية السابقة، قد ترقّى في الخطاب؛ لم يعد يكتفي باتهام السعوديين بالوهابية، بل قرر أن يعيد تعريف الإسلام نفسه، خدمةً لمشروع أكبر من أن يُترَك للفقهاء وحدهم. جلس في أمسية «حوار الأديان» يشرح للحضور — بوجهٍ تملؤه السكينة الرسمية — كيف أن الحل لكل مشاكل المنطقة هو «إسلام صوفي، متسامح، لا يتدخل في السياسة، ويفضِّل أن يتأمل البحر من شرفة فندق خمس نجوم».
كان يتحدث عن التصوف كمن يتحدث عن جهاز منزلي: هادئ، لا يُصدر ضجيجًا، ولا يستهلك كهرباء السياسة. تصوف بلا فقر ولا فُقراء، بلا زوايا في الأزقة، بل قاعات مكيفة في فنادق العاصمة. ذكر أسماء مشايخ وروحانيين، لكن كل ما في خطابه كان يقول: «نريد دينًا يُسكِّن الضمير، لا يوقِظُه.»
في الوقت نفسه، لم ينسَ صاحبنا أن يلوِّح بفزّاعة الإخوان والوهابية. فالإسلام — في قاموسه الجديد — إما أن يكون صوفيًا لطيفًا يوزّع الورود الكلامية، أو يصبح مشروعًا إرهابيًا يحمل شاربًا إخوانيًا أو لحيةً سلفية. لا منطقة وسط هنا إلا منطقة واحدة: مكتب الأمن. هكذا وُلد «الإسلام الإماراتي»: دينٌ منزوع الدسم السياسي، معبّأ بعناية، صالح للاستعمال الإعلامي، ومعتمد من الجهات المختصة.
ثم جاءت لحظة الذروة: ملف التطبيع مع الحليف الإسرائيلي. هنا تقدّم صاحبنا إلى المسرح بابتسامة أوسع من المسموح به في الفقه القديم، وبدأ يشرح بأن «السلام خيار إسلامي أصيل»، وأن «التعايش بين الأديان» يقتضي استقبال الوفود الإسرائيلية بالتمر والقهوة، وربما بآية قرآنية مناسبة في الحفل. لم يقل لأحد إن السلام المقصود محروس بالسبريد شيت وصفقات السلاح، وأن الآيات تُتلى في القاعة بينما الطائرات المسيَّرة تتدرّب في الخارج.
صار الإسلام عنده مثل مذكرة تفاهم: بند أول للتصوف، بند ثانٍ لمحاربة الإخوان، بند ثالث لشتم الوهابية، ثم ملحق سري للتنسيق الأمني مع الحليف الجديد. فإذا اعترض أحد، اتُّهم فورًا بأنه «رجعي»، «ظلامي»، «لا يواكب روح العصر». وإذا صمت، دخل في خانة «المسلم المعتدل القابل للتسويق».
في نسخته الجديدة، يُسمح لك أن تذكر الله طويلًا، بشرط ألا تذكر ظلمًا واحدًا. أن تبكي في الدعاء، بشرط ألا ترفع صوتك في نقد. أن تسبِّح بعد الفجر، لكن لا تسبِّح خارج حدود الخطاب الرسمي. التصوف هنا ليس طريقًا إلى الله، بل طريقًا بعيدًا عن السياسة. والعلمانية ليست مبدأً معلنًا، بل واقعًا يُدار من خلف الستار، بينما تبقى اللافتة: «هذا إسلام وسطي متسامح، معتمد دوليًا، ومضمون النتائج.»
أما صاحبنا، فيختم كل لقاءٍ بجملة تصلح لأن تُكتب على باب هذا الإسلام الجديد: «نحن نحارب التطرف.» وبلغة مارك توين يمكن أن نضيف على لسان الحقيقة وهي تبتسم بسخرية: «نعم، يحاربونه حتى لا يبقى في الدين شيء متطرف… سوى مستوى النفاق.»
تعليقات
إرسال تعليق