قراءة نقدية في واقع دولة الإمارات على ضوء قوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ»

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾
— سورة المائدة (90)

قراءة نقدية في واقع دولة الإمارات على ضوء قوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ»

تتضمّن هذه الآية تصويرًا مكثّفًا لبنية الفساد الروحي والاجتماعي الذي يصنعه الشيطان في المجتمعات، ويمكن قراءة كثير من سياسات دولة الإمارات اليوم بوصفها ترجمة عملية حديثة لهذه المنكرات في ثوب قانوني وسياحي واقتصادي جديد.123

تمهيد: من نصّ الوحي إلى واقع الدولة الحديثة

الآية جمعت أربعة رموز كبرى: الخمر، الميسر، الأنصاب، والأزلام، ثم وصفتها بأنها رجس من عمل الشيطان وأمرت بالاجتناب لا بمجرد الترك.4 هذا الجمع يكشف أن القضية ليست محرّمات فردية متفرقة، بل «منظومة» لهو وقمار وعبادة لغير الله وتلاعب بالعقل والمال والولاء، تصنع مجتمعًا مستهلكًا منقطعًا عن ذكر الله ومشغولًا عن قضاياه الكبرى.

في الدولة الحديثة يمكن أن تتحوّل هذه المعاني من صور بدوية بسيطة (قدح خمر، نرد، حجر منصوب) إلى بنى تحتية وقوانين: مدن ترفيه، كازينوهات، يانصيب، مهرجانات خمر، وتحالفات سياسية واقتصادية تجعل الولاء لغير قضايا الأمة، مع بقاء الجوهر واحدًا. هذا ما يظهر بوضوح في التجربة الإماراتية المعاصرة.12

الخمر: تغييب العقل وتطبيع الفاحشة

الخمر في التفسير هو كل ما يُذهب العقل ويغطيه، والتحريم منصبّ على فعل «تخدير الوعي»، لا على نوع الشراب.4 حين تنتقل دولة تُعلن أن الشريعة «مصدر رئيس للتشريع» إلى تسهيل بيع الخمور، وتخفيف القيود على شرائها واستهلاكها للأجانب والمقيمين تحت لافتة السياحة والانفتاح، فإنها لا تخالف حكمًا فرديًا فحسب، بل تعيد تشكيل ذهنية المجتمع: جعل السُّكر جزءًا طبيعيًا من مشهد الحياة العامة، ومن صورة «المدينة العالمية الجذابة».1

تقارير متعدّدة تشير إلى سلسلة تعديلات قانونية في الإمارات: تسهيل شراء الكحول، تخفيف الرقابة على تناوله، السماح لغير المتزوجين بالعيش معًا، وخلق بيئة ليلية (نوادٍ، حانات، منتجعات) تُعرض كمنتج سياحي أساسي.12 هذا يعيد تعريف «الصورة الإسلامية» للدولة، بحيث يتحوّل معيار النجاح من إقامة حدود الله وحفظ العقل والأخلاق إلى حجم التدفقات السياحية والإيرادات المرافقة، حتى لو كانت قائمة على تعطيل العقل وتوسيع دائرة الفساد الأخلاقي.

بهذا تصبح الخمر – بمفهومها القرآني – جزءًا من مشروع هوية جديد: هوية «المدينة – الملهى» في قلب الخليج، حيث يختلط المال بالنفوذ بالمتعة، ويُعاد تشكيل الإنسان العربي والمسلم بوصفه مستهلكًا للمتعة لا حاملًا لرسالة. هذا التغييب للجماهير عن وعي قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين، هو أحد أخطر أبعاد «الخمر السياسي» الذي يوازي الخمر المادي.

الميسر: من لُعب القمار إلى بنية اقتصادية

الميسر في التفسير هو كل معاملة تقوم على الحظ والمخاطرة وأكل أموال الناس بالباطل، وليس مجرد «لعبة» بريئة.4 في الواقع الإماراتي، هناك تحوّل واضح نحو صناعة مقامرة منظمة:

– تقارير إعلامية ووثائق اقتصادية تتحدث عن استثمارات بمليارات الدولارات في منتجعات ضخمة لكازينوهات في رأس الخيمة وغيرها، مع وصف مناطق محددة بأنها «مناطق قمار» تقنينًا للميسر قانونيًا.125
– في 2024 و2025 جرى منح تراخيص لأول شركات يانصيب وتنظيم ألعاب حظ، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع بوصفها تمهيدًا لتقنين المقامرة على مستوى الدولة.136
– إنشاء هيئة اتحادية لتنظيم ألعاب الحظ والكازينوهات، والسماح لشركات عالمية بالتقدم بطلبات للعمل في الإمارات السبع.15

بهذا لا يعود الميسر ممارسة هامشية، بل يتحول إلى «قطاع» اقتصادي ضمن رؤية تنافسية مع السعودية وغيرها، تُقاس عوائده بمليارات، مع أن النص القرآني يصفه بأنه من عمل الشيطان ويقرنه بالعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله والصلاة.4 الإشكال هنا ليس دينيًا فقط، بل اجتماعي وأخلاقي:

– صناعة القمار عالميًا ترتبط بالديون، تفكك الأسر، والجرائم المالية وغسل الأموال، وهو ما حذرت منه تقارير عربية تربط بين كازينوهات الإمارات وغسل الأموال والدعارة.12
– الدولة التي تجعل جزءًا من اقتصادها قائمًا على خسائر مواطنيها وضيوفها في ألعاب الحظ، تشرعن «أكل أموال الناس بالباطل» ما دام يتم عبر قنوات رسمية وبرخصة حكومية.

الميسر هنا ليس فعل فرد يشتري تذكرة يانصيب، بل مشروع دولة تخلق «ثقافة الحظ» بديلًا عن ثقافة العمل والإنتاج والعلم والجهاد المشروع؛ وهذا من أخطر تمظهرات «رجس» الميسر في مستوى البنية لا الأفراد.

الأنصاب والأزلام: من حجارة الجاهلية إلى أصنام التحالفات

الأنصاب في التفسير هي كل ما نُصب ليُعبد من دون الله أو يُتقرب إليه بالذبح، بينما الأزلام أدوات استقسام وطلب غيبٍ باطل.4 في الدولة الحديثة لا تجد أصنام حجرية حول الكعبة، لكن تجد «أنصابًا» معنوية:

– مراكز نفوذ دولية تُنصب لها القرابين من السياسات والصفقات والتطبيع، طلبًا للحماية أو الشرعية.
– تحالفات مع قوى احتلال واستعمار تتحول إلى مرجع أعلى يُقدَّم لها الولاء الفعلي، ولو على حساب قضايا الأمة وثوابتها.

في هذا السياق، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في اتفاقيات «أبراهام» لتطبيع كامل العلاقات مع الكيان الصهيوني سنة 2020، بما يشمل مستويات سياسية واقتصادية وسياحية وأمنية وثقافية.789 التحليل السياسي المتخصص يصف هذا الاتفاق بأنه:

– إخراج للعلاقات السرية إلى العلن، مع منح إسرائيل إنجازًا استراتيجيًا بتطبيع بدون ثمن سياسي حقيقي للفلسطينيين.7
– خطوة تعزل الفلسطينيين عن عمقهم العربي وتُسهّل على إسرائيل تهميش قضيتهم وفرض رؤيتها للتسوية.7

من منظور الآية، هذا السلوك يشبه نصب «أنصاب» جديدة: جعل أمن الكيان الصهيوني ورضا واشنطن وتل أبيب غاية يُتقرَّب إليها بسياسات الأمن والاستخبارات ومحاربة حركات المقاومة ودعم الثورات المضادة، حتى لو كان الثمن هو التنكّر لقضية فلسطين وحقوق شعبها.107

الأزلام في الجاهلية كانت وسيلة لاتخاذ القرار اعتمادًا على القداح والأوهام؛ أما اليوم فالحاكم الذي يبني قراراته على «قراءة» مراكز القوى العالمية وقراءة «الأسواق» ويجعلها معيارًا أعلى من أمر الله، إنما يستبدل الوحي بإشارات القوى العظمى. هذا شكل من أشكال الاستقسام المعاصر: أي الطريق الذي يحدده لك الآخر الأقوى، فتسير فيه ولو خالف مبادئك ودينك ومصالح أمتك.

«رجس من عمل الشيطان»: الدولة كمنصة لرجس مركّب

حين يصف القرآن هذه المنكرات بأنها «رجس» من عمل الشيطان، ويكشف في الآية التالية عن حكمتها: إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو يقدّم معيارًا نقديًا لفهم ما يجري في الإمارات اليوم على مستوى السياسة الداخلية والخارجية.4 يمكن تلخيص صورة «الرجس المركّب» في عدة مستويات:

– رجس القيم: تحويل الخمر والميسر من محرّمات قطعية إلى «منتجات» في رؤية الترفيه والسياحة، مع تليين الخطاب الديني أو تهميشه لصالح خطاب «التسامح» الليبرالي المفتوح لكل شيء إلا مقاومة الظلم.12
– رجس الاقتصاد: ربط جزء من النمو الاقتصادي بممارسات محرّمة شرعًا (قمار، دعاة دعارة، خمور)، ثم استخدام هذه العوائد في تعزيز السلطة والنفوذ، مع احتمال كبير لتضخّم شبكات الفساد وغسيل الأموال كما أشار عدد من التقارير.12
– رجس السياسة: الانخراط في تطبيع عميق مع الاحتلال، ودعم محاور الثورة المضادة، والتدخل في دول عربية لإجهاض أي تغيير ديمقراطي حقيقي، كما توضح دراسات عن تحالف الإمارات مع إسرائيل والولايات المتحدة في دعم الاستبداد ومنع التغيير.107
– رجس الهوية: السعي لتحويل الإمارات إلى نموذج عربي جديد «متحرر» من المرجعية الإسلامية عمليًا، وإن بقيت شعاراتها، وذلك عبر تركيز صورة المجتمع على الاستهلاك، والتسوّق، والترفيه، وحياة الليل، وعلاقات علنية منفلتة، بعيدًا عن أي مشروع نهضوي للأمة.12

النتيجة هي مجتمع تزداد فيه المسافات الطبقية، ويُستورد فيه نموذج حياة غريب عن روح المنطقة، بينما تُحاصر فيه كل الأصوات الرافضة لهذا المسار بحجّة تهديد الأمن أو التشويش على «مسيرة التنمية».

من اجتناب الرجس إلى مواجهته

الآية لم تقل «حرّمنا» فقط، بل قالت «فاجتنبوه»، وهذا الخطاب موجّه ليس للأفراد فحسب، بل للأمة والدولة والطبقة الحاكمة، لأن بناء بيئة عامة نظيفة من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام مسؤولية جماعية.4 حين تتحول الدولة نفسها إلى راعية قانونية لهذه المنكرات، تصبح في موقع من يعاند النص مباشرة، ويحوّل «رجس الشيطان» إلى جزء من مشروعه الوطني ورؤيته المستقبلية.

من هنا فإن نقد الدور الإماراتي المعاصر ليس ترفًا أيديولوجيًا، بل هو استجابة لنداء الآية في بعدها الحضاري: كشف كيف يُعاد إنتاج رجس الجاهلية في صورة أبراج أسمنتية وشاشات نيون وكازينوهات وحدائق خمر وصفقات تطبيع وتحالفات مع قوى الظلم، ثم تسويق كل ذلك بوصفه حضارة وتسامحًا وتنمية.127

السؤال المفتوح للأمة هو: هل تقبل أن تُعاد كتابة هويتها وقيمها ونظامها الأخلاقي من بوابة «الترفيه» و«السياحة» و«السلام الاقتصادي»، أم أن فيها من لا يزال يسمع نداء: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» فيقاوم هذا المسار فكريًا وإعلاميًا وسياسيًا وشعبيًا؟

الهوامش والمراجع:

  1. تقرير: «ترخيص جديد.. لماذا تصر الإمارات على استثمار المليارات في كازينوهات القمار لتصبح مراكز لغسل الأموال والدعارة»، موقع الاستقلال، 16 نوفمبر 2025.
    رابط المصدر
  2. تقرير: «الإمارات تستثمر المليارات في كازينوهات القمار لتصبح مراكز لغسل الأموال والدعارة»، موقع علامات أونلاين، 16 أكتوبر 2024.
    رابط المصدر
  3. خبر: «الإمارات تصدر أول رخصة لمزاولة أنشطة القمار بالخليج»، موقع مزيد الإخبارية، 6 أكتوبر 2024.
    رابط المصدر
  4. فتوى: «ما حكم اللوتو واليانصيب المجاني؟»، موقع الإسلام سؤال وجواب، رقم الفتوى 472165، 24 مارس 2024 (تشتمل على تقرير معنى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وبيان رجسيتها).
    رابط المصدر
  5. تقرير بحثي حول «صناعة المقامرة في الإمارات العربية المتحدة»، موقع SCCG Management، 3 ديسمبر 2025 (عرض تحليلي لتطور قطاع المقامرة وتنظيمه في الإمارات).
    رابط المصدر
  6. منشورات وتقارير عن تخفيف القيود على ألعاب القمار والرهانات عبر الإنترنت في الإمارات (منصات إخبارية وشبكات اجتماعية موثقة في 2024–2026).
    مثال: منشور إنستغرام تحليلي حول تخفيف القيود:
    رابط أحد النماذج
  7. دراسة: «اتفاق "أبراهام": تطبيع علاقات أم إعلان عن تحالف قائم بين الإمارات وإسرائيل؟»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 15 أغسطس 2020.
    رابط المصدر
  8. مادة موسوعية: «اتفاقيات أبراهام.. موجة التطبيع العربي مع إسرائيل»، موسوعة الجزيرة، 9 يونيو 2024.
    رابط المصدر
  9. «اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة»، صفحة ويكيبيديا العربية التعريفية بالاتفاق، 12 أغسطس 2020 وما بعدها.
    رابط المصدر
  10. دراسة: «"اتفاقيات أبراهام" والنموذج الجديد للتطبيع: قراءة تحليلية»، مجلة الدراسات الفلسطينية، 31 يناير 2021 (تحليل أوسع لدور الإمارات في التحالفات الإقليمية والتطبيع).
    رابط المصدر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي