إماراتي يقول مكة تباع فيها الخمور !

رسالة إلى السيد الفاضل الذي اكتشف الوهابية من دبي

أو: كيف ترى قشة في عين جارك وتغفل عن جذع النخلة في عينك

وصلتني رسالة — أو بالأحرى تغريدة، فنحن في زمن أصبح فيه الحكمة تُكتب في مئة وأربعين حرفاً — من أخٍ إماراتي كريم، يقطن على ما أظن في أحد أبراج دبي الزجاجية المطلة على بحر من الأنوار والملاهي. وقد تفضّل هذا الأخ الكريم، بعد أن وضع كأسه جانباً للحظة — أو ربما لم يضعها — بأن يُطلق حكماً دينياً عميقاً مفاده: أن السعوديين وهابيون متشددون، وأن الحرم المكي الشريف قد تحوّل — والعياذ بالله — إلى ما يشبه حي السوهو في لندن، تُباع حوله الخمور وتُرتكب الموبقات.

وأنا إذ أقرأ هذا الكلام، لم أغضب. بل جلستُ هنيهةً أتأمل. فالغضب لمن يستحقه، والتأمل لمن يُضحكك.

أولاً: التشخيص الديني لحالتنا العلمية

دعني أفهم المعادلة أولاً، يا سيدي الفقيه الجليل:

أنت تعيش في دولة يُباح فيها شرب الخمر رسمياً وقانونياً منذ عقود، حيث يمكنك في أي لحظة — دون أن تتكلف عناء الاختباء — أن تجلس في مطعم على شاطئ الجميرا وتطلب ما شئت من مسكرات وهي تُحاسبك عليها بالفاتورة الرسمية مع ضريبة القيمة المضافة. لديك "شارع المرقر" في دبي، لديك "بار ستريت" في أبوظبي، لديك كازينوهات تُشيّد بخطط هندسية دقيقة، لديك صناعة سياحية قوامها ما لا يحتاج ذكره. ومع ذلك، من علياء هذا المنبر الشرعي الرفيع، قررت أن تُصدر فتواك في تشدد أهل مكة.

يا سيدي، هذا يشبه تماماً أن يقوم قبطان سفينة غارقة بانتقاد طريقة قيادة سيارة صاحبه.

ثانياً: في الحرم وما قيل عنه

أما قولك إن الحرم المكي "تُباع حوله الخمور وتُفعل عنده الموبقات"، فقد توقفتُ عند هذه الجملة طويلاً، وسألت نفسي: هل زار صاحبنا مكة المكرمة فعلاً؟ أم أنه يصف ما يراه من نافذة شقته في داون تاون دبي ويظنه المسجد الحرام؟

لأن الحرم المكي — للعلم والإفادة — تحكمه أشد قوانين التحريم في العالم. دخوله محظور على غير المسلمين أصلاً. والمنطقة المحيطة به تخضع لرقابة أمنية وشرعية لا تُجيز فيها أدنى مخالفة. أما ما يُشاع من أن الفنادق المحيطة بالحرم أصبحت "فندقة عصرية" — فهذا صحيح، وهو موضع نقاش مشروع بين العلماء أنفسهم حول التوازن بين التطوير العمراني والحفاظ على القدسية — لكن الفرق بين "فندق فيه قهوة" وبين "بار ليلي" يا سيدي، هو فرق كالفرق بين مسجد وملهى. وهو تمييز أخشى أن صاحبنا فقد القدرة على إجرائه نتيجة كثرة مجالسة الاثنين معاً.

ثالثاً: العبادة من بعيد — أخطر أنواع الفقه

من الظواهر المثيرة للدراسة في العصر الحديث: ظهور نوع جديد من الفقهاء، يمتاز بأنه لا يعرف شيئاً عن الفقه الكلاسيكي، ولا قرأ ابن قدامة ولا ابن حجر، لكنه يمتلك هاتفاً ذكياً وحساباً على تويتر وقناة يوتيوب. وهذا النوع خطير لأنه واثق من نفسه بنسبة تتجاوز ما يعلم بمراحل.

صاحبنا الإماراتي — حفظه الله وهداه — ينتمي لهذه المدرسة. فهو لم يقل: "أنا قلق على حرمة المكان"، لو قال ذلك لكان موقفاً نبيلاً يستحق النقاش. بل قال: "السعوديون وهابيون متشددون" — وهنا الطرفة الكبرى. فهو لم يأتِ من موقع الغيرة الدينية، بل من موقع "أنتم متخلفون ونحن متقدمون"، وجعل الخمر والانفتاح دليلاً على التحضر، والتحريم دليلاً على التشدد.

يعني بلغة أوضح: هو لا يريد منا أن نكون أقل تديناً فحسب — بل أن نكون مثله تماماً. وهنا المفارقة اللاذعة.

رابعاً: درس مختصر في مفهوم "الوهابية" من فم من يستخدمها

كلمة "وهابية" أصبحت في الخطاب الشعبي الحديث تعني ببساطة: "أي مسلم يزعجني بدينه". فإذا رفض أحدهم الاختلاط — وهابي. وإذا أنكر شيئاً محرماً — وهابي. وإذا قرأ القرآن في الأماكن العامة — وهابي. والمضحك أن كثيراً من الذين يوزعون هذه التسمية لا يعرفون من هو محمد بن عبد الوهاب أصلاً، ولا ما كتب، ولا ما السياق التاريخي الذي ظهر فيه. يستخدمون الكلمة كما يستخدم الطفل كلمة "عفريت" — لكل ما يخيفه ولا يفهمه.

أما من الناحية الدينية الصرفة، فإن رفع شعار "هؤلاء متشددون" من قِبَل من يسكن في بيئة تُبيح المحرمات رسمياً، هو ضرب من ضروب الاستدلال المقلوب. لأن المعيار الشرعي ليس ما تستسيغه النفس أو ما اعتادت عليه العيون، بل ما جاء به النص. ومن هذا المنطلق، فإن "التشدد الوهابي" الذي ينتقده صاحبنا هو في أحيان كثيرة مجرد التزام بما هو مجمع عليه في الفقه الإسلامي عبر مذاهبه الأربعة وليس ابتكاراً حجازياً خاصاً.

خامساً: الإمارات في مرآة موضوعية — لأن العدل فضيلة

لستُ هنا لأهاجم الإمارات كدولة، فهي دولة شقيقة فيها من الطيبين والمخلصين الكثير، وفيها إنجازات تستحق التقدير. لكن بما أن صاحبنا فتح باب المقارنة الدينية والأخلاقية، فلنكن موضوعيين:

  • الخمر: حلال قانونياً ومُباع رسمياً لأصحاب التصاريح وغيرهم في كثير من الأحيان، بل إن عام 2022 شهد إلغاء قيود عديدة كانت موجودة.
  • القمار: كازينوهات تُنشأ رسمياً في المقامات السياحية، ومنصات المراهنات الرياضية تعمل بحرية.
  • السياحة الجنسية: موثقة في تقارير دولية وأممية بما فيها تقارير مكافحة الاتجار بالبشر الصادرة عن منظمات غربية.
  • الفنانون والمؤثرون: من يُعرض على المنصات الإماراتية من محتوى غنائي وترفيهي لا يحتاج وصفاً.

ولا أقول هذا تشفياً — أقوله لأن من يفتح ملف المقارنة الأخلاقية والدينية عليه أن يكون مستعداً لأن تُقرأ صفحته هو أيضاً.

سادساً: الخاتمة

قال المتفائل ذات مرة ما معناه: "الإنسان الحكيم لا يُدين الآخرين علناً قبل أن يتفقد ما في دواليبه". وأنا أزيد عليه: الإنسان الأكثر حكمة لا يُدين الآخرين دينياً وهو يشرب.

يا أخي الإماراتي الكريم، أنت حر فيما تختار لنفسك، وهذا شأنك ومحاسبتك مع ربك وحده. لكن حين تنتقل من الحرية الشخصية إلى إصدار شهادات الدين والتدين في حق ملايين المسلمين، وتجعل من التحرر علامة تقدم ومن الالتزام علامة تخلف — فأنت لا تقدم رأياً دينياً، بل تقدم إسقاطاً نفسياً مغلفاً بلغة التنوير.

ومكة — بكل ما فيها من نقاشات مشروعة حول العمران والتطوير — تبقى أقدس بقعة على وجه الأرض عند كل مسلم يؤمن بما جاء في القرآن والسنة. وليس الخلاف الفقهي المشروع حول تفاصيل التطوير بمساوٍ للادعاء بأن الموبقات تُمارس حولها. فهذا بهتان، وفرق ما بين الاثنين كالفرق بين النقد والافتراء.

وفي النهاية — وبكل محبة وسخرية معاً — أقول لك يا سيدي:

قبل أن تقلق على الخمر حول الكعبة، تأكد أولاً أنك لست أنت من يحمله.


كاتب يؤمن بأن أجمل السخرية تلك التي تُضحكك ثم تُفكّرك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي