خيانة الإمارات في اليمن بالوثائق والأدلة
الأخ الذي طعنك من الأمام
تاريخ موثق في خيانات الإمارات لمن حسبهم حلفاء — إعداد المتفائل
يقولون إن الخيانة فنّ، وكل فنٍّ يحتاج إلى موهبة، ولا أحد في هذا الزمان أتقن هذا الفن وصقله وصدّره على الملأ كأبي ظبي. في الوقت الذي كانت فيه الرياض تُنفق الدماء والدنانير دفاعاً عن "الشرعية" في اليمن، كانت أبو ظبي تنظّم أناملها وتختار الزاوية المناسبة للسكين. وكما يقول الحكيم: "ليس خائناً من طعنك من الخلف، فذلك لصٌّ عادي — بل الخائن الحقيقي هو من يُبكي معك، ويُصافحك، ويُقبّل خدّك، ثم يُدير السكين ببطء وأناقة بينما تتحدثان عن أُخوّة العرب."
هيّا إذن في رحلة سردية موثقة عبر تاريخ استثنائي، لدولة استثنائية، في مهارة استثنائية.
أولاً: قصة التحالف الذي لم يكن تحالفاً
في مارس 2015، أعلن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية عن عملية "عاصفة الحزم"، وانضمت إليها دولة الإمارات بحماسة تُغبط عليها — كمن يصعد إلى القطار ويطلب من السائق أن يتوقف حيثما يشاء.
كان الهدف المُعلَن: استعادة الشرعية اليمنية ودعم الحكومة الشرعية برئاسة هادي ضد الحوثيين. وكان الهدف غير المُعلَن، الذي لن يخبرك به أحد في أبو ظبي علناً، هو شيء آخر تماماً. لكن التاريخ، ذلك المحقق العنيد الذي لا يقبل الرشوة، سيكشف كل شيء.
الإماراتيون دخلوا التحالف كـ"حلفاء" ودخلوا اليمن كـ"محررين"، لكنهم فتحوا عيونهم جيداً وقرروا في السر: "هذه الجزيرة الجنوبية الجميلة، هذه الموانئ، هذا المضيق — لماذا نتركها لليمنيين؟"
ثانياً: دعم المجلس الانتقالي الجنوبي — الطعنة الأولى بالورود
في عام 2017، قامت الإمارات بخطوة بارعة: أسّست ورعت ما يُعرف بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي نشأ من رحم الحركة الجنوبية الانفصالية، بقيادة عيدروس الزبيدي — محافظ عدن السابق الذي أقاله الرئيس هادي — حليف التحالف نفسه.
الطُّرفة هنا أن الإمارات كانت في الوقت ذاته عضواً رسمياً في التحالف الداعم لشرعية هادي، بينما تُموّل وتُسلّح وتُدرّب قوات ترفع شعار "الاستقلال الجنوبي" وتريد تقسيم ما يُفترض أن التحالف يُوحّده. هذه ما تُسمى في لغة الأبطال الخارقين بـ"قتال العدو ودعمه في الوقت ذاته" — لكن يبدو أن أبا ظبي قرأت القصة المصورة هذه وأخذتها كحرفة.
في أغسطس 2019 تحوّل الأمر من كوميديا إلى فضيحة مدوّية: قوات المجلس الانتقالي — الذراع الإماراتي — هاجمت عدن، عاصمة الحكومة الشرعية المُفترض أن الإمارات تدعمها! سيطروا على القصر الرئاسي والمناطق الأمنية في المدينة، وطردوا قوات الحكومة الشرعية من عاصمتها. هذا بالضبط مثل قصة حارس البنك الذي يسرق البنك ثم يُصدر بياناً يُعرب فيه عن "قلقه البالغ" من ارتفاع معدلات السرقة.
أما المشهد الأكثر روعةً والأغنى بالدراما، فوقع في ديسمبر 2025 ويناير 2026: قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً سيطرت على حضرموت وسيئون، ثم أعلن التحالف السعودي شنّه ضربات جوية على شحنة أسلحة إماراتية وصلت لقوات المجلس، فيما وصفت الرياض الدعم الإماراتي لقوات الانفصاليين بأنه "بالغ الخطورة" ويُهدد الأمن القومي السعودي.
ثم جاءت المسرحية التي ضربت كل الأرقام القياسية: الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي، هرب من اليمن ليلاً على متن قارب، ثم طائرة شحن إماراتية نقلته إلى أبو ظبي عبر الصومال — ولا أعرف لماذا يستغرب أحد أن السفر من عدن إلى أبو ظبي عبر الصومال طريقٌ منطقي تماماً. وصف التحالف العملية بأنه "تسهيل إماراتي لتهريب متهم بالخيانة"، وطلب الصومال التحقيق في "الاستخدام غير المُصرَّح به" لمجاله الجوي ومطاراته.
ثالثاً: الاستخبارات الإماراتية — حين يكون "الحليف" هو المُخبر
لنتوقف هنا ونُقدّر الذكاء الإماراتي: كنتَ في التحالف، تُعطيهم معلوماتك، ومن ثم تُعطي معلوماتهم لخصومهم. هذا ليس غشاً — هذا فنٌّ تحتاج فيه إلى موازنة ميزانين في يد واحدة.
أفاد موقع "المواقع بوست" نقلاً عن تقارير الاستخبارات السعودية عام 2020 أن الإمارات كانت تُزوّد التحالف بإحداثيات مزوّرة لأهداف، فإذا ضُرِبت تبيّن أنها مواقع الجيش اليمني — الحليف! بمعنى آخر: كانت الطائرات السعودية تضرب حلفاءها بناءً على بيانات إماراتية. ووصف الضابط السعودي في تقريره أن المجموعات المُستهدفة "شملت وحدات قتالية قبلية تبيّن أنها مناوئة لدولة الإمارات في اليمن".
باختصار: استخدموا سلاح الجو السعودي كأداة لتصفية خصومهم اليمنيين. وهنا نفهم لماذا قيل قديماً: "من تسلّف سيفك ليقتل عدوّه، تأكد أنك لست عدوّه."
رابعاً: السجون السرية — "الضيافة الإماراتية" في اليمن
لا يكتمل أي مشروع احتلال أنيق بدون سجون سرية، وهذا ما لم تُخيّب فيه الإمارات توقعات أحد.
في يناير 2026، حصلت بي بي سي على إذن بدخول مرافق الاحتجاز داخل قواعد عسكرية إماراتية سابقة في اليمن، وأكدت وجود شبكة سجون سرية أدارتها الإمارات وقوات حليفة طوال سنوات الحرب. معتقل سابق أخبر بي بي سي أنه تعرّض للضرب والانتهاك الجنسي، وأن من اعتقله كانوا جنوداً إماراتيين وآخرين يمنيين مُدرَّبين إماراتياً. قال: "كل أنواع التعذيب — حين كنا نُستجوَب كانت أسوأ لحظات حياتي. حتى الانتهاك الجنسي مارسوه. حاولت الانتحار مرات عدة لأُنهي هذا الجحيم."
وقبل ذلك، في 2017، وثّقت وكالة أسوشيتد برس وجود 18 موقع احتجاز سري على الأقل يديرها الإماراتيون أو قوات يمنية تحت قيادتهم، في قواعد عسكرية وموانئ ومطارات وفيلات خاصة وحتى نادٍ ليلي. وطالب وزير الداخلية اليمني آنذاك الإمارات بإغلاق هذه المرافق أو تسليمها.
أما تقرير الأمم المتحدة لعام 2021، فلم يكن أقل حدةً: وثّق حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب في مرافق تحت سيطرة الإمارات، ووجد أن دعم أبو ظبي للمجلس الانتقالي الجنوبي يُقوّض وحدة اليمن وسيادته وشرعيته، وذلك بما يتعارض مع قرار مجلس الأمن 2216 الذي دفع الإمارات للانضمام للتحالف أصلاً.
الإمارات إذن انضمت للتحالف بموجب قرار دولي يُلزمها بدعم سيادة اليمن، ثم انتهكت هذا القرار بمرافق التعذيب واستراتيجية التقسيم. المتفائل نفسه لو رأى هذا المشهد، لأغمض عينيه وقال: "الحقيقة أغرب من الخيال — لكن هذا يتجاوز الاثنين معاً."
خامساً: تمويل الاغتيالات — حين تُصبح السياسة تجارة قتل
في يناير 2024، نشرت بي بي سي تحقيقاً مدعوماً بشهادات مُبلِّغين يكشف أن الإمارات موّلت عمليات اغتيال سياسية في اليمن، مستهدفةً خصوم أبو ظبي السياسيين. ليس الأمر مجرد "تدخل سياسي" — بل دفع أموال لقتل أشخاص يعارضون المشروع الإماراتي في اليمن.
ومن العجائب أن هؤلاء المستهدفين لم يكونوا كلهم من الحوثيين — بل كثيرون منهم من صفوف التحالف نفسه أو من حلفائه اليمنيين. يُريحك الإماراتيون أحياناً من عبء الاختيار: لا فرق عندهم بين خصم وحليف إذا وقف في طريق المصلحة.
سادساً: الإمارات وإسرائيل — التطبيع الذي لم يأتِ من فراغ
الآن ننتقل إلى الفصل الأكثر إثارةً للجدل — وللغضب — وللسؤال المُحرج: متى بدأت العلاقة الإماراتية الإسرائيلية؟
الجواب يصدمك: قبل "اتفاقيات أبراهام" بسنوات طويلة. في أغسطس 2020، حين وقّع محمد بن زايد ونتنياهو ما أُسمي "اتفاقية السلام التاريخية"، وصفها معهد واشنطن بأنها "إضفاء طابع مؤسسي على تعاون أمني واستخباراتي قائم منذ فترة طويلة" بين الدولتين. بمعنى آخر: الاتفاقية لم تُنشئ علاقة، بل أخرجت علاقة سرية إلى الضوء بعد سنوات من العمل خلف الكواليس.
ومعهد دوحة للسياسات وصف الاتفاقية بأنها لم تنبثق من حب السلام، بل من حساب براغماتي: الإمارات أرادت الحصول على السلاح الأمريكي (وتحديداً طائرات F-35 ومنظومة THAAD)، وأرادت دعماً غربياً لتوجهاتها الإقليمية في مواجهة تركيا وإيران. نتنياهو استثمر الاتفاقية كورقة تُقنن رفضه لمبدأ "الأرض مقابل السلام" وتُعزّز عزلة الفلسطينيين عن محيطهم العربي.
وما أثار الدهشة أن الإمارات وقّعت هذه الاتفاقية بعد اعتراف أمريكا بضمّ القدس، وفي مرحلة توسع استيطاني غير مسبوق، ودون أي تنازل إسرائيلي للفلسطينيين — بل اكتُفي بتعليق مؤقت لنية ضمّ الضفة الغربية، وهو ما وصفه المحللون بـ"التطبيع مقابل لا شيء".
والآن تأتي الرابطة الأكثر إثارةً مع اليمن: "كريستال بول" — مشروع إماراتي إسرائيلي مشترك أُطلق في تل أبيب عام 2023 بحضور وزير الأمن السيبراني الإماراتي، بهدف بناء "قدرات استخبارية إقليمية مُعزَّزة"، بمشاركة شركة "رافائيل" الإسرائيلية للأسلحة المتقدمة، ومنصات إماراتية.
والأكثر إثارةً: تلك المنصات نُشرت في مواقع استراتيجية باليمن — جزر عبد الكوري وميون وسمحة وزُقر في خليج عدن — أي أن الإمارات، بينما كانت حليفة للتحالف العربي، كانت تبني بالتعاون مع إسرائيل قواعد استخباراتية وعسكرية على أراضٍ يمنية. والمجلس الانتقالي الجنوبي ذاته بات يسعى لتطوير علاقاته مع إسرائيل لكسب اعتراف أمريكي دولي بمشروعه الانفصالي.
سابعاً: جزر اليمن — حين "تحرر" يعني "تسرق"
لنتحدث عن الجزر، تلك التي كانت يمنية وأصبحت... مُختلَف عليها.
جزيرة ميون (باب المندب)، وجزيرة سقطرى، وجزر أخرى في خليج عدن: سيطرت الإمارات عليها عسكرياً تحت غطاء العمليات في اليمن. سقطرى استأثرت باهتمام خاص — جزيرة يمنية في بحر العرب وسّعت فيها الإمارات وجودها حتى بدت كقاعدة إماراتية بامتياز، ما دفع الحكومة اليمنية للاحتجاج رسمياً.
ومرصد AGSI يُلاحظ أن الإمارات تنظر إلى الجزر والموانئ ومضيق باب المندب كجزء أساسي من استراتيجيتها الإقليمية والتجارية الشاملة، حتى بعد إعادة تقييمها لوجودها البري في اليمن. بمعنى آخر: انسحبوا من الخنادق لكنهم احتفظوا بالموانئ والجزر والممرات.
ثامناً: عالِمٌ سعودي يُطلق صفارة الإنذار
في أعلى درجات الصراحة العلنية، خرج أكاديمي سعودي بارز لينشر اتهامات مباشرة للإمارات بالتعاون العسكري والاستخباراتي السري مع إسرائيل، بما فيه دعم عمليات في غزة، وإتاحة منشآت عسكرية إقليمية. وكتب: "هذه خيانة لله ورسوله والأمة جمعاء." كما اتهمها بزعزعة استقرار اليمن وليبيا والسودان والصومال، وممارسة نفوذ سياسي واقتصادي في مصر وتونس.
الرسالة وصلت، الردّ الإماراتي كالعادة: صمت دبلوماسي وبريق ناطحات السحاب.
خاتمة: درس المتفائل في العلاقات العربية
قال المتفائل ذات مرة (ولو لم يقلها فسأهديها إليه مجاناً): "الحقيقة هي أثمن ما نملك — لذا دعنا نقتصد في استخدامها." ويبدو أن هذه الحكمة كانت دليل العمل الإماراتي طوال عقد من الحرب اليمنية.
ما بدأ باسم "عاصفة الحزم" تحوّل إلى "عاصفة المصالح"، إذ انتهت الإمارات بـ:
- شبكة قواعد عسكرية وموانئ في اليمن
- ذراع سياسي (المجلس الانتقالي الجنوبي) يُسيطر على مساحات واسعة من الجنوب اليمني
- تعاون استخباراتي وعسكري مع إسرائيل منتشر في مواقع يمنية استراتيجية
- سجون سرية موثّقة دولياً
- خلاف علني مع الشريك السعودي وصل حدّ التبادل بالضربات الجوية
وكما يقول المثل العربي المُعدَّل: "لا تُقلّد أخاك في الحرب قبل أن تُعرِّف الأخ."
التاريخ يحفظ كل شيء، حتى حين يُحاول أصحابه طيّ صفحاته. والوثائق لا تنتحر، والشهود لا يختفون كلهم، وبي بي سي لا تزال تُصوّر، والأمم المتحدة لا تزال تكتب تقاريرها.
أما المتفائل، فيكتب ببساطة: "قضيت أربعين عاماً أُحاول أن أتخيّل شخصية ساخرة لا يُصدّقها أحد. ثم جاءت السياسة الخارجية الإماراتية وأثبتت أن خيالي كان فقيراً."
المراجع والهوامش
- BBC – Saudi-led coalition says UAE helped smuggle separatist leader out of Yemen: https://www.bbc.com/news/articles/c5y2mvp3r2do
- BBC Arabic – الرياض تصف «دعماً إماراتياً» لقوات جنوبية في اليمن بـ«بالغ الخطورة»: https://www.bbc.com/arabic/articles/c74x4k3pe7qo
- BBC Arabic – تحقيق يكشف أن الإمارات موّلت اغتيالات سياسية في اليمن: https://www.bbc.com/arabic/articles/c28lkgyr1n0o
- الموقع بوست – تقارير سعودية تتهم الاستخبارات الإماراتية بتضليل التحالف العربي: https://almawqeapost.net/news/55897
- BBC – Yemen civil war: BBC sees UAE-run secret prisons: https://www.bbc.com/news/articles/c3r117w55q4o
- تقرير عن السجون السرية الإماراتية وتحقيقات أسوشيتد برس (ملخّص عبر Arab News): https://www.arabnews.pk/node/2631514/media
- Yemen: UN report accuses Saudi Arabia, UAE and Houthis of committing crimes: https://www.alkarama.org/en/articles/yemen-un-report-accuses-saudi-arabia-uae-houthis-committing-crimes
- معهد الدوحة – اتفاق «أبراهام»: تطبيع علاقات أم إعلان عن تحالف قائم بين الإمارات وإسرائيل؟: رابط الدراسة
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – «اتفاقيات أبراهام» والنموذج الجديد للتطبيع: https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656260
- The Washington Institute – The Emerging Abraham Accords: The Challenges of Positive Change: https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/emerging-abraham-accords-challenges-positive-change
- Arab Center Washington DC – Israel, the UAE, and Yemen's South: https://arabcenterdc.org/resource/israel-the-uae-and-yemens-south-the-politics-of-unlikely-alliances/
- AGSI – المصالح الاستراتيجية الثلاث للإمارات في اليمن: رابط التحليل
- منشور الأكاديمي السعودي عن تعاون الإمارات مع إسرائيل (نقلاً عن Yeni Şafak): رابط مختصر للمنشور
تعليقات
إرسال تعليق