خطط اسرائيل الحالية لفرض السيطرة الكاملة على الضفة وغزة وتقويض الكيان الفلسطيني
خطط اسرائيل الحالية لفرض السيطرة الكاملة على الضفة وغزة وتقويض الكيان الفلسطيني
تعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، وبدعم من بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، ضمن مشروع سياسي وأمني متكامل يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على كامل فلسطين التاريخية، وتقويض أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. هذا المشروع لا يأتي في صورة وثيقة واحدة معلنة، بل يتجسد في سلسلة من القرارات والتشريعات والممارسات على الأرض، تتكامل فيما بينها نحو هدف واحد: ضم فعلي للأرض، وتفريغ الكيان الفلسطيني من محتواه السياسي والقانوني، ودفع الفلسطينيين نحو حالة من “اللا دولة”.
أولًا: طبيعة التحالف الحاكم وأهدافه
جاء تشكيل هذه الحكومة في سياق أزمة سياسية داخلية حادة في إسرائيل، وتوتر عميق بين المؤسسات القضائية والتيار اليميني الديني والقومي. نتنياهو، الذي يواجه ملفات فساد ومحاكمات، عقد تحالفًا مع أكثر الأحزاب تطرفًا، ومنحها نفوذًا واسعًا على ملفات الأمن الداخلي، والضفة الغربية، والشرطة، والمالية، مقابل توفير غطاء برلماني لبقائه في السلطة.
هذا التحالف اليميني – الديني يرفع شعار رفض أي “تنازل إقليمي” أو تجميد جدي للاستيطان، ويرى أن الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من “أرض إسرائيل”، وأن فكرة الدولة الفلسطينية يجب أن تُدفن نهائيًا، سواء عبر القوة العسكرية أو فرض وقائع ميدانية تجعل أي حل سياسي مستقبلي مستحيلًا عمليًا.
ثانيًا: توزيع الأدوار بين نتنياهو وسموتريتش وبن غفير
يلعب نتنياهو دور الواجهة أمام الولايات المتحدة والدول العربية، فيحاول استخدام لغة دبلوماسية مرنة عند الضرورة، والتأكيد على أنه يدير “صراعًا معقدًا” وليس مشروعًا للتطهير العرقي أو الضم الرسمي في المدى القريب. لكن في الواقع، يترك مساحة واسعة لحلفائه الأكثر تطرفًا لتنفيذ أجنداتهم على الأرض، مع الاحتفاظ بحق تهدئة الإيقاع أو تجميد بعض القرارات عند اشتداد الضغوط الدولية.
سموتريتش، بصفته وزيرًا للمالية وممسكًا بصلاحيات مدنية واسعة في الضفة، يتحكم في مفاصل حيوية: الاستيطان، البنى التحتية، التخطيط والبناء في المناطق المصنفة (ج)، وأموال الضرائب الفلسطينية. أما بن غفير، بصفته وزيرًا للأمن القومي، فأُوكلت إليه المنظومة الشرطية وحرس الحدود في القدس والداخل وبعض مناطق الضفة، ما أتاح له إعادة توجيه هذه الأجهزة لخدمة أجندة اليمين المتطرف، خاصة في ما يتعلق بتسليح المستوطنين وقمع أي احتجاج فلسطيني.
ثالثًا: أدوات سموتريتش – الاستيطان والخنق المالي
في الضفة الغربية، تُستخدم صلاحيات سموتريتش لدفع مشروع “الضم الزاحف” عبر مسارين متوازيين:
1. تسريع الاستيطان:
- العمل على “شرعنة” بؤر استيطانية عشوائية وتحويلها إلى مستوطنات رسمية، ثم ربطها بشبكات طرق وكهرباء ومياه، بحيث تتحول تدريجيًا إلى كتل استيطانية دائمة.
- الدفع نحو إقامة مستوطنات وبنى تحتية تقطع التواصل الجغرافي بين مدن وقرى الضفة، وتربط الكتل الاستيطانية بعضها ببعض ومع غور الأردن، ما يحول التجمعات الفلسطينية إلى “جزر” معزولة داخل نظام سيطرة إسرائيلي شامل.
2. الخنق المالي للسلطة الفلسطينية:
- حجز أو اقتطاع جزء من أموال المقاصة (الضرائب) التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة، واشتراط الإفراج عنها بسلوك سياسي وأمني معين، أو استخدامها كورقة عقاب وضغط.
- هذا المسار يؤدي إلى أزمات مالية متكررة لدى السلطة، وتأخير أو تقليص رواتب الموظفين العموميين، بمن فيهم الأطباء والمعلمون وموظفو الأجهزة الأمنية، ويضعف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للسكان.
يتم تقديم هذه السياسات في الخطاب الإسرائيلي بوصفها “أدوات ضغط على قيادة فلسطينية غير متعاونة”، لكنها عمليًا تسهم في تفكيك ما تبقّى من بنية مؤسسية للسلطة، وتقربها من حافة الانهيار، بما يخدم هدف التيار اليميني في إسقاط فكرة “الكيان الفلسطيني” كعنوان سياسي.
رابعًا: أدوات بن غفير – تسليح المستوطنين وصناعة الرعب اليومي
بن غفير يستثمر منصبه في توسيع هامش الحركة أمام المستوطنين والأجهزة الشرطية، عبر:
- توسيع برامج تسليح المدنيين، خاصة في المستوطنات والمناطق الحدودية، تحت عنوان “الدفاع عن النفس”، ما يحوّل آلاف المستوطنين إلى ميليشيا مسلحة شبه رسمية.
- توفير غطاء سياسي وقانوني أكبر لعمليات قمع الفلسطينيين في القدس والداخل، وتشديد العقوبات، وتقليص هوامش الاحتجاج، والتضييق على النشطاء.
- التساهل، إن لم يكن التشجيع الضمني، مع هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية في الضفة، من حرق واعتداءات وتخريب للممتلكات، في ظل غياب ملاحقة فعّالة للجناة أو محاسبتهم.
بهذه السياسات، تتحول الحياة اليومية للفلسطينيين في مناطق معينة إلى حالة من الخوف المستمر، ما يدفع بعض العائلات إلى التفكير في الرحيل أو الانتقال إلى مناطق أقل توترًا، وهو ما يخدم عمليًا استراتيجية “الهجرة تحت الضغط” دون إعلان رسمي عن خطة ترحيل.
خامسًا: الرؤية تجاه غزة – السيطرة الطويلة والهندسة الديموغرافية
في قطاع غزة، يبرز داخل الحكومة الإسرائيلية والتيار اليميني الأوسع اتجاه يدعو إلى:
- منع عودة أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني المستقل، سواء لحماس أو للسلطة الفلسطينية، والإبقاء على سيطرة أمنية إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة على المعابر والأجواء والبحر.
- الإبقاء على وجود عسكري وأمني إسرائيلي متقدم داخل القطاع أو على تخومه، مع مناطق عازلة واسعة، بما يضمن خنق أي قدرة عسكرية فلسطينية مستقبلًا.
- طرح أفكار – داخل إسرائيل وخارجها – عن ترتيبات “اليوم التالي” تقوم على إعادة إعمار غزة ضمن إطار وصاية دولية أو أميركية أو إقليمية، مع تشجيع “الهجرة الطوعية” لجزء من السكان إلى دول أخرى، مقابل حوافز مالية وإقامة مؤقتة، وتوجيه جزء من مساحة القطاع لمشاريع سياحية وعقارية واستثمارية ضخمة.
حتى لو لم تُعلن هذه الرؤى كخطة إسرائيلية رسمية واحدة، إلا أن جوهرها يتقاطع مع طموح لخفض عدد الفلسطينيين في غزة، وتحويل الجزء الأكبر من الأرض إلى فضاء يمكن استثماره اقتصاديًا وأمنيًا في إطار السيطرة الإسرائيلية العامة على الساحل.
على الأرض، أدى دفع السكان نحو الجنوب تحت القصف، وتدمير أحياء واسعة في الشمال والوسط، إلى خلق واقع ديموغرافي جديد يزيد من قابلية القطاع لخريطة إعادة توزيع سكانية وجغرافية تخدم هذه الرؤى.
سادسًا: الضفة الغربية – ضم فعلي وإنهاء تدريجي للسلطة
في الضفة، يجري تثبيت ضم فعلي من دون إعلان قانوني نهائي عبر:
- توسيع الاستيطان والطرق الالتفافية، وتحويل المناطق المصنفة (ج) إلى مجال حيوي للمشروع الاستيطاني، مع تقليص أي وجود إداري فلسطيني فيها.
- نقل مزيد من الصلاحيات المدنية من الجيش إلى وزراء مدنيين في الحكومة، وعلى رأسهم سموتريتش، بما يعني “تطبيع” إدارة الضفة كجزء عقاري وإداري من إسرائيل، لا كأرض خاضعة لاحتلال مؤقت.
- دفع السلطة الفلسطينية باتجاه أن تصبح جهازًا إداريًا أمنيًا محدود الصلاحيات في جزر مكتظّة (المدن الرئيسية)، من دون أي أفق سيادي حقيقي أو سيطرة على الحدود والموارد.
في هذا السياق، تعود إلى الواجهة أفكار “الخيار الأردني” بصيغ مختلفة، من الحديث عن الأردن كـ “وطن بديل”، إلى تشجيع الهجرة نحوه، أو التعامل مع الفلسطينيين في الضفة كملف سكاني يمكن ربطه إداريًا أو قانونيًا بمحيطه الإقليمي على المدى الطويل.
سابعًا: الهدف النهائي – تهميش الكيان الفلسطيني وتحويل الجواز إلى “ورقة بلا دولة”
مجموع هذه السياسات يقود إلى نتيجة واحدة: تفريغ الكيان الفلسطيني من معناه، وتحويله إلى إدارة محلية بلا سيادة. فإذا انهارت السلطة الفلسطينية أو جُرِّدت من وظائفها الأساسية، سيفقد “الجواز الفلسطيني” قيمته العملية، ويتحول حاملوه إلى مجرد سكان بلا دولة معترف بها فعليًا، أو إلى لاجئين دائمين في دول الجوار والعالم.
في هذه الحالة، تصبح قضية فلسطين – في تصور اليمين الإسرائيلي – مجرد ملف أمني وديموغرافي تديره إسرائيل والفاعلون الدوليون، بدلًا من كونها قضية شعب صاحب حق تقرير المصير يسعى للحصول على دولته المستقلة. هذا ما يفسر جانبًا من التحركات الدبلوماسية العربية والدولية الأخيرة، الساعية إلى تثبيت الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، كحاجز قانوني وسياسي يمنع شطب الكيان الفلسطيني من الخريطة.
هذا ما يفسر جانبًا من التحركات الدبلوماسية العربية والدولية الأخيرة، الساعية إلى تثبيت الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، كحاجز قانوني وسياسي يمنع شطب الكيان الفلسطيني من الخريطة.
هنا يبرز دور الأمير محمد بن سلمان وقيادته للمملكة في إنقاذ وكالة الأونروا بـ280 مليون دولار في 2018 و40 مليون دولار طارئًا خلال الحرب، وضغوطه على بريطانيا وأوروبا لرفع تجميد الأموال، ومطالبته بوقف تسليح إسرائيل مما أدى إلى توقف إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وكندا عن ذلك، بالإضافة إلى حشد دولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية وتأسيس صندوق تمويل بـ90 مليون دولار لترسيخ وجودها قانونيًا وماليًا، مما يمنح الفلسطينيين حصانة دولية لمقاضاة إسرائيل وتلقي الدعم.
بهذا المنظور، يمكن فهم سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية باعتبارها مشروعًا متراكمًا: ضم زاحف للأرض، خنق ممنهج للمؤسسات الفلسطينية، صناعة رعب يومي عبر المستوطنين والأمن، إعادة تشكيل ديموغرافية غزة والضفة، ودفع الفلسطينيين نحو وضع قانوني هشّ يسهل معه إقصاؤهم أو تهميشهم في معادلات المستقبل. هذا الإطار التحليلي يوفر أساسًا يمكن البناء عليه لفهم التطورات الجارية وربطها بموازين القوى الإقليمية والدولية وخطابات “اليوم التالي” للصراع على فلسطين.
جزاكم الله خيرًا
ردحذف