هل يُنهي تسليم السلاح القضية الفلسطينية؟
هل يُنهي تسليم السلاح القضية الفلسطينية؟ تأملات في مفهوم المقاومة وموازين القوى
من بين أبرز الشروط التي تُطرح اليوم — في سياق الجهود الدولية لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 — هو تسليم حركة حماس لسلاحها كجزء من أي تسوية سياسية مستقبلية. وقد أثار هذا الشرط جدلاً واسعًا، خصوصًا في الأوساط الإسلامية والسياسية، حيث يرى بعض منظّري جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها أن "تسليم السلاح" يعادل خيانة للقضية الفلسطينية، بل ويعتبرونه نهايةً للنضال وتمهيدًا للاستسلام.
ويستند هذا الزعم إلى استحضار أمثلة تاريخية، كـ"تسليم السلاح في الأندلس" أو "استسلام بغداد للتتار"، باعتبارها نماذج على أن التخلي عن القوة العسكرية يؤدي حتمًا إلى الكارثة. لكن هذا التحليل، رغم ظاهره العاطفي، يفتقر إلى نظرة نقدية عميقة للسياقات التاريخية والسياسية، ويخلط بين مفاهيم "السلاح" و"المشروع الوطني"، وبين "القدرة على الردع" و"القدرة على البقاء".
السلاح وحده لا يصنع نصرًا
الواقع الميداني في غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 يُظهر بوضوح أن السلاح الذي تمتلكه حماس لم يُشكل رادعًا فعّالًا أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية. وفقًا لتقديرات وزارة الصحة في غزة (حتى أبريل 2025)، بلغ عدد القتلى أكثر من 34,000 فلسطيني، منهم نحو 14,000 طفل، وفق تقارير الأمم المتحدة. كما دُمّر أكثر من 60% من المباني السكنية في القطاع، وفق البنك الدولي، ونُزح أكثر من 1.9 مليون شخص — أي نحو 85% من سكان غزة — من منازلهم.
رغم امتلاك حماس لآلاف الصواريخ وأنفاق عسكرية متطورة، لم يمنع ذلك إسرائيل من شن واحدة من أكثر الحملات تدميرًا في التاريخ الحديث، بدعم لوجستي وسياسي غير مسبوق من الولايات المتحدة، التي وافقت — منذ اندلاع الحرب — على 12 صفقة بيع أسلحة لإسرائيل، بقيمة تجاوزت 14 مليار دولار، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2025.
ومن هنا، يبرز سؤال جوهري: ما قيمة سلاح لا يحمي شعبه، ولا يُجبر العدو على التفاوض، ولا يُسهم في بناء دولة أو حتى إدارة حياة كريمة للمدنيين؟
هل يُعقل أن نتمسك بسلاحٍ يُستخدم كذريعة للحرب، لا كوسيلة للسلام أو التحرير؟
التاريخ لا يُختزل في أمثلة مُنتقاة
إن استحضار تجارب مثل الأندلس أو سقوط بغداد أمام التتار، رغم رمزيتها، لا يُقدّم تحليلًا موضوعيًّا للواقع الفلسطيني اليوم. ففي الأندلس، لم يكن "تسليم السلاح" وحده سبب السقوط، بل كانت هناك عوامل داخلية كالانقسام السياسي، وضعف الحكم، وغياب المشروع الحضاري الموحّد. أما في بغداد، فلم يكن سبب الكارثة التتارية هو "إلقاء السلاح"، بل غياب التحالفات الاستراتيجية، وانعدام الاستعداد العسكري، وتفكك الدولة العباسية من الداخل.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن السلاح — حتى لو كان قويًّا — لا يمكن أن يُوازن قوةً نوويةً تمتلكها إسرائيل، وتُدعم عسكريًّا وسياسيًّا من أقوى دولة في العالم. ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فإن ميزانية الدفاع الإسرائيلية بلغت في 2024 نحو 27 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 100 ضعف الإنفاق العسكري لحماس (الذي يُقدّر ببضع مئات الملايين سنويًّا، غالبها من مصادر غير رسمية).
وبالتالي، فإن الرهان على السلاح وحده، دون استراتيجية سياسية شاملة، هو رهان خاسر.
المقاومة ليست فقط رصاصًا
المقاومة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو الأنفاق، بل بقدرة الشعب على الصمود، وبناء مؤسسات، وتوحيد الصف، وتشكيل رؤية سياسية واضحة تُجسّد تطلعاته. وقد أثبتت التجارب العالمية — من جنوب إفريقيا إلى فيتنام — أن النصر لا يأتي من القوة العسكرية وحدها، بل من الجمع بين العمل المسلح (إن وُجد) والعمل الدبلوماسي، والتعبئة الشعبية، والشرعية الدولية.
وفي الحالة الفلسطينية، فإن غياب مشروع وطني موحّد، وانقسام الساحة بين فتح وحماس منذ 2007، وانعدام الرؤية المستقبلية لدولة فلسطينية قابلة للحياة، كل ذلك حوّل السلاح إلى أداة للاستنزاف لا للتحرير. بل إن استمرار حماس في الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار الدولة أو المؤسسة الوطنية الموحّدة، حوّله إلى عائق أمام تحقيق أي تسوية سياسية، وجعل من غزة ساحة حرب دائمة، لا بوابة للاستقلال.
وقد أكّدت مصادر دبلوماسية غربية في أبريل 2025 أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يشترطان نزع سلاح حماس كجزء من أي خطة لوقف إطلاق النار الدائم، مشيرين إلى أن "لا مكان لميليشيا مسلحة خارج سلطة الدولة في أي ترتيب أمني مستقبلي". كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في خطابه أمام مجلس الأمن في مارس 2025، إلى "إعادة سلطة الدولة الفلسطينية على كامل أراضيها، بما في ذلك غزة"، مؤكدًا أن "السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها".
ماذا عن شرط تسليم السلاح اليوم؟
في ظل الضغوط الدولية المتزايدة — خصوصًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي — لوقف الحرب في غزة، أصبح شرط نزع سلاح حماس جزءًا لا يتجزأ من أي خطة لوقف إطلاق النار الدائم. ورغم أن هذا الشرط يبدو صعبًا على حماس، إلا أنه يطرح فرصة تاريخية لإعادة تقييم مفهوم "المقاومة".
فإذا كانت حماس تدّعي أنها تقاوم من أجل تحرير فلسطين، فهل يُعقل أن ترفض أي تسوية تُنهي معاناة شعبها، فقط لأنها ستفقد سلاحها؟ أليس من أولويات المقاومة حماية الشعب، لا تعريضه للمزيد من الدمار باسم "الثوابت"؟
ومن المفارقات أن بعض القوى التي تُحرّض اليوم ضد تسليم السلاح، هي نفسها التي لم ترفع إصبعًا لمساعدة غزة طوال أشهر الحرب، بل اكتفت بالخطابات والبيانات، بينما يدفع الشعب الفلسطيني الثمن. فحتى أبريل 2025، لم تُسجّل أي دولة إسلامية — باستثناء قطر التي قدمت دعمًا إنسانيًّا محدودًا — مساعدات عسكرية أو سياسية فعّالة لحماس، فيما واصلت إسرائيل تلقي دعمًا استراتيجيًّا غير مسبوق.
خاتمة: السلاح أداة، لا غاية
القضية الفلسطينية لن تُدمر بتسليم سلاح، بل ستُدمر باستمرار الانقسام، وغياب الرؤية، وتحويل الشعب إلى وقود لصراعات أيديولوجية لا تخدم مصلحته. السلاح أداة من أدوات النضال، وليس الغاية منه. والشعوب التي حققت تحررها لم تكن بالضرورة الأكثر تسليحًا، بل كانت الأكثر وحدةً، ووضوحًا في رؤيتها، وقدرةً على التفاوض من موقع القوة السياسية لا العسكرية فقط.
لذا، فإن النقاش يجب أن ينتقل من "هل نسلّم السلاح أم لا؟" إلى "كيف نبني مشروعًا وطنيًّا فلسطينيًّا موحّدًا يُعيد للشعب أمله، ويُجسّد تطلعاته، ويُحقّق أهدافه المشروعة في الحرية والدولة والكرامة؟". ففي النهاية، لا يُقاس نجاح المقاومة بمدى تدمير العدو، بل بمدى قدرتها على بناء وطن.
مصادر مرجعية (حتى أبريل 2025):
- وزارة الصحة في غزة – إحصائيات الضحايا (أبريل 2025).
- الأمم المتحدة – تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
- البنك الدولي – تقرير الأضرار في غزة (مارس 2025).
- وزارة الخارجية الأمريكية – بيانات بيع الأسلحة لإسرائيل (2023–2025).
- معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) – الإنفاق العسكري العالمي 2024.
- تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن (مارس 2025).
- مصادر دبلوماسية غربية (رويترز، فرانس برس – أبريل 2025).
✍️ كتب هذا المقال بقلم المتفائل
تعليقات
إرسال تعليق