الرد على مصري يزعم ان السعوديه استعمرت

بِقلم: المتفائل


أيها القارئ الكريم،

إذا سمعتَ أحدَهم يتحدّث عن الاستعمار كما يتحدّث التاجر الجائل عن بضاعته – يوزّعها في كلّ سوق، ويُلصقها بكل أرضٍ فيها ظل شجرة أو أثر إنسان – فاعلم أنك أمام بلاغةٍ فارغة، وخطابٍ يخلط الحَبَّ بالرمل.

فالاستعمار، يا سادة، ليس كلمةً تقال في الخطابات فحسب، ولا شتيمة تُلقى على كل من مرّ من أرضك. إنه نظامٌ تاريخي، له وثائقه، وجيوشه، وقوانينه، وسجلاته الدامغة. ودعونا – كما يحب المتفائل أن يقول – "نضع الحقائق فوق العواطف، كما نضع السفينة فوق الماء، لا تحتها".

١. مصر: عندما كان الاستعمار يُرفع علمه فوق القصور

دخل الإنجليز مصر سنة ١٨٨٢ – لا كزوارٍ يتأملون الأهرام، بل كحكامٍ يمسكون بخناق الاقتصاد، ويوجهون الجيش، ويُصدرون القرارات من قصر القبة. لقد استمر الاحتلال البريطاني لمدة ٧٤ عامًا، وكان خروجهم عام ١٩٥٦ بعد كفاحٍ طويل، وثورة عرقت دماً، وتضحياتٍ لا تُنكر.
هذا هو الاستعمار الذي لا يحتاج إلى تفسير: جيش أجنبي، وسيطرة مباشرة، وثروات تُنقل، وشعبٌ يُحاكم تحت القانون العسكري الأجنبي.

٢. الجزيرة العربية: الأرض التي لم ترَ مستعمراً يرفع عَلَماً

أما هنا – في صحراء نجد والحجاز والجنوب – فلم تُنصب قطُّ خيمة حاكم إنجليزي أو فرنسي. نعم، كان العثمانيون حاضرين في الحجاز وبعض المناطق، لكنهم لم يحكموا القلب النابض للجزيرة. لم تكن الرياض أو الدرعية أو القصيم يومًا تحت التاج البريطاني.
بل إن بريطانيا نفسها أبرمت معاهدة دارين سنة ١٩١٥ مع عبدالعزيز آل سعود– اعترفت فيه بأن نجد والأحساء ليست محميات بريطانية، وأن الشيخ عبدالعزيز حاكم مستقل.

٣. الفرق بين من يُحرّر أرضه، ومن يبني دولته من العدم

لقد وحّد الملك عبدالعزيز المملكة من الداخل، بقبائلها، ومجالسها، وسواعد أبنائها. لم يطرد مستعمرًا لأن المستعمر لم يكن هنا. أما مصر، فقد طردت المستعمر بعد أن جثم على صدرها أكثر من نصف قرن.
أن تقول إن السعودية وُلدت من رحم الاستعمار كقولك إن النخلة تنمو من تحت الثلج– كلامٌ يبدو شاعرياً، لكنه يفتقر إلى الدليل والواقع.

٤. لماذا يصرّ البعض على هذا الالتباس؟

لعله من روعة الانتماء إلى "قضية كبرى"، أو ربما لبساطة الفهم: فكل من مرّ ببلادك يصبح "مستعمرًا"، وكل علاقة سياسية أو تجارية تُفسّر على أنها هيمنة. لكن التاريخ ليس لعبة تشابه، بل هو سجلٌّ دقيق.

الاستعمار الحقيقي يترك وراءه محاكم، ومعاهدات إذعان، وعملاً نقدياً بالعملة الأجنبية، ومحوًا للهوية. أما النفوذ، فهو يختلف تماماً – وقد عرفته كل دول العالم، بما فيها تلك التي تدّعي اليوم أنها لم تُستعمَر!


وفي النهاية، كما كان المتفائل ليُعلق:

"إن الحقائق عنيدة، لكن الأوهام أشدّ عنادة منها. فالأولى تقف أمامك كالجبل، والثانية تتسلل كالضباب – حتى تُصَدِّق أن الصحراء كانت بحرًا، وأن الاستعمار كان في كل مكان."


لقد قدّمنا الوثائق، وسردنا الوقائع، وبيّنا الفروق. فمن يريد أن يجادل بعد ذلك، فليُحضر معه خريطة استعمارية للمملكة، أو وثيقة احتلالٍ موقعة من His Majesty’s Government – وإلا فليترك التاريخ لأهله، ولْيُدرك أن التشبيه العاطفي لا يغني عن الحقيقة التاريخية شيئاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي